رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 22 مايو 2019

رياضة



التاريخ يشهد ويؤكد: كأس الأمم الإفريقية.. بطولة سياسية جداً

19-12-2018 | 17:47
علاء عزت

رئيس زامبيا يجبر الوزراء على خوض مباريات.. وإطلاق أسماء زعماء القارة السمراء على البطولات
 
مصر ترفض مزاحمة الأشقاء.. وترحيب قارى بدور المنقذ
 
من جديد عادت بطولة كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم، لتؤكد وتبرهن على أنها بطولة سياسية جدا.. خصوصا أن تنظيم تلك البطولة القارية الكبرى يبقى مرهونا دوما بأمور سياسية، وعلاقات الدول ببعضها البعض.. وهو الأمر الذى تجسد فى الأسبوع الماضي، عندما أعلن الاتحاد الإفريقى للعبة "الكاف" سحب تنظيم النسخة الـ 32 والمقرر لها صيف العام المقبل من ضيافة الكاميرون.. على خلفية عدم قدرة بلد الأسود على إعلان وتأكيد جاهزيتها لاستضافة العرس القارى الكبير فى منتصف يونيو من العام المقبل.
ظن الكثيرون من الوهلة الأولي، أن سحب تنظيم المونديال الأسمر من الكاميرون، جاء على خلفية مخطط سرى أو اتفاق سابق بين "الكاف" ودولة المغرب العربية الشقيقة، وهو الأمر الذى كان متداولا إعلاميا منذ أكثر من عام، فإن الدولة العربية فاجأت العالم بأسره بالتأكيد على أنها لم تكن تخطط أو تسعى يوما لاستضافة البطولة، وهو الأمر الذى وضع الاتحاد الإفريقى برئاسة المدغشقرى أحمد أحمد والبطولة فى "ورطة" حقيقية، قبل أن تظهر مصر فى دور المنقذ الجاهز، وأعلنت رغبتها وجاهزيتها للاستضافة برغم ضيق الوقت، فيما دخلت جنوب إفريقيا على استحياء طرفا فى المنافسة فى اللحظات الأخيرة قبل إغلاق باب الترشح.. على أن يتم الكشف عن اسم الدولة المضيفه للبطولة فى التاسع من الشهر المقبل فى العاصمة السنغالية داكار على هامش احتفالية "الكاف" السنوية.
 
مصر الإنقاذ
الحقيقة أن سرعة تقدم مصر بطلب رسمى ممهور بضمان ودعم الحكومة المصرية فى أقل من 24 ساعة من اعتذار المغرب رسميا، كان له وقع كبير ورائع فى كل أرجاء القارة الإفريقية، وتحدثت العديد من وسائل الإعلام السمراء عن دور المنقذ أو "السوبر مان"، وأن مصر بسرعة الترشح أثبتت عمليا للعالم أجمع، أنها دائما جاهزة لاحتضان جميع التظاهرات الكبرى سياسيا واقتصاديا ورياضيا.. فيما يرى الخبراء السياسيون المصريون أن استضافة بطولة كروية كبيرة تجمع بين 24 منتخب دولة فى القارة، سيعظم من مكانة مصر السياسية، فى وقت تعود فيه مصر بقوة إلى أحضان قارتها.
وكانت مصر قد سبق أن أعلنت أنها لن تزاحم المغرب على استضافة البطولة إذا ما تم سحب التنظيم رسميا من الكاميرون، وهو الأمر الذى قوبل بترحاب شعبى وإعلامى فى المغرب، قبل أن يخرج وزير الرياضة هناك يعلن عدم التقدم بطلب للاستضافة.
وحول تلك المفاجأة، أكد الدكتور منصف اليازغى الباحث المغربى فى السياسات الرياضية، أن قرار بلاده بعدم الترشح لاستضافة النسخة المقبله من "الكان" منطقى وسيكون له وقع إيجابى على المملكة فى المدى البعيد.
وأوضح اليازغي، أن هناك عدة أمور دفعت المغرب لاتخاذ هذا القرار، بعضها واقعية، وأخرى موضوعية "فطيلة العامين الماضيين اتهم المغرب بالتحكم فى قرارات الكاف، وبالتالى فالمشككون فى مصداقية وشفافية هذه المنظمة الكروية، يرون المغرب المسئول الأول عن سحب البطولة القارية من الكاميرون".. وشدد على أن المغرب لا يمكن أن يخسر حلفاءه وعلى رأسهم الكاميرون، لأن هذا الاتهام (التحكم فى الكاف) مضر بصورة المغرب كشريك من جهة، وكنهج تجاه إفريقيا سلكه منذ سنوات.
وتابع اليازغي:"المغرب لا يريد أن يخسر الكاميرون التى ظلت دائما إلى جانبه فى قضاياه السياسية، كما أنها صوتت للملف المغربى خلال منافسته على استضافة مونديال 2026.. هى أمور مبنية على تحالفات، المغرب لا يمكن أن يرهن علاقاته السياسية والاقتصادية بكأس إفريقيا لمدة شهر، بينما هو ينتظر دعما على المدى البعيد فى إطار اتحاد إفريقى فى صيغته السياسية، وليس فى صيغته الرياضية".
وكان الوزير المغربى قد برر رفض بلاده لاستضافة البطولة بحجة أن المغرب ستستضيف العام المقبل 2019 دورة الألعاب الإفريقية التى يشارك فيها 5 آلاف رياضى ورياضية من أكثر من 50 دولة إفريقية، وليس من المنطقى أن ينظم بلد أكبر تظاهرتين رياضيتين فى قارته فى عام واحد وفى توقيت متزامن.
ولم يستبعد الباحث المغربي، أن يكون للجانب الاقتصادى دور فى عدم الترشح لاستضافة العرس الكروى الإفريقي، فقد يرى المسئولون المغاربة فى "الكان" تظاهرة غير مربحة، فربما جاءت أرباحها أقل بكثير من الخسائر التى ستتكبدها المملكة.
 
لوى الذراع
إذا كانت المغرب اعتذرت عن عدم الترشح لأسباب سياسية، وحافظا على علاقاتها بالحليف الكاميروني، فإن جنوب إفريقيا اشترطت عند التقدم بطلب الاستضافة بعد مصر، بضمان الحصول على أرباح مادية، حتى إن وزير الرياضة فى بلاد "البافانا بافانا" أعلن أن الحكومة ستوافق على التقدم بطلب التنظيم حال موافقة الكاف على منحها جزءا من الأرباح المتمثلة فى عائدات البث التليفزيونى وبيع التذاكر.
كشف دومينيك شيمافى المتحدث الرسمى باسم الاتحاد الجنوب إفريقى لكرة القدم عن ملامح الملف الذى تقدمت به بلاده لمنافسة مصر على استضافة بطولة كأس الأمم الإفريقية 2019.. وقال المتحدث باسم اتحاد جنوب إفريقيا:"لدينا ملاعب جاهزة لاستضافة البطولة، لا أتحدث فقط عن الاستادات التى استضافت كأس العالم 2010 وتضاهى ملاعب فى إنجلترا وروسيا".. وأكمل "أتحدث عن امتلاكنا مطارات تستقبل رحلات من العالم كله، بالإضافة إلى المطارات المحلية التى تغطى كل المدن، وفنادق رائعة جاهزة لاستقبال الجماهير".
وتابع "هناك طفرة حقيقية فى ملاعبنا، وأتحدث هنا عن الأماكن التى سيمارس منها الإعلاميون عملهم وغرف ملابس اللاعبين وكل الإمكانات التى يجب أن تتوافر فى ملاعب عالمية".. واستدرك "جنوب إفريقيا ليست فقط قادرة على استضافة كأس الأمم، ولكننا تقدمنا بعرض لاستضافة كأس العالم للكرة النسائية فى 2023".
وقلل المتحدث باسم الاتحاد الجنوب إفريقى من تأثر ملف استضافة البطولة بالمخاوف من الأحوال الأمنية فى البلاد.. وعن ذلك، قال:"القلق من الأحوال الأمنية فى جنوب إفريقيا ليس فى محله، كل دولة لديها مشاكلها الخاصة".
 
بطولة سياسية جدا
هكذا، لعبت مصر والمغرب على الوتر السياسى بشأن استضافة "الكان" .. وتستعرض "الأهرام العربي" التاريخ السياسى لهذه البطولة.
البداية كانت  سنة 1880 وتحت سيطرة الاستعمار الأوروبي، لمست أرجل إفريقيا الكرة.. ولأن المستعمر كان دائما مفعما بالأحكام المسبقة السلبية عن الأهالي، وبرغبة وميول جارف نحو النفي، تمكن من محو آثار كل الألعاب المحلية القديمة وكانت البديل الذى قدمه هى كرة القدم، ومع تشعب خطوط السكك الحديدية، بث الفرنسيون والبريطانيون والبرتغاليون والإسبان لعبة كرة القدم، التى كان بحارة السفن (الأوروبية) الراسية فى سواحل إفريقيا أمهر لاعبيها فى ذلك الزمن.
كانت اللعبة تمارس إما فى المدارس والماريستانات التابعة للكنائس وبإشراف من الإكليروس، وإما داخل الثكنات العسكرية بإشراف عسكرى مباشر. ولأنه مشبع بذاته، سمح المستعمر بتلقين الأهالى الإفريقية مبادئ اللعبة الرياضية. ومن الطبيعى أن تكون المستعمرات البريطانية أولى المستعمرات التى تنتشر فيها  الكرة الجلدية.. ومصر كانت أولى هذه المستعمرات. لكن بدلا من أن تكون الكرة وسيلة إلهاء ، دعمت الحركات الوطنية اللعبة و أصبح لكرة القدم بإفريقيا دور ريادى فى المعارك الوطنية من أجل الاستقلال.
ومع الحرب العالمية الثانية، كان حب كرة القدم المستديرة قد ترسخ فى كل بقاع إفريقيا. وانتشرت ممارسة كرة القدم، وبالتالى لم تعد كرة القدم محصورة على فئة السكان البيض بل تحولت إلى  سكان الأفارقة، وحتى الزعماء الوطنيون كانوا يجدون داخل الملاعب الآهلة بالجماهير وحشود المتفرجين أماكن مناسبة للاختباء والتعبئة والاستقطاب.
ومنذ اليوم الأول لتأسس الاتحاد الإفريقى لكرة القدم فى الثامن من يونيو عام 1956 ، ارتبطت السياسة بكرة القدم، فالبطولة الأولى  لكأس الأمم الإفريقية استضافتها العاصمة السودانية الخرطوم عام 1957، بمناسبة استقلال السودان. وشاركت فيها ثلاثة منتخبات فقط هى مصر والسودان وإثيوبيا.. بعد أن استبعدت جنوب إفريقيا لأنها رفضت أن ترسل فريقا مختلطا من البيض والسود إلى السودان.
 
كرة القدم.. وحدت إفريقيا
كانت كرة القدم إحدى الوسائل التى استخدمها الرؤساء الأفارقة لتحقيق حلم الوحدة الإفريقية، ففى عام 1959  عمد الزعيم الغانى  كوامى نكروما لتسمية المنتخب الغانى سنة 1959 "النجوم السوداء" تأكيدا لهوية البلاد ومن  أجل تطوير الوحدة الإفريقية عبر الرياضة وبالمثل اتخذ الجنرال موبوتو سيسى سيكو الذى تولى السلطة فى نوفمبر 1965 إجراءات جذرية لتطوير كرة القدم فى زائير سابقا (الكونغو الديمقراطية حاليا) الزم بموجبها جميع اللاعبين الكونغوليين الذين يلعبون  فى بلجيكا باللعب فى الفريق الوطنى وأعيدت تسمية الأسود الكونغوليين "بالنمور" وبسبب هذه الإجراءات حصل المنتخب الوطنى على بطولة الأمم الإفريقية سنة 1970.
واتبع سيكوتورى وهو من المؤيدين المخلصين للوحدة الإفريقية الخطى التى الهبها نكروما وازدهرت الرياضة خلال عهد أول رئيس لغانا وتأهل المنتخب الوطنى الغانى لكرة القدم لدورة الألعاب الأوليمبية سنة 1968 التى أقيمت فى المكسيك وخسر بفارق ضئيل نهائى بطولة الأمم الإفريقية التى أقيمت فى إثيوبيا سنة 1976.
وكان سيكوتورى أكثر احتفاء بنادى هيفيا كوناكرى الذى أنشأه الحزب الديمقراطى الغينى السابق سنة 1967 وأوضح سيكوتورى أن هيفيا "يلعب من أجل الثورة الديمقراطية فى إفريقيا" بين الأندية الكبيرة فى القارة.. لذلك فلم يكن من قبيل الصدفة أن يحمل الكأسين الأولين الإفريقيين للأندية البطلة اسمى كوامى نكروما و أحمد سيكو توري.
وفى سنة 1972 أعلن رئيس الكونغو برازافيل لاعبى المنتخب الوطنى لكرة القدم أبطالا متطوعين عند فوزهم بكأس الأمم الإفريقية التى نظمتها الكاميرون المجاورة.
وكان الرئيس الأول لزامبيا بعد الاستقلال كينيث كاوندا لاعب كرة قدم وحكما سابقا.. وعادة ما كان يأخذ وزراء حكومته لأداء مباراة كرة قدم ويتولى هو مهمة التحكيم، وقد استثمرت حكومته بشكل كبير فى كرة القدم، حيث أنشأت المدارس الرياضية والأندية المحلية والمنتخب الوطني. وكان كاوندا يحاول استخدام الرياضة فى خلق هوية وطنية واحدة ودعم أيديولوجيته الإنسانية.
 
 الخلافات السياسية تفسد البطولات
انتقلت الخلافات السياسية بين الدول إلى ملاعب كرة القدم، فقد غابت نيجيريا عن كأس الأمم الإفريقية عام  1996 التى نظمت فى جنوب إفريقيا وقالت نيجيريا حينها أنها لم تشارك لأسباب أمنية، فإن السياسة كانت فى الواقع هى المسيطرة، حيث قام النظام العسكرى النيجيرى فى ظل حكم الجنرال سانى أباتشا قام بإعدام النشطاء المطالبين باحترام حقوق الإنسان وعلى رأسهم كين سارا ويوا وقد أدان نيلسون مانديلا هذا العمل البربري. كان رد فعل سانى أباتشا أن قرر انسحاب المنتخب النيجيرى لكرة القدم من منافسات كأس الأمم الإفريقية عام 1996 والذى نظمته جنوب إفريقيا وفاز بها فريقها الوطني.
كما أن  الرئيس الأوغندى عيدى أمين شجع كرة القدم، حيث ساند منتخبه الوطنى الذى وصل لنهائيات كاس الأمم الإفريقية. وكان يرى أن هزيمة فريق تنزانيا على يد منتخب بلاده الوطني، يعادل هزيمة تنزانيا فى ساحة القتال. ولعل من غرائب أطوار أمين أنه أمر بسجن لاعب كرة أحرز هدف الفوز على فريق الجيش سمبا الذى يشجعه عايدى أمين.
كما استخدم زعيم المعارضة فى الجابون إقامة بطولة الأمم الإفريقية الأخيرة فى بلاده، ودعا الجماهير لمقاطعة مباريات كأس الأمم الذى تنظمها بلاده احتجاجا على تزوير الانتخابات التى فاز بها الرئيس على بونجو.
لم تقتصر مشاورات ومداخلات  القادة الفارقة، فى قمتهم الـ 28 التى اقيمت العام الماضى فى أديس أبابا، على القضايا السياسية فى ظل المتغيرات الدولية والإقليمية .. ولكنها امتدت إلى كرة القدم، حيث ندد رؤساء دول وحكومات بلدان الاتحاد الإفريقي، بالحقوق غير المدروسة  للبث التليفزيوني  لكأس إفريقيا للأمم لكرة القدم اقيمت فى الجابون.
وسجل القادة الأفارقة، فى لائحة تمت المصادقة عليها خلال القمة التنديد بشدة وصرامة بالإجحاف والظلم الممارسين فى حق الشباب الإفريقي،  وأعرب زعماء وقادة الدول الإفريقية، عن بالغ الأسف كون شعوبنا فى إفريقيا جمعاء يجدون أنفسهم محبطين، لأنهم منعوا من متابعة هذه اللحظات الرياضية الإفريقية المليئة بالفرح والغبطة بسبب الموقف الاحتكارى والتجارى المحض الذى تفرضه اللوبيات وقوى المال الدولية على التحكم المباشر فى حقوق البث التليفزيونى.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg