رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأحد 24 مارس 2019

مقالات



ألعاب الجوع المعاصر

2-1-2019 | 14:31
د. إيمان طاهر

فى الألفية التى نعيشها وتعيشنا، الآن ظهر نوع جديد من البرامج التى أعد لها مسبقاً خبراء وعلماء لا يستهان أبداً بفكرهم المنظم حتى، وإن كان فكرا شيطانيا يسعى للسيطرة.
 
الهدف المباشر من وراء تقديم ونشر تلك البرامج التى قد تبدو ترفيهية هو تثبيت وإرساء مبدأ بأن الرأسمالية هى فقط من ستجعل حياتك أفضل.. رأيناها ونراها فى تلك البرامج التى يطلقون عليها مسمى «الواقع».. ليتأثر بها كل شعوب العالم ويقعوا فى فخ التناقض ما بين واقعهم المليء بالمبادئ والأخلاق والفضائل والمعاناة والفقر، وبين أبطال تلك البرامج وشخصياتهم المعقدة وأنانيتهم وقسوتهم، وكيف لتلك اللا مبادئ أن أوصلتهم إلى القصور والحياة المرفهة والثراء الفاحش!! كم من السهل جداً أن تنتج الأحلام فى عالم يرزخ تحت كابوس الواقع البائس.
من هذه الفكرة المحورية انطلقت سياسات فرضت نفسها على واقعنا المعاصر ولا ننسى القديم أيضا.
 
فبراعة العدو دائماً تظهر حينما يكون دارساً للتاريخ مستوعباً ومزوداً بالعلم لأساسيات الحقائق المتصلة برؤيته وخططه المستقبلية، ومن هنا تأتى له تلك القوى المحركة السياسية والصبر على تحقيق غاياته ومصالحه.. هذا العالم الجديد ومن وراءه لا يعتقد حقيقةً فيما يعلقه على خلفية حوائط جدرانه أثناء البث التليفزيونى المعد لشعوبهم أو لشعوب العالم، فكل ما يرددونه من حكم ويلسونية (توماس ويلسون سياسى أمريكى وكان رئيساً للولايات المتحدة ديمقراطيا نادى بأفكار مثالية وكان سلوكه غير متسق على الإطلاق مع أفكاره من عدائية وعنف وتسلط)، عن صلاح الإنسان والخير والعدل والتناغم بين الأمم والسلم والديمقراطية.. إنهم يسعون فقط لتحقيق ما يؤمنون به حقاً فى داخلهم وما هو حتمى ومستمر من إحكام سيطرتهم على العالم.
 
من آخر مواقفهم المتوقعة لخبراء السياسة والتى استنكرها الرأى العام انسحاب أمريكا من سوريا، وهو يذكرنا بانسحاب «أيزنهاور» من «ديان بيان فو» (كانت بين قوات فيتنام والجيش الفرنسى الذى كان مدعوماً بالناتو).
 
فتلك التناقضات التى ترونها وتلمسونها الآن ليست إلا مجرد معايير تجرى بها أمريكا التزاماتها وتعهداتها تستخدم فيها مبادئ مدرسة الطب النفسى فى التحلى بالصبر من أجل الوصول لأهدافها، نظرة للتاريخ كيف كانت الحرب مشتعلة لهزيمة الاتحاد السوفيتى بشكل الاحتواء النفسي، وتركوها تنتصر فى آسيا لأنه كلما توسعت زادت مشاكلها كالرومان، وبعد انتصارهم على قرطاجة وتوسعهم، اختفت تلك الإمبراطورية من على صفحات التاريخ.
 
فى عام 1970 بنت روسيا قاعدة بحرية فى كوبا، والآن لديها قاعدة فى طرطوس بسوريا وتسعى لتوسيع نفوذها فى فنزويلا ونيكارجوا.. وكيف ساندت الهند فى حرب الأسبوعين القديمة ضد باكستان،  وكم أنعشت الهند السوق الاقتصادى الروسى وتدريجيا، حينما زاد الترابط تدخلت أمريكا وإسرائيل وعادت لتصدير السلاح للهند فقل الاعتماد على السلاح الروسي!!
ماذا سبق حرب 1973 ؟ حرب الاستنزاف ومواجهات عسكرية منذ 1970 عبر قناة السويس وردت إسرائيل علينا بغاراتها الجوية داخل العمق المصرى وساندت روسيا مصر بإقامة نظام دفاعى جوى.. وحينما أصبح الشرق الأوسط على حافة الحرب ـ  كما أرادوه تماماً ـ  دخلت الأساطيل البحرية الأمريكية البحر المتوسط وأعلن الاتحاد السوفيتى موقفه المحايد مع الولايات المتحدة!.
وحينما فهم الرئيس الراحل أنور السادات تلك اللعبة، وأدرك المغزى السياسى الخفى ما بين تلك القوى العالمية، طرد جميع المستشارين العسكريين السوفيت، وكان عددهم يفوق 15000 تقريباً،  وعلى الرغم من كل ما خططت له تلك القوى بأجهزتها الاستخباراتية العتيدة وثقتها فى تفوق إسرائيل على العرب، فإن سيكولوجية واتحاد الجيوش العربية كانا أكثر فاعلية من تقاريرهم وقوتهم.
فلا يوجد نمط مستقر لتلك القوى، إلا نمط المصالح المتشابهة المشتركة فى حدود اعتبارها تخضع دائماً للتغيير، ما دامت القدرة النهائية لتشكيل الأحداث والسياسات والأوضاع الاقتصادية والجغرافية للعالم تنطلق من فوق منصة أمريكا!.
 
انظروا لكل وسائل الإعلام فى العالم موجهة نحو الأحداث المراد إبرازها للشعوب، وليس نحو المفاهيم الغامضة لتدعم فى النهاية مصالح الغرب على المدى البعيد من خلال تقييمات نفسية لتسقط تلك الشعوب فريسة لذلك الوهم المدروس.
 
وتبدو الصورة أمام الشعوب اتفاقيات تعكس مصالح مشتركة فى مجال العلاقات الدولية، معيارها الواضح التقدم والتنمية والخفى مقاومة ووقف أى نزعة تقدمية لتلك البلدان النامية، ليبقى الإطار أمام العالم والشعوب المستهدفة لإبادتها إطاراً أخلاقيا.
 
أوراق تقلب لتحل محلها أوراق جديدة كالافتتان المعاصر بالدين ومحاولات إلصاقه بكل أسباب العنف وإحداث ظاهرة التطرف الإسلامى لإبراز زعماء وشخصيات، بل جماعات اجتماعية وتصنيفهم بالمعتدلين وتقديم الدعم الكامل لهم .. ومن هنا يتولد صراع جديد سياسى معاصر ليحل محل القديم وتتنازع الأقطاب المتناقضة.
على مائدة الأمم المتحدة، جلس ذات يوم ليس بالبعيد عشرة رجال يمثلون منظمات غير حكومية صومالية ليتجادلوا حول جمع التبرعات لمساعدة شعوبهم الفقيرة!! ومثلهم من العراق، سوريا، ليبيا، فلسطين..إلخ.
 
هذا يقف معرفاً نفسه بأنه شيعى وذاك سنى وبينهما علماني.
وكلها مجرد أسباب لاختزال الهوية الدينية لحدوث انقسامات طائفية لسفك مزيد من الدماء، وتحقيق أعلى استحضار لفكرة الألفية التى قامت على مشروع تأصيل الأصولية فى جميع العقائد الدينية بشكل قد يبدو تاريخيا عقائديا بمفاهيمه الساكنة وخيالاته وأساطيره المدخلة.
تقوم تلك الفكرة على أساس نبوءة عودة المسيح عليه السلام لحكم العالم لمدة ألف عام بعد أن يهزم المسيخ الدجال.. ومن هنا تم صنع وتجنيد حركات أصولية وتشكيل كوادر للجهاد من كل دين يقع عليهم عبء تشكيل وعى من يتبعهم باستخدام العنف لإنقاذ الدين!. ستجد ذلك البند العنيف فى كل تراث دينى بلا استثناء، وحتى فى طائفة السيخ (وهى ديانة هندية قديمة وإحدى أكبر الديانات فى العالم)، فإن “جرانث صاحب Granth Sahib “وهو المعلم لتلك الطائفة الذى يدعو دائماً للحب والتعاطف والتسامح يأمر متبعيه بحمل السلاح إذا ما تعرضت تلك الديانة لخطر الفناء!.
ومن هنا يأتى المفهوم المنعكس لكل العنف والظلام من حولنا، لأنهم أرادونا جميعاً فى حرب كونية كل إنسان يقابله إنسان يداً تسلم والأخرى تحمل له خنجراً فى الخلف، ولن تتخلى أبداً تلك القوى عن نظرياتها السياسية الثابتة فى السيطرة على العالم، ولم تتعظ بتحذير “جون كوينسي”‪،‬ حينما قال لهم "كفاكم ولعاً بذبح كل الوحوش البعيدة" كتعبير عن متاهة الفكر المثالى الذى يحاولون إيهامنا به.
بالظهور الأخير الثابت والمكرر وخروج إسرائيل للعلن، وذلك التغير السلوكى لتاريخها القديم من التستر والخفاء، يتضح لنا بما لا يدع مجالاً للشك، ومن الآن فصاعداً أننا أمام عالم جديد ولد من تراكمات لنجاحات بحثية رصدية تمت على مدى سنوات من الصبر، للوصول تدريجياً إلى تغيير نفسيات الشعوب العربية تلك الثقة التى تقف تلتقط الصور على كل أرض وتعلن بزهو مهووس بدء النظام العالمى الجديد.
 
نحن نعيش فى واقع ليست له نهاية.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg