رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 22 مايو 2019

مقالات



صحوة داعش فى المغرب العربى تستدعى الانتباه

2-1-2019 | 14:30
د. حسن أبوطالب

قبل أن يمر العام 2018، حاول منتسبو داعش الإرهابيون توجيه عدة ضربات لأهداف مختلفة للإعلان عن وجودهم فى أكثر من مكان. ففى المغرب شكلت جريمة قتل سائحتين نرويجيتين ودانماركية فى إحدى المناطق السياحية الجبلية فى إقليم الحوز وسط البلاد، بدم بارد علامة بارزة على أن عملية جذب الجهلاء والمتطرفين للانضمام إلى التنظيم ما زالت تجرى على قدم وساق، وأن هزيمته فى كل من سوريا والعراق ليست نهاية المطاف، فضلا عن أن استهداف الأجانب ما زال يمثل عقدة كبرى لدى التنظيم ويعتبرها بابا ملكيا لإحداث أكبر صدى ممكن، سواء فى اقتصاد البلد المعنى أو لدى الدول الأوروبية. وقد فتحت الواقعة ملف الداعشيين المغاربة العائدين من العراق وسوريا بعد هزيمة التنظيم الإرهابى فيهما، وهو ما أشار  إليه أحد كبار المسئولين الأمنيين فى المملكة المغربية باعتباره يشكل تحديا كبيرا للمصالح الأمنية فى المملكة، لا سيما أن المعلومات تشير إلى أن هناك ألفا و692 مقاتلا مغربيا ينتمون إلى التنظيم الإرهابى، تم اعتراض 242 عائدا منهم. ولا يُعرف مصير الباقين وهل دخلوا بالفعل الأراضى المغربية أم انتقلوا إلى مناطق أخرى أم ما زال بعضهم فى سوريا.
 
فى السياق ذاته شهدت ليبيا فى الأشهر الأخيرة من العام المنصرم عدة عمليات إرهابية، أبرزها الهجوم على بوابة الـ 400 جنوب واحة الفقهاء وقتل أحد حراسها، وفى 23 نوفمبر تمت مهاجمة مركز شرطة مدينة تازربو فى جنوب البلاد، نتج عنه قتل 8 من المدنيين وشرطيين. وفى ديسمبر حدثت عمليتان ذاتا مغزى، الأولى 25 ديسمبر حيث تم استهداف مقر وزارة الخارجية فى العاصمة طرابلس التى تقع تحت سيطرة حكومة الوفاق الوطنى، والثانية بعدها بأيام قليلة 28 ديسمبر حدثت عملية إرهابية أخرى فى اقصى الجنوب الليبى تمثلت فى استهداف معسكر تابع للجيش الوطنى الليبى، نتج عنها مقتل عدد من الجنود الليبيين، ثم فى اليوم التالى 29 ديسمبر جرت مواجهة بين دورية للجيش الوطنى الليبى ومجموعة من المسلحين  المتسللين من الحدود التشادية فى منطقة “حوض مرزق” نتج عنها مقتل عدد من الإرهابيين والاستحواذ على عدد من السيارات المسلحة. 
 
هذه العمليات الإرهابية جرت فى بلدين ينتميان إلى المغرب العربى؛ الأول بلد يتمتع بحالة استقرار سياسى ومؤسسات تعمل بكفاءة، الثانى وهو ليبيا بلد غارق فى صراع بين قوى الفوضى وقوى الاستقرار، مما نتج عنه قدر  من السيولة السياسية على الأقل فى مناطق عدة من الأراضى الليبية وغياب الأمن وكثرة الميليشيات المسلحة الخارجة عن سيطرة المؤسسات الأمنية الشرعية، مما فتح آفاقا كبرى للمسلحين من تنظيمات مختلفة والمهربين للبشر وعصابات التهريب لاختراق مساحات واسعة لم تصل إليها يد الدولة ومؤسساتها الشرعية. وهو ما يعنى أن الإرهاب يستهدف كل البلدان سواء المستقرة أو تلك التى تعانى صعوبات أمنية وسياسية. 
 
وبالنسبة لليبيا، يظهر الجنوب الليبى المهمش منذ زمن العقيد القذافى سياسيا واقتصاديا وتنمويا وكأنه أرض بلا صاحب، مما يغرى التنظيمات الإرهابية وفى المقدمة منها “داعش” للتجمع فيه والاستفادة من حالة السيولة التى تنهش فى مفاصله، وتوظيف طبيعته الجغرافية الصحراوية واتساعها فى الاختباء والتمركز حسب الحالة. وكان تنظيم داعش فى العام 2016، قبل أن يُهزم فى درنة وسرت فى الشمال، قد أعلن ما اسماه تأسيس «ولاية فزان»، ولكنه واجه صعوبة فى التوطن والاستقرار فى الأرض نتيجة رفض القبائل الليبية قبول مسلحى التنظيم على أراضيهم، وفى بعض الحالات المحدودة سمح لعناصر داعش الانتقال عبر تلك المناطق سواء إلى الشمال أو إلى الحدود مع تشاد.
 
 ومن وجهة نظر “داعش” فإن تأسيس تلك الولاية الإرهابية فى الجنوب الليبى، سوف يسمح له بالسيطرة على الموارد النفطية الغنية المتوافرة فى الإقليم، حيث يتم إنتاج ما يقرب من نصف مليون برميل يوميا من حقل فزان، كما أنه يتمتع بموارد مائية غنية، ومنها تتدفق عدة آلاف من الامتار المكعبة من المياه يوميا عبر النهر الصناعى المتجه شمالا إلى مدن ليبيا الساحلية.
 
وكانت معلومات استخباراتية نشرتها “التيليجراف” البريطانية فى عام 2016 قد ذكرت أن “داعش” يخطط لتشكيل “جيش الفقراء” من دول تعانى أزمات اقتصادية كبرى، وكلها قريبة من ليبيا كتشاد ومالى ونيجيريا والسودان، على أن يستخدم هذا الجيش فى فتح مناطق بعيدة عن سيطرة البلدان التابعة إليها جغرافيا وتأسيس نقاط ارتكاز للتنظيم يستغلها لاحقا فى إعلان دولة الخلافة. غير أن تلك المعلومات لم تتضمن أية أرقام عن عدد الأفراد الذين تم تجنيدهم بالفعل من الفقراء والراغبين فى  الهجرة غير الشرعية إلى البلدان الأوروبية. والاعتقاد السائد أن هذه الفكرة ما زالت تحت الاختبار.
إن عدم سيطرة الدولة على الحدود الجنوبية مع تشاد ومالى، وجزء صغير من الحدود مع شمال غرب السودان، يفسح المجال أكثر للإرهابيين للتنقل الحر بين أكثرمن بلد، وممارسة السطوة الدينية على التجمعات السكانية المتناثرة فى أقصى الجنوب الليبى، والبدء فى إقامة نقاط للتمركز ينطلق منها مسلحو التنظيم لمهاجمة أهدافهم، سواء العسكرية أو المدنية أو النفطية. وهو وضع يسمح لهم بالتواصل مع المنظمات الإرهابية والمتطرفة المنتشرة فى منطقة الساحل والصحراء، والتنسيق معهم بشأن التمويل والحصول على الأسلحة، مستفيدين من ممارسات بعض الدول، كتركيا وقطر اللتين تعتبران هذه المنظمات الإرهابية أداة لها للتأثير على التحالفات والتطورات السياسية فى شمال إفريقيا ككل. وليس ببعيد اكتشاف السلطات البحرية الليبية حاويتين كبيرتين محملتين بالأسلحة والذخائر قادمتين من تركيا 19 ديسمبر الماضى، كانتا متوجهتين إلى مناطق تسيطر عليها ميليشيات مسلحة وعناصر إرهابية تعيث فسادا فى البلاد.
 
إن استمرار حالة الجمود السياسى فى ليبيا يمثل سببا مباشرا فى استعادة داعش بعضا من نشاطه، ولا شك أن هناك قدرا من اللا تعاون بين المؤسسات الأمنية فى دول المغرب العربى، الأمر الذى يسمح لعناصر داعش بحرية الحركة عبر الحدود. واستمرار مثل هذا الوضع يمثل خطرا على الجميع، نأمل أن يتم استدراكه على وجه السرعة، حرصا على استقرار المغرب العربى ككل.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg