رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 17 ديسمبر 2018

مقالات



حكومة لبنان المتعثرة بين ضغوط الخارج وفقدان ثقة الداخل

6-12-2018 | 15:03
د. حسن أبوطالب

مرت سبعة أشهر على الانتخابات النيابية اللبنانية، وأقل منها بشهر على تكليف سعد الحريرى تشكيل حكومة جديدة لم تر النور بعد، ولتظل البلاد فى ظل حكومة تسيير أعمال يومية ومقيدة فى اتخاذ أية قرارات كبرى أو إستراتيجية تتعلق بمصالح لبنان العليا. الجميع فى لبنان يشتكون ويزمجرون ويرفضون هذه النتيجة التى تبدو مرشحة بقوة لمزيد من الاستمرار ومزيد من إضاعة الفرص ومزيد من تعقيد ولادة تلك الحكومة.
 
منذ فترة بعيدة ولدى  إصرار على وصف لبنان بالبلد «الفريد»، صاحب الخصوصية المميزة بأمور عدة، سواء التركيبة الاجتماعية والنخب السياسية والشعارات التى تُطلق على ضفاف تعبير «التوافق» باعتباره الملاذ الذى يحمى لبنان وأهله من نفسه، ومن شطط بعض نخبته السياسية، ومن سوء تقدير يقع فيه الجميع دون استثناء أحيانا، ويكون له أثر بالغ السوء وبالغ الحدة. وفى كل محطات لبنان كان هناك حديث متكرر حول خضوع الانتقال من مرحلة إلى أخرى، سواء من حرب أهلية إلى سلام وتوافق، أم الانتقال من عهد رئاسى إلى آخر، أم من تشكيلة حكومية إلى أخرى، بأن هناك يدا خفية ذات نكهة دولية إقليمية لها القرار النهائى فى تحقيق العبور المطلوب ووفق أية صيغة وفى أى لحظة زمنية، أو تأجيله بعض الوقت حتى تتضح ملامح ما يجرى حول لبنان، وليس بالضرورة ما الذى يجرى داخل لبنان ذاته. 
 
ما جرى فى الأشهر السبعة الماضية بشأن تشكيل الحكومة لا يمكن وصفه بأنه مجرد خلاف فى الاجتهادات والطموحات للقوى السياسية أيا كانت الطائفة التى تتبعها، أو النموذج الفكرى والإيديولوجى الذى ترفعه وتدعى أنها تعمل على هديه، فكل الخلافات سواء الخاصة بعدد الوزراء الذين يطمح كل فريق فى توزيرهم فى الحكومة الجديدة، أم نوعية الوزارات نفسها خدمية أم سيادية، فهى من قبيل الأمور التى يمكن التوفيق بينها إذا صحت النيات لخدمة البلد والناس. مفهوم التوافق هنا أحد الأبواب والمداخل التى تلعب دورا جوهريا فى تسوية مثل هذه المشكلات التى أراها مفتعلة وواهية، ويتم التمسك بها من أجل أمور أخرى لا علاقة لها بلبنان وشعبه، بقدر ما هى مرتبطة بعوامل خفية وغير مقبولة من حيث المبدأ والمنتهى. ولذا فالحديث عن أسباب إقليمية أو خارجية، برغم نفى كثيرين لها فى الداخل اللبنانى، لكنها تبدو ذات مصداقية كبيرة، كما أن لها تراثا مشهودا فى تاريخ لبنان القريب والبعيد على السواء.
 
حين كُلف سعد الحريرى بتشكيل الحكومة الجديدة طرح السياسيون اللبنانيون حوارا ذا طابع جدلى، اتسم بكثير من السفسطة وقليل من الجدية حول أمرين متداخلين، أولهما طبيعة الحكومة المطلوبة، وهل هى حكومة وحدة وطنية تمثل القوى السياسية بناء على حجم نجاحها فى الانتخابات النيابية، أم تكون حكومة تتشكل من تكنوقراط ومتخصصين أكفاء فى مجالاتهم لغرض معالجة القضايا والمشكلات التنموية الكبرى التى تغرق فيها البلاد، أم تكون مزيجا من هذا وذاك، أم رابعا حكومة أغلبية تواجهها أقلية معارضة كما هى الحال فى النظم النيابية.
 
أما الأمر الثانى فتعلق بنوعية المعايير التى سيلتزم بها رئيس الحكومة المكلف فى اختيار وزرائه. وهنا طرحت رؤى كثيرة أبرزها أن الدستور اللبنانى، أعطى حرية الاختيار لرئيس الوزراء المكلف ولم يضع عليه أية قيود، فى حين طرح آخرون، لاسيما المنتمون إلى «التيار الوطنى الحر» الذى يعد الظهير السياسى والشعبى للرئيس عون، أن الدستور أيضا جعل اختيار الوزراء بمثابة شراكة وتفاهم وتنسيق بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة المكلف. وهنا اتضح أن ثمة اتفاقا أو تفاهما بين الرئيسين حول عدة مبادئ حين اختيار الوزراء الجدد، أبرزها ألا يكون هناك احتكار لفئة أو لطائفة فى الحصول على  المناصب الوزارية وفى الآن نفسه عدم إقصاء أحد. وهو تفاهم عكس بدوره اعتماد صيغة حكومة وحدة وطنية عامة تتشارك فيها كل القوى السياسية، لأن لبنان فى المرحلة الراهنة لا يحتمل استبعاد هذا الطرف أو ذاك، كما لا يحتمل أن تكون حكومته الجديدة رهينة صراع سياسى بين حكومة أغلبية وأقلية معارضة، أو رهينة لغالبية بسيطة يمكن أن تضيع فى لحظة ما.
 
الأشهر السبعة الماضية أثبتت أن هذه الصيغة المثالية نظريا لظروف لبنان ولظروف المنطقة ككل، تبدو فاقدة لأهم شروط تحقيقها وهى توافق القوى السياسية أنفسهم على إنجاز هذه الحكومة، ومن ثم الدخول إلى معترك البناء والتنمية وتعزيز قدرات البلد لمواجهة كم هائل من التحديات الداخلية والخارجية معا، وأبرزها التعديلات التشريعية المطلوب إنجازها تحقيقا لمتطلبات مؤتمر «سدر»الخاص بدعم لبنان.
 
صحيح أن بعضا من المشكلات الخاصة بعدد وزراء كل فريق داخل إطار الطائفة الواحدة قد تمت تسويته بعد حوارات ومناقشات وتنازلات متبادلة، كما حدث فى تفاهم «معراب»بين «القوات» بزعامة سمير جعجع و «التيار الحر» برئاسة جبران باسيلى، والذى حدد حصة معينة لكل حزب وهى ستة وزراء إضافة إلى حصة رئيس الدولة. وبرغم أن  التفاهم لم يُطبق بالنسبة لأعداده التى اتفق عليها، لكنه أسهم فى تسهيل تحديد حصة كل طرف وكذلك نوعية الوزارات. كما حدث أيضا فى حل ما عرف بالعقدة الدرزية.
 
فإن هناك مشكلات أخرى ظهرت منذ مطلع أكتوبر الماضى وأخرت إعلان الحكومة التى كان يبشر بها رئيس الوزراء المكلف آنذاك. منها مشكلة تخصيص وزارة الصحة لأحد وزراء حزب الله، وهو ما عارضه سعد الحريرى لأن هذه الوزارة مرتبطة بالحصول على مساعدات خارجية من دول أوروبية ومن الولايات المتحدة، وهؤلاء لن يقبلوا بالتعاون مع وزير من «حزب الله» يعتبرونه منظمة إرهابية.
 
وآخر تلك المشكلات اثنتان، الأولى أن «حزب الله» لم يقدم بعد أسماء الوزراء الخاصين به، والثانى ما يتعلق بطلب الحزب أيضا توزير أحد نواب ما يُطلق عليهم بالسُنة المستقلين، والمرتطبين بتحالف «8 آذار” وعددهم ستة نواب، والذين لا يشكلون فيما بينهم تكتلا سياسيا خاصا، بل إن أربعة منهم أعضاء فى تكتلات أخرى.
 
هاتان العقبتان لكل منهما خريطة تفاعلات وتداعيات. فهناك من يرى أن تأخر “حزب الله” فى تقديم أسماء وزرائه يعكس قرارا إيرانيا بالأساس فى إعاقة تشكيل الحكومة اللبنانية، انتظارا لما سيتضح بشأن تسوية الأزمة السورية وموقع إيران فى تلك التسوية، وأيضا كرسالة لمن يعتمدون على الدعم الغربى والأمريكى بأن العقوبات الأمريكية على إيران لن تمر بسهولة، كما هى الحال بشأن تشكيل حكومة عادل عبد المهدى فى العراق والتى تواجه كل يوم عقبة من هنا وأخرى من  هناك. وفى الرد على موقف حزب الله، طالب حزب القوات اللبنانية بتشكيل الحكومة بمن حضر، وتجاهل موقف حزب الله، وهو أمر يبدو عصيا على التنفيذ لأسباب شتى؛ أهمها موقع الحزب فى  الخريطة السياسية والإستراتيجية داخل لبنان نفسه وفى البيئة الإقليمية الأوسع التى تضم سوريا وإيران وإسرائيل. كذلك فمن الصعوبة بمكان انتظار قبول الرئيس عون ومن ورائه التيار الوطنى الحر، وهو الحليف المهم لحزب الله فى السياق المسيحى المارونى، لمثل هذه الفكرة. ولذا سيظل انتظار أسماء وزراء الحزب فى التشكيلة الجديدة أمرا لا غنى عنه.
 
لكن هذا الانتظار بات مرتبطا بتسوية طلب الحزب توزير أحد النواب السنة المستقلين، وهو طلب تم  تبريره بأن هؤلاء كانوا وما زالوا من حلفاء الحزب وهو الذى لا يستطيع أن يتجاهل حلفاءه، وثانيا أن هؤلاء منتخبون ويعبرون عن واقع التنوع فى الشارع السُنى ولابد من توزير أحدهم. والمشكلة العملية فى تحقيق هذا الطلب تتعلق بمن هو الفريق السياسى السُنى الذى يقبل بأن يتنازل عن أحد وزرائه لكى يحل محله أحد هؤلاء النواب الستة، كما تتعلق أيضا بما هى الوزارة التى يحصل عليها هذا النائب السنى هل هى وزارة دولة أم وزارة عادية؟
 
كان الرئيس نبيه برى اقترح أن يتم توزير أحد هؤلاء النواب السنة “المستقلين” من حصة الرئيس عون بدلا من أحد السُنة الذين يعدون من فريقه، أو أن يخصم من حصة كتلة المستقبل ورئيس الوزراء شخصيا. وهو أمر يبدو تمريره من الصعوبة بمكان، لاسيما وأن موقف الرئيس الحريرى واضح تماما، إذ يُصر على أن هؤلاء لا يشكلون كتلة نيابية مستقلة، وبعضهم أعضاء فى كتل أخرى وشاركوا بهذه الصفة فى مشاورات اختيار  رئيس الوزراء المُكلف، وبالتالى فإن توزير أحدهم يعصف تماما بالأسس التى تم على أساسها تشكيل الحكومة المقترحة والتى هى موجودة لدى رئيس الدولة. وقد أوضح الحريرى موقفه فى افتتاح “المنتدى التشريعى التشاورى” نهاية نوفمبر الماضى بأنه لن يغير موقفه، وهذا ليس من باب التحدى لأحد، ولكن لأن “المطروح حاليا لا علاقة له لا بالتسويات ولا بمصلحة البلد ولا اللبنانيين”.
 
بقاء الإشكاليتين على هذا النحو يعنى أن مولد الحكومة اللبنانية ليس قريبا، وأن مولدها هذا يتطلب مرونة من كل أطرافها، وليس فقط من أحدهم. والمؤشرات الظاهرة ترجح أن التعنت السياسى لن يسمح لأحدهم بالمرونة إلى أن تتغير بعض الوقائع على الأرض، وتلك بدورها تنتظر انفجارا كبيرا.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg