رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 17 ديسمبر 2018

مقالات



قراصنة الأحلام (2)

6-12-2018 | 15:04
إيمان طاهر

 هل نستطيع أن ننكر أو نتوارى عن الحقائق حولنا؟!...
بالطبع لا، فواقع الأحداث على الأرض يحفز الإدراك لدينا وأهمية ما يحدث على الأرض الفرنسية، ذات الحضارة التاريخية القديمة، والتى كانت ثانى إمبراطورية استعمارية فى القرن الـ 19 بعد الإمبراطورية البريطانية وتاريخها الحديث، من خلال ثقافتها وجمعها بين القيم الديمقراطية والعلمانية والجمهورية ونمطها المتميز فى الحياة، بكل نواحيها الثقافية والعلمية، الاقتصادية والعسكرية ومركزها السياسى، كإحدى الدول المؤسسة للاتحاد الأوروبى والعديد من المؤسسات الدولية، تجعلها محطة انتباه وقاعدة مهمة، يحاول كل باحث تاريخى أو سياسى أن يتتبع استجلاء تطور أحداثها... فقد أفرد الباحثون والمحللون لتاريخ الثورات الفرنسية الكثير من الصفحات والأبحاث الدقيقة فى مؤلفاتهم، وتمكنوا من توضيح تفاصيل عظيمة كانت غامضة من تاريخ الثورات وتشكلها، وتحولها وارتباطها بمصائر الأمم، ولعل اشتباك علم النفس مع السياسة كان من أفضل مستحدثات العصر، فكل لغز من ألغاز الثورات استطاع علم النفس اكتشافه ولولاه لظل من حوادث التاريخ الخارقة الخفية...
 
 فبجانب الوثائق التاريخية لأى حدث يظل الإنسان يبحث عن الأسباب!! وكل صفحة تقدم من خلالها برهانا على وجود أسباب نفسية، ويمكن للتاريخ أن يستشهد بتلك النظريات التى يطرحها علم النفس فى تفسير الكثير من الأحداث غير المنطقية.. كالمؤثرات الإرثية والسنن المغايرة للجماعات والعدوى النفسية ونشوء المعتقدات داخل المجتمعات ... ولعل الفقر هو أبرز الأسباب، كما دونه المؤرخون فى تاريخ ثورات فرنسا. وهذا يفسر لنا الكثير من الطبيعة البشرية كون الإنسان اهتماماته الأولى هى الاقتصادية وليست السياسية، فكل عمل بشرى يجرى فيه الإنسان محاولته للسيطرة الدائمة على الطبيعة ومواردها وإخضاعها لإشرافه، لذلك فالنتاج المادى هو أساس الحياة الاجتماعية بأكملها، ووصول الشعوب لمرحلة الاحتجاجات ما هو إلا للوصول لتلك الغايات.
 سأخرج قليلا عن تلك الاحتجاجات على الأرض الفرنسية، وإن كنت سأدور فى فلك الأسباب النفسية لغضب الجماهير.
 ما أسوأ كوابيسنا المزعجة والتى كانت تعد ضرباً من الخيال وتحققت؟!!
 فى عام 1931 كتب الروائى والشاعر "ألدوس هسكلي" رواية "عالم جديد شجاع"، تنبأ فيها بسيطرة العلم على العالم بشكل آلى لا عاطفة فيه ولا جمال!! فلننظر كيف تخيل المستقبل وكيف تحقق خياله إلى حد كبير!
 فرسم لنا عالماً يتم الاستغناء فيه عن العلاقات البشرية، عن طريق إغراء الناس وليس إجبارهم، لأن المتحكمين فى هذا العالم اكتشفوا بأن القوة لا تجدى، وإنما إغراء الناس وإتاحة كل المتع يجعل الجميع خاضعا للمنظومة، فتخيل إلغاء العائلات البيولوجية، ومن ثم الارتباطات العاطفية وجعل العلاقات الجنسية متاحة بلا أى واعز دينى أو أخلاقى!! وجعل المجتمعات تحت رحمة التكنولوجيا فى توجيه الانفعالات والأحاسيس المصنعة، فهناك عقار ما يمنح الإنسان السعادة وآخر يتيح له النوم، وهرمونات اصطناعية مختلفة التركيبات والتأثيرات، ومجسات تغرس فى الجسد الإنسانى، لتقيس مدى استجابته لتلك المؤثرات لتحوير السلوك الإنسانى بشكل ضعيف ولكن مستمر، وهكذا يتم الاستيلاء على مراكز الإدراك فى العقل الإنسانى، حتى يسود الفكر الآلى، ولا أحد يأخذ الدين أو المبادئ على محمل الجد، ويكون الزواج والأطفال عن طريق القوارير لتنعدم شخصية الإنسان تدريجياً، وتقل المعارف لأنه ببساطة لم يعد أحد يقرأ لتشابه الجميع من البشر فى ذلك الاستقرار الآلى المفروض، وصولاً لفقد الإنسانية صفاتها البشرية.
 ولا نستطيع أن ننكر بتحقق الكثير مما تخيله الكاتب فى عالمنا الآن، واستخدام التكنولوجيا فى تطويع البشر!!
 فتلك الثورات التكنولوجية خلقت صراعا مجتمعيا إغرائيا للبشر وحالة عامة من الاكتئاب والكروب العاطفية وأحياناً الجنون، فكل شيء متاح للجميع حتى الأديان لم يعد من يأخذ بتعاليمها على محمل الجد فأصبحت مثاراً للسخرية والاستهزاء والعائلات والقيم الأسرية والترابط والأحاسيس الفطرية بالرحمة أو المودة .
 فى الحقيقة لم يعد أحد يقرأ بعد الآن أو حتى يفتقد قيمة الكتب وتصفحها! أساءت تلك التكنولوجيا إساءة بالغة للإنسانية فينا كما أفادت تماماً.
 نظرة سريعة لأحوال البشر فى العالم كله فى صراعاتهم اليومية للكفاح والطموحات التى تم زرعها بينهم بشكل استهلاكى لا إنسانى حولهم لآلات لا تحب ولا تتألم ولا تتفهم!!
 فوجودنا كبشر له مغزى للاستمرارية وتشكيل كل الصور المحتملة للنظم الاجتماعية، سواء كانت سياسية أم ثقافية وقدرتنا على التمييز والاختيار، وتلك الاحتجاجات بالرغم من عنفها الدموى والتخريبى غير المقبول، فإنها انتصار للبشر على التكنولوجيا..
 علينا ألا نستخف أبداً بتنامى الغضب فى العالم وقوة الكراهية التى انتشرت، خصوصا إذا ارتبطت بالأزمات الاقتصادية، فهى الباب الذى يحدد أسباباً ملموسة لمشاعر الخوف لدى الناس وتهديد إحساسهم بالأمان، فوراء كل احتجاج أسباب نفسية لمظالم قوامها العاطفة، وحتى إن كانت تمجد الحرية والتقدم، وتشكل ظاهرياً شكلاً من الرقى، سترى التناقض ما بين أفعالها ومعتقداتها على الأرض طوال تصفح تاريخ ثورات فرنسا، ستجد دائماً تصادماً ما بين التقاليد والمبادئ الثورية، وهو ما أدى إلى استمرار تلك الحركات الثورية، فهذه المبادئ التى انتشرت بين طبقات الأمة شيئاً فشيئاً، والتى رفضتها أكثرية الشعب والطبقة الوسطى، وكل ما ارتكبته الحكومات من أخطاء، يثبت لنا أن الشعوب محكومة بنفسيتهم أكثر مما تحكمهم الأنظمة.. فالثورات الكثيرة والمتعددة التى حدثت فى تاريخ فرنسا، كانت نتاج نزاع ما بين حزبى الأمة أصحاب نفسيتين متباينتين، بكل ما يحملانه من مؤامرات وفتن، وظلت حتى الآن كالإنسان غير القادر على الانفصال عن ماضيه.
 وبالرغم من تلك الأحداث الاجتماعية المباغتة، فإن الحوادث فى مجموعها مسيرة سواء داخلياً أم خارجياً. وسرعان ما ستتكشف الحقائق وراء كل تلك الأحداث المحزنة، لأن الأوهام لا تدوم طويلاً.
 قد تكون التكنولوجيا أسهمت بشكل كبير فى تنظيم احتجاجات فرنسا الأخيرة، إلا أنه فى النهاية أثبتت لنا فشلها فى محو الوجود الإنساني.
 ويظل الشعب الفرنسى بغض النظر عن مدخلات جنسيات أخرى بثقافتها داخله أكثر ثقافة واتساقاً فكرياً وسلوكياً، لأفكار لطالما آمن بها وكانت داعما لمبادئه الحياتية عبر التاريخ من حرية وعدالة ومساواة .
 أثق كثيراً فى هذا الشعب بأنه سيقدم ورقة حضور للحضارة مرة أخرى، بالرغم من كل التشابكات المخيفة من حوله.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg