رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 17 ديسمبر 2018

مقالات



التانجو الأخير فى باريس

5-12-2018 | 01:00
مهدى مصطفى

باريس لا تلد الثورات، إنما تربيها.

استلهمت ثورتها الشهيرة من مجيدة البريطانية 1688، ومجيدة لعبة الكراسى الموسيقية فى البلاط الملكي، كانت واستمرت إلى الآن.
وباريس حفظت دروس ثورة جماعة شاى بوسطن الأمريكية 1776، ونفذتها  على أراضيها بإتقان، فسالت الدماء أنهارا، وذهب أبرز مفكريها ومبدعيها ضحايا للتقليد، وفى التقليد يكمن الخطر، ولهذا تبرع باريس فى الموضة كل عام.
 
وباريس تستورد الشكل، وتضع فيه البصمات الفرنسية، والبصمات عنيفة، قاتلة، فوضوية، وجاءت ثورتها عام 1789 كالبصمات الخاصة، دموية، عاشت، وتعايشت معها عشر سنوات من الرعب والإرهاب.
 
وباريس تستلهم الآن  نفس اللعبة، لعبة آل روتشيلد وآل سوروس، الأول يسيطر على المال، والثانى يرتب الفوضى فى الشوارع، ومن ينتصر سيقود أوروبا مفككة، ينتهى بها المطاف إلى جماعات عرقية ودينية متصارعة، وهذا ما سيحدث فى الواقع.
 
واللعبة تبدأ دائما بشعارات نبيلة، وتنتهى بالدم والدموع، وتدمير ما تركه الأجداد من ميراث، كل الأجداد، من أى حضارة أو قومية، أو جماعات عرقية، أو دينية.
 
 الطبيب واحد، والدواء واحد، تتغير الفصول، وتبقى الوصفة ثابتة، نجحت فى المتحف العراقي، ومدائن ليبيا التاريخية، والمجمع العلمى المصرى، ومدينة تدمر السورية، حقا إنها مصادفة.  
 
ظهرت الوصفة الجاهزة يوم السبت الباريسى الأسود فى الأول من ديسمبر الجارى، باقتحام قوس النصر، فخر فرنسا التليد، ليعيش القوس المبجل ليلا أسود من قرن الخروب، ويجد نفسه أسيرا مهانا ذليلا، ملطخا بالعار.
 
باريس تتوجع من حماية جورج مارشال الأمريكى، ترغب فى التحرر من كابوس موقعة نورماندى التى حررتها من النازى الألماني، تنتظر يوما يكون فيه جيش أوروبى يحمى القارة العجوز بعيدا عن حماية قوات المارينز الأمريكية، لكنها غير قادرة.
 
وجع باريس لا ينتهى، فالذاكرة جريحة، فهى تعرف حقا أن ثورتها كانت محض استلهام بريطانى - أمريكى، وأن انتصارها فى الحرب العظمى الثانية حدث بمساعدة أمريكية، وأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، هو استعداد لعودة التاج الذى لم تكن تغيب عنه الشمس للظهور مرة أخرى، وأن ألمانيا تنازعها مقعد مجلس الأمن الدائم.
 
باريس تعرف الآن أن أمريكا ترامب تغادر المسرح، ترفع مظلة مارشال، تتركها تحت السماء عارية، فتحاول أن تحتفظ بمقعدها كقوة عظمى، لكنها تعرف أنها لا تحظى برعاية  العيون الخمس: «أمريكا، بريطانيا، كندا، نيوزيلندا، أستراليا»، عيون العالم المتحكمة السرية، وهى بالطبع ليست ألمانيا صاحبة القرنين الأخيرين، والمتباهية بنفسها، علميا وفلسفيا واقتصاديا وعسكريا، وثقافيا، وهى قادرة على العودة فى أى وقت تشاء.
 
حالة باريس الآن تستدعى إلى ذاكرتى مشاهد من فيلم” التانجو الأخير فى باريس”، أحد أهم الأفلام العالمية النادرة، فبطل الفيلم” مارلون براندو، الأمريكى من الغرب الأوسط، ضمن مشاهد الفيلم، يعتدى واقعيا، لا تمثيلا، على الممثلة الفرنسية ماريا شنيدر، وكانت فى سن  التاسعة عشرة، وفيما بعد هذا الفيلم شعرت ماريا بالعار، واعترفت بالاعتداء عليها من براندو دون رغبتها.
 
وباريس تقريبا لا ترغب فى روتشيلد ولا جورج سوروس، ولا ترغب فى الاعتداء عليها من دونالد ترامب فى تغريداته الحارقة، كما رفضت ماريا تبريرات بيرناردو بيرتولوتشى مخرج فيلم “ التانجو الأخير فى باريس”. ورغبتها مستحيلة، فالخرائط ستتغير فى أوروبا العجوز، ولن تفلح معها وصفة برنارد هنرى ليفى، بصناعة ربيع بعيدا عن ليل باريس الساهر.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg