رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الثلاثاء 22 يناير 2019

مقالات



لاءات السعودية... و«محكمة» الكونجرس!

26-12-2018 | 18:36
جميل الذيابى

كان بديهياً أن ترد السعودية على قرارى مجلس الشيوخ الأمريكى، اللذين يتعرض أحدهما لولى العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز. ويطالب الآخر الإدارة الأمريكية بوقف التعاون بين الولايات المتحدة والتحالف العربى الذى تقوده السعودية لإحلال الاستقرار وإعادة الشرعية إلى اليمن. 
 
وهو بديهى لأن السياسة أصلاً مواقف، وتصبح تلك المواقف ضرورة قصوى حين ينطوى الأمر على التدخل فى الشئون الداخلية، والمساس بالسيادة، والتعرض للقيادة السعودية، ومحاولة التأثير فى الدور الريادى الذى تضطلع به السعودية فى الساحات الإقليمية والدولية، خصوصاً دورها فى قيادة العالمين العربى والإسلامي.
 
ولا بد لمن يتابع الشأن السياسى الأمريكى، أن يتوقف عند ملاحظات بالغة الأهمية؛ إذ إن قرار مجلس الشيوخ بشأن الاتهامات غير المبنية على أساس من الحقيقة بحق ولى العهد السعودى، هو قرار «غير ملزم» (Nonbinding) لإدارة الرئيس دونالد ترمب، ولا يترتب عليه أى أثر قانوني، أو تشريعي. فهو من صنف القرارات التشريعية التى توصف بأنها بسيطة Simple resolution.
 صحيح أن هذا النوع من القرارات، قد يكون مجرد تعبير عن آراء الغالبية التى أقرته من أعضاء مجلس الشيوخ، وليست ثمة حاجة إلى إرساله إلى مجلس النواب لإقراره، ثم إرساله إلى البيت الأبيض ليقره الرئيس الأمريكى أو يرفضه، غير أن مما ينبغى أن يقال بهذا الشأن إن الكونجرس الذى يمثل السلطة التشريعية، بحسب الدستور الأمريكي، جعل نفسه بموجب هذا القرار سلطة قضائية، تملك حق ترجيح الإدانة أو البراءة فى مسألة ينظر فيها القضاء فى دولة تتمتع بالسيادة والاستقلال.
 
إن مجلس الشيوخ ليس مثل مجلس اللوردات البريطانى، الذى يضم أعلى هيئة قضائية فى بريطانيا، وأعضاء محكمة اللوردات ليست نادياً للنبلاء الذين يقفون على سقف الطبقة العليا فى تلك البلاد، بل هم قضاة تدرجوا فى سلك القضاء حتى أُنعم عليهم بالترقية لمرتبة Law Lord 
هذا الوضع كما أعرف لا ينطبق على مجلس الشيوخ الأمريكي، لذلك لا يحق له أن يدين من يشاء، ويبرئ من شاء استناداً إلى مصالح ضيقة، تتمثل بالجماعات التى يمثل أعضاؤه واجهة لمصالحها ومراميها.
 
وكان بيان السعودية واضحاً فى رفضه ذلك القرار غير المنطقي، واعتباره تدخلاً مرفوضاً فى الشأن السعودي، ومساساً بالسيادة السعودية، وتعرضاً لقيادتها ممثلة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وولى العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز. كما أن القرار يمثل محاولة سافرة لتسييس قضية مقتل الصحفى جمال خاشقجى (مواطن سعودي)، التى تتولى التحقيق فى ملابساتها النيابة العامة السعودية، تمهيداً لإحالة من وجهت إليهم اتهامات إلى محكمة شرعية سعودية، لا يتدخل فى أشغالها مسئولو الجهاز التنفيذى السعودي.
 
أما القرار الثانى لمجلس الشيوخ، فقد تم اتخاذه بموجب “قرار سلطات الحرب” الصادر فى عام 1973. ويطالب القرار إدارة ترمب بوقف التعاون العسكرى الأمريكى مع التحالف العربى بزعامة السعودية فى اليمن. وثمة ملاحظات مهمة فى هذا الشأن. أولاها أن تعليقات جميع المحللين السياسيين، بمن فيهم معلقو ومحررو صحيفة “واشنطن بوست” التى تقود الحملة الإعلامية ضد المملكة، تجمع على أنه ليس مرجحاً مطلقاً بأية نسبة، أن يقوم مجلس النواب الذى يسيطر عليه الجمهوريون بتأييد هذا القرار، تماشياً مع تبريرات الإدارة الأمريكية لمساعداتها للتحالف فى اليمن. وحتى لو افترضنا جدلاً أن مجلس النواب قام بتمرير القرار، فإن الأكثر ترجيحاً أن الرئيس الأمريكى سيستخدم حقه الدستورى فى نقضه، لأن الأمن القومى الأمريكى يملى عليه الوقوف مع السعودية وحلفائها لمحاربة الإرهاب، وضمان كبح النفوذ والزعزعة الإيرانيين اللذين يهددان العالم بأسره، وليس الولايات المتحدة وحدها.
 
كما أن “قرار سلطات الحرب” الذى استهدف أصلاً إدارة الرئيس الجمهورى الراحل ريتشارد نيكسون، ظل مثيراً للجدل منذ إقراره فى 1973 حتى اليوم. والدليل على ذلك أن جميع الرؤساء المنتخبين ظلوا يشككون بدستورية ذلك القرار، ويعتبرونه خطراً على الأمن القومي، ودور الولايات المتحدة فى قيادة العالم. يعطى القرار الكونجرس حق إعلان الحرب، ويقصر عليه تخويل الأموال اللازمة لشنّها. وهو ما يرفضه الجهاز التنفيذى (الحكومة أو الإدارة) باعتبار أن الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو الذى يحدد درجة الخطورة التى تهدد أمن البلاد، وسلامة مواطنيها، ومصالحها الخارجية.
 
وحتى لو قرر أعضاء مجلس الشيوخ المناوئون للسعودية، الدفع بقرارهم بشأن اليمن لمجلس النواب الجديد الذى سيلتئم للمرة الأولى مطلع العام 2019، فإن من الواضح عدم وجود غالبية كافية لتمريره. وحتى لو تم تمريره فإن ترمب سينقضه. كما أن نجاح مفاوضات السلام بين الفرقاء اليمنيين فى السويد، وإعلان التوصل إلى اتفاق بشأن الحديدة وتعز، وتبادل آلاف الأسرى والسجناء، فتح الباب واسعاً أمام احتمالات حل سياسى للأزمة اليمنية، برغم تدخلات إيران، واستعدادها لتحريض عملائها الحوثيين على تخريب أى صفقة تسوية، كل ذلك يجعل حديث أعضاء الكونجرس عن الأبعاد الإنسانية للحرب اليمنية فى غير محله.
 
وبالطبع فإن القرار الخاص باليمن لم يصدر من أجل أعين اليمنيين، بل من المناوئين للرياض. وحين فشلت محاولة خنق المجهود الذى تقوده السعودية فى اليمن، نصب مجلس الشيوخ نفسه محكمة لا يمكن الطعن بقراراتها للإساءة للمملكة، بناء على ادعات واتهامات لا أساس لها من الصحة.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg