رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأحد 24 مارس 2019

مقالات



انتخابات مبكرة فى إسرائيل . ما الذى يهم العرب؟

26-12-2018 | 18:35
د. حسن أبوطالب

التقلبات السياسية الحادة جزء رئيسى من المشهد العام فى الشرق الأوسط، ينطبق الوصف على جميع الأطراف. تقلبات إسرائيل السياسية بدورها تدعم هذا الأمر بقوة. وأحد المداخل المتكررة هو تبكير الانتخابات البرلمانية إلى جانب القيام بمغامرات عسكرية فى المحيط الإقليمى. داخليا حين تختلف الأحزاب على قضية ما أو مشروع ميزانية أو مشروع قانون، وينسحب أحد الأطراف من الائتلاف الحكومى وتصبح الأغلبية أقل من 50 فى المائة أو أغلبية هشة بفارق عضو واحد لصالح الائتلاف، يصبح خيار الانتخابات المبكرة مسألة حتمية. ولكن أيضا هناك أسبابا أخرى أبرزها، أن يشعر رئيس الحكومة أن الوضع العام يدعم توجهاته ويؤيد سياساته، وأن تبكير الانتخابات قد يسمح له بتحقيق انتصار أفضل وزيادة فى عدد مقاعد حزبه أكثر مما لديه بالفعل، وبالتالى فسيكون أكثر تحررا من ضغوط الأحزاب التى تأتلف معه فى الحكومة القائمة.
 
هذه الجملة من الأسباب والمتغيرات المتداخلة تجتمع معا فى اللحظة الجارية وتفسر بدورها قرار أهم ثلاثة أحزاب فى الائتلاف الإسرائيلى الحاكم بزعامة رئيس الوزراء نيتانياهو، وهى  أحزاب الليكود ولديه 30 مقعدا، وحزب كلنا “كولانو” ولديه عشرة مقاعد برئاسة موشى كحلون الذى يشغل منصب وزير المالية، وحزب “البيت اليهودي” بزعامة نفتالى بينيت وزيرالتعليم ولديه 8 مقاعد. والمبرر المُعلن تعلق بالخلافات حول تعديلات قانون التجنيد، بحيث تسمح بتجنيد اليهود الحريديم المتشددين دينيا، وهم طلاب المدارس التوراتية، الذين يعفيهم القانون الحالى من التجنيد الإجبارى المطبق على كل اليهود والدروز، ويستثنى منه العرب الفلسطينيون أو عرب 48. وكل من حزب “البيت اليهودى” وحزب “شاس” المتطرف، وحزب “يهدوت هتوراه” يرفضون تجنيد الحريديم استنادا إلى أن هذه الطائفة تدرس وتعلم التوراة وهو لديهم عبء ومسئولية ذات عمق عقيدى أكبر من حماية أى شىء، بينما توافق باقى الأحزاب على تجنيدهم تطبيقا لمبدأ تحمل المسئولية بمساواة، وفى حال رفضهم فيجب أن يتحملوا العقوبات القانونية والمالية.
 
الخلافات على هذا النحو ليست جديدة، فهى مستمرة منذ أكثر من عام، أما توظيفها فى تبرير اللجوء إلى الانتخابات المبكرة فى إبريل المقبل، وقبل سبعة أشهر من موعدها المقرر مسبقا فى نوفمبر 2019، فله أبعاد أخرى. ففى 14 نوفمبر الماضى، وحين قدم أفيجدور ليبرمان وزير الحرب، استقالته من الحكومة على خلفية رفضه وقف إطلاق النار مع قطاع غزة، وانسحاب أعضاء حزبه الخمسة من الائتلاف، بدا الأمر مؤهلا أكثر لإقرار الانتخابات المبكرة، لكن نيتانياهو رفض آنذاك الفكرة مبررا إياها بأنها تجلب الخطر على إسرائيل ومستبعدا إسقاط حكومة اليمين، وأن الضرورة تفرض استمرار الحكومة حتى نهايتها المقررة قانونا فى نوفمبر 2019.
 
وفى تفسير هذا الرفض أمران بارزان، أولهما يرتبط بالاتهامات التى قد توجه لنيتانياهو بالفساد وتوجب محاكمته، وهى حتى اللحظة ما زالت محل تدقيق قانونى لدى القاضى الحكومى والنائب العام، لكن التكهنات والتسريبات تتجه إلى توجيه اتهام جنائى ومن ثم محاكمته. وفى حالة بقاء نيتانياهو على رأس الوزارة فربما يتأخر توجيه الاتهام، ومن هنا يعمل نيتانياهو بكل جهده فى تأخير هذا الاحتمال من خلال البقاء رئيسا للوزراء. أما الأمر الثانى فهو الادعاء بوجود مخاطر على أمن إسرائيل من خلال التركيز على ما اعتبره تهديدات حزب الله اللبنانى المتمثلة فى حفر أنفاق عبر الحدود إلى العمق الإسرائيلى قد تسهل هجمات للحزب على المستوطنات الإسرائيلية فى الشمال، ما يتطلب وجود حكومة مستقرة.
 
بعض التفسيرات الإسرائيلية فندت هذين المبررين، وأشارت إلى رغبة نيتانياهو فى تأخير تبكير الانتخابات لأسباب أخرى، أبرزها كسر العلاقة بين استقالة ليبرمان وانهيار الائتلاف الحاكم ومن ثم اللجوء إلى انتخابات مبكرة، فضلا عن رغبته فى أن يتم تعيين رئيس أركان جديد ورئيس جديد للشرطة بمعرفته قبل إنهاء عمل الحكومة برئاسته، وهو ما تم خلال الشهر والنصف شهر الماضى. وبالتالى لم يعد هناك ما يبرر البقاء على رأس ائتلاف حكومة ضعيف تفرض فيه الأحزاب الصغيرة سطوتها على أداء الحكومة ككل.
 
على أية حال هذه التطورات لا تعنى خطرا جسيماً بالنسبة لنيتانياهو، ففى كثير من استطلاعات الرأى ما زال محتفظا بشعبية كبيرة مقارنة بالمنافسين له، وهو نفسه يتوقع أن يحصل الليكود على 35 مقعدا، لكنه يطمح فى الحصول على 45 مقعدا حتى يشكل الحكومة الجديدة بأقل التنازلات. وفى كلا الحالتين ينتظر الإسرائيليون ـ  حسب استطلاعات الرأى ـ  أن يعود نيتانياهو مرة أخرى رئيسا للوزراء، لأنه الأنسب فى مواجهة التحديات التى تواجه الكيان، ولأنه حقق الكثير اقتصاديا وأمنيا، ولم يقدم أية تنازلات للفلسطينيين حسب رؤية الأغلبية المؤيدة له.
 
الاحتمال الكبير بفوز الليكود بغالبية مريحة مرتبطة أساسا بعدة متغيرات، أبرزها أن المنافس القوى لحزب الليكود ليس موجودا فى الخريطة الحزبية الإسرائيلية الراهنة، فاليسار يعانى كثيرا، وحزب “المعسكر الصهيونى” المعارض الذى حقق 24 مقعدا فى انتخابات 2015 غير مؤهل أن يكون منافسا قويا لليكود، خصوصا أنه على تناقض كبير مع الأحزاب الدينية التى تفضل أن تتحالف مع الليكود لتشكيل الحكومة الجديدة، كما أنه يرفض أى تحالف مع كتلة القائمة المشتركة التى تمثل الاحزاب العربية وهى “التجمع” و”الجبهة” و”الحركة العربية للتغيير-القائمة الموحدة”، التى حصلت معا فى انتخابات 2015 على 13 مقعدا، وتشير استطلاعات الرأى إلى احتمال فوزها بعدد المقاعد ذاته، ولكنه، ستظل وحيدة وبدون أى تحالف مع اليسار أو اليمين. وباقى الأحزاب اليسارية لا حول لها ولا قوة، وأبرزها ميرتس والعمل. وفى الإجمال لا توجد شخصية تؤمن بأفكار اليسار الصهيونى بشكل عام بما فى ذلك السعى إلى سلام مع الفلسطينيين يمكنها أن تنافس نيتانياهو.
 
وفى التطورات الأخيرة، تبدو ملامح الفرح والقلق معا لدى من يمثلون القوى المناهضة لليكود والأحزاب الدينية المتشددة، التى يراها اليسار الإسرائيل قد أضاعت الديمقراطية ونشرت التشدد، وأفلست البلاد ووضعتها فى مأزق تاريخى كبير وتسببت فى انقسام المجتمع وفقدانه تماسكه السابق. ملامح الفرح لأن تبكير الانتخابات يعنى بالنسبة لهم التخلص من حكومة نيتانياهو على الأقل حتى الانتخابات المبكرة فى إبريل المقبل. وهو ما وصفته عضو الكنيست ميراف ميخائيلى (المعسكر الصهيوني) بأن “أسوأ حكومة سوف تنصرف.. فهى سلطة فاسدة دمرت الديمقراطية وباعت أمن الدولة، وأوصلت إسرائيل إلى عزلة سياسية وعجز اقتصادى .. المعسكر الصهيونى سيبنى الدولة مجددا من خرائب الديمقراطية. 
 
أما القلق فمبعثه أن الفترة المتبيقة لا تساعد اليسار على تشكيل قوة حزبية قوية تطيح بالأغلبية المتوقع أن يحققها الليكود والأحزاب الدينية معا. وهو ما عبر عنه إيهود باراك، رئيس الوزراء الأسبق ورئيس حزب العمل السابق، صراحة بالقول: إن “ ترشحه وحده لا يكفى لإحداث التغيير المطلوب، وداعيا إلى تشكيل تكتل كبير من أكبر عدد ممكن من الشخصيات الأمنية والحزبية فى إطار انتخابى لهزيمة نيتانياهو. بعض المعلقين أشاروا أيضا إلى ضرورة توحد القوى العلمانية واليسارية، بأن يكون لديها برنامج سياسى واجتماعى جاذب للناخبين، لكن الفترة المتبقية ليست مناسبة لإنشاء هذا التكتل.
 
معلقون آخرون يرون أن رئيس الأركان السابق بينى جانتس هو أحد أبرز الشخصيات التى يمكن أن تهدد نيتانياهو فى الانتخابات المقبلة، استنادا إلى شعبيته التى تظهرها استطلاعات الرأى، وذلك برغم أنه لم يشكل حزبا ولم يعلن ترشحه حتى الآن. ويشير هؤلاء إلى فرص جانتس إذا ما شكل حزبا ضم وزير الجيش السابق بوجى يعالون فسيكون القوة الثانية أو الثالثة على الأكثر، ومن ثم يعيد التوازن إلى الحياة السياسية فى إسرائيل.
 
ولا يتوقف الأمر كتعقيدات أمام قوى اليسار عند البحث عن شخصية قوية تتمتع برؤية متماسكة وشعبية معقولة، فهناك أيضا مشكلة الأحزاب الصغيرة، التى يمكن أن تنجح فى تحقيق نسبة الحسم الانتخابى، وتدخل الكنيست بعدد أقل من الأصوات ونسبة 2.75 % بدلا من 3.5 % التى كانت قائمة سابقا. فتعدد تلك الأحزاب الصغيرة يسحب الأصوات من الأحزاب اليسارية الكبيرة، وفى حال وجودها فى البرلمان بكثرة فإنها تميل إلى المنافسة فيما بينها للمشاركة فى الحكومة اليمينية التى قد يشكلها نيتانياهو مرة أخرى.
 
توقيت الانتخابات المبكرة لا يخلو من تأثير مباشر على القضية الفلسطينية، وتلك حقيقة تاريخية ثابتة، فكلما انتصر اليمين الإسرائيلى كلما ضاقت فرص الوصول إلى تسوية عادلة للشعب الفلسطينى، وكلما جاء مدعوما بالأحزاب الدينية المتشددة، كلما أصبح  تخلى إسرائيل عن الأراضى الفلسطينية المحتلة فى الضفة أكثر صعوبة من ذى قبل. وبالعودة إلى ما يعرف إعلاميا بصفقة القرن التى بشرت إدارة ترامب بإعلانها مطلع العام، فمن المعروف أن من اطلعوا على بعض تفاصيلها من القادة العرب، ولا سيما الرئيس الفلسطينى محمود عباس، قد رفضوها جملة وتفصيلا، والغريب أن نيتانياهو بات من غير المتحمسين لها، وسوف يوظف الانتخابات المبكرة ثم تشكيل حكومة يمينية جديدة حال نجاحه فى تأخير طرح تلك الصفقة إلى أبعد زمن ممكن. وربما يعد هذا الجانب شبه الإيجابى الوحيد لعودة نيتانياهو على قمة حكومة يمينية جديدة بعد أربعة أشهر  من الآن. لكنه سيكمل سياسته المعتادة فى تجاهل التفاوض مع الفلسطينيين، وزيادة معدلات تهويد ما بقى من القدس الشرقية والضفة الغربية ذاتها.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg