رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 22 مايو 2019

مقالات



المملكة ترسم ملامح وحدة المسلمين

26-12-2018 | 18:36
د. هادى اليامى

على مر التاريخ الإسلامى، ظل المفكرون والعلماء يسهبون فى الحديث عن الوحدة الإسلامية، واجتهد كل منهم فى تقديم النموذج الذى يراه صالحا وملائما لتحقيق ذلك الهدف النبيل، لكن كل تلك المحاولات ظلت فى دائرة الأمنيات والأحلام، برغم صدق المساعى ونبل المقاصد، وظل المسلمون يعيشون فى حالة من التشرذم والخلافات التى استغلتها بعض الجماعات التى لا تريد لهذه الأمة الخير، ولا ترتجى لها النهوض، فاستغلت الخلافات المذهبية والطائفية، لإيهام عوام كل طائفة وفرقة بأنهم وحدهم الذين على حق، وأن جميع من سواهم على ضلال وابتعاد عن جادة السبيل، بل وصل الأمر بالبعض إلى تكفير الآخرين واستحلال دمائهم وأموالهم، فسادت حالة من التوتر والمواجهات المسلحة فى كثير من الأحيان، برغم أن جل آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة حذرت من عواقب الفرقة والشتات، ودعت المسلمين إلى الاعتصام بحبل الله المتين.
 
لذلك اهتمت الدولة السعودية منذ توحيدها على يد الملك المؤسس المغفور له الملك عبد العزيز آل سعود، بالابتعاد عن جميع التصنيفات والمسميات، ومحاربة جميع ما يؤدى إلى إضعاف أبناء البلد الواحد وإشغالهم عن معركة البناء والتعمير، لذلك اتخذت الدولة معيار المواطنة الصالحة أساسا للمفاضلة بين الجميع، بغض النظر عن العرق أو اللون أو المذهب. كما سعى قادة المملكة إلى نشر ذلك المبدأ بين جميع الدول العربية والإسلامية، وفى سبيل ذلك تم تنظيم العديد من المؤتمرات والندوات، وآخر جهد سعودى فى هذا الاتجاه هو ما نظمته رابطة العالم الإسلامى يومى الثانى عشر والثالث عشر من ديسمبر الجارى فى مكة المكرمة، وهو المؤتمر الإسلامى العالمى للوحدة الإسلامية، الذى عقد تحت عنوان «مخاطر التصنيف والإقصاء» وحضره ما يفوق ألفا من علماء الأمة ومفكريها، يمثلون 127 دولة، تداولوا لمدة يومين واقع الأمة وأسباب الخلافات المذهبية التى استشرت فى الآونة الأخيرة، وكيفية تجاوز تلك المحنة. ولم يكن ذلك الحدث الكبير كغيره من المؤتمرات المشابهة، بل كان استثنائيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فقد شارك فيه علماء أجلاء قدموا عصارة علمهم وتجاربهم وخبراتهم، وتوافقوا فى النهاية على أن الخلاف أيا كانت أسبابه ودوافعه ليس مدعاة للاختلاف والاقتتال، بل هو من أسباب ثراء الأمة وغناها المعرفي، وأنه قيمة تدعم صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، باعتباره الدين الخاتم الذى يستطيع التأقلم مع جميع المجتمعات والمكونات البشرية، ويلبى حاجات الإنسان ومتطلباته. كذلك أجمع المؤتمرون على أن دعاة الكراهية والإقصاء، هم أكبر الأخطار التى تواجه وجود الأمة وتعوق تقدمها وتمنع تطورها، وأن التصدى لهم يمثل أولوية قصوى على ما عداها. وخلصت المشاورات المعمقة فى النهاية، إلى أن الظروف السياسية وتعقيدات النظام العالمى الحديث وغيرها من العوامل تغلق جميع الطرق أمام العودة إلى الخلافة الإسلامية بشكلها القديم، وأن الدولة الوطنية بمفهومها العصرى هى الحل الوحيد المتاح لتحقيق وحدة المسلمين.
 
ركزت كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، على دعوة علماء الأمة لتصحيح المفاهيم المغلوطة، واستيعاب سنة الاختلاف، وترشيد ثقافة الخلاف، والاتفاق على خطاب واحد تتوجه به الأمة إلى العالم، للقضاء على مخاطر التصنيف والإقصاء. كما أوضح أمين عام الرابطة الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، أن اللقاء يهدف بالأساس إلى تعزيز مفاهيم الدولة الوطنية وقيمها المشتركة؛ وضرورة أن يكون المسلم حَسَنَ الظن بأخيه، يبادره بقبول عذره وتفهُّم سنة الله فى الاختلاف والتعدد، مع تبيان ما يراه حقاً وصواباً بالحكمة والموعظة الحسنة، دون استعداء ولا استعلاء ولا تشهير، فضلاً عن مجازفات التكفير ونحوه.
 
وفى الختام خرج المؤتمر ببيان شامل كامل يستحق أن يكون جزءا من دساتير الدول العربية والإسلامية، فقد رسم كيفية الخروج من عنق الزجاجة، والانطلاق فى عالم التسامح الفسيح، وشدد على أن التنوع المذهبى والثقافى يقتضى إقامة شراكة عادلة ضمن عقد اجتماعى يتوافق عليه الجميع. ويستثمر تعدد الرؤى وتباين النظر فى إثراء الحياة المدنية والحضارية، وحفظ مقدرات الأمة، وتحقيق تنمية وطنية شاملة تُسعد الجميع.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg