رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 22 مارس 2019

مقالات



من يدفع للزمار؟

9-1-2019 | 00:54
مهدى مصطفى

الإعلام الغربى ليس منزها عن الأكاذيب، واختلاق القصص، ولديه سجل حافل من العبث بالقلوب والعقول، وقبيل غزو العراق بقليل كانت مانشتات الصحف الغربية تحمل عناوين مثل: العراق يمتلك صواريخ قادرة على تدمير العالم فى 45 دقيقة. 

نفس الإعلام، بأدوات جديدة يكرر نفس الجريمة المهينة، ويدمر مصداقية مهنة البحث عن الحقيقة. لكنه ليس بغبى، فهو يعرف ما يفعل، وفى القصة التالية قد نجد إجابة لأسئلة حائرة، وجرت قبل عشرين عاما بينى وبين الكاتب والمترجم الكبير الراحل طلعت الشايب، عليه رحمة الله. 
قال، وكنا قد التقينا فى محفل أدبى - أنت تحب المفاجآت الثقافية. ولدىَّ مفاجأة  من العيار الثقيل، قد تغير كثيرا من النظرة والتقدير لبعض كبار المثقفين والفنانين فى أوروبا، وبعض دولنا العربية، هؤلاء الكبار الذين قلدناهم ومشينا على خطاهم، كتابة، وثقافة، وسياسة.
كان المرحوم طلعت الشايب كاتبا ومترجما بارعا، ينتقى بعناية  ما جادت به المطابع الغربية الساخنة، ويعمل على نقله إلى العربية، بلغة صافية.
ما المفاجأة  يا عم طلعت هذه المرة؟
من حقيبته الأنيقة أخرج كتابا ضخما  باللغة الإنجليزية يدور حول الحرب الباردة  بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتى، هكذا قال، والكتاب كان قد صدر فى نهاية الألفية الماضية فى العاصمة البريطانية لندن، ثم ظهر فى واشنطن، العاصمة الأمريكية، فى بداية الألفية الجديدة، تحت عنوان «الحرب الباردة الثقافية: المخابرات المركزية الأمريكية وعالم الفنون والآداب - من يدفع للزمار؟» من تأليف باحثة بريطانية تدعى فرانسيس ستونر سوندرز.
روى طلعت الشايب بعض ما تيسر مما ورد فى هذا الكتاب الذى بدا خطيرا جدا،  فالولايات المتحدة الأمريكية، أو بالأحرى المخابرات المركزية الأمريكية (السى آى إيه)، نجحت فى اختراق عقول كبار المثقفين فى أوروبا، وحتى فى دول عربية، فأصبحوا بيادق على رقعة شطرنج محكمة، تتشكل من قنوات ثقافية لامعة، ومنتديات فكرية جادة، ومجلات أدبية براقة.
وتفرقت بنا السبل أنا والمرحوم طلعت الشايب، ليظهر الكتاب الضخم فى طبعة باللغة العربية عن المشروع القومى للترجمة، ويجد الكتاب صدى هائلا بين الناس، سواء أكانوا مهتمين بالثقافة أم لا، وظنى أنه لا يزال مرجعا شديد الأهمية لمعرفة نصف قرن من التلاعب بالعقول والقلوب، وكيف وقع  كبار المثقفين والفنانين والإعلاميين الغربيين فى شراك معركة تدار بهم، ولا يعرفون عن مسارحها الفعلية إلا قليلا.
يكشف الكتاب دور ما يسمى بـ «منظمة الحرية الثقافية» «الكونسورتيوم» الأمريكية، وكيف كانت وزارة ثقافة أمريكية سرية، ومعبدا خفيا لتحريك مشاعر الناس فى أوروبا والاتحاد السوفيتى والعالم الثالث، وإغرائهم بنشر الأفكار الجديدة، وصناعة الكتب الأنيقة، والمجلات الجادة، والدورات التدريبية، والمنتديات، وحفلات الموسيقى، ومعارض الفن التشكيلى، والمنح الدراسية، والمؤتمرات العلمية، والأفلام السينمائية، فائقة الصناعة، وكيف جرى كل ذلك تحت عناوين جذابة مثل «حرية التعبير».
المؤلفة البريطانية كانت باحثة، كآلاف الباحثين، ترغب فى الحصول على درجة علمية، فيما اختارته من تخصص، ويبدو أنها بالمصادفة  اختارت عنوان رسالتها عن الحرب الباردة بين القطبين الأعظم فى ذلك الوقت، وكانت المعركة الساخنة قد انتهت منذ قليل.
وفى الطريق إلى نيل هذه الرسالة عثرت سوندرز على الكنز، كنز الوثائق الخطير، فقررت خوض المعركة حتى النهاية، ونجحت فى استعادة الوعى المفقود، وترتيب قطع الشطرنج على الرقعة الحجرية؟ فمن يصدق أن أسماء  عظيمة مثل : أرنست همنجواى، آرثر ميللر، أندريه مالرو، جون ديوى، كارل ياسبرز،  ألبرتو موارفيا، هربرت ريد، ستيفن سبندر، أودن،  وغيرهم مرتبطين بخيوط خفية بالمنظمة الأمريكية السرية؟  
من بريطانيا إلى فرنسا، ومن لبنان عربيا إلى إيطاليا، ظهرت منظمات تحت لافتة حرية الثقافة، ومجلات شعرية وأدبية، تستقطب كبار الكتاب، ومن واشنطن إلى برلين بألمانيا  ومؤتمر الحرية الثقافية الذى قالت عنه وزارة الدفاع الأمريكية: إنه أهم عملية سرية  لتغيير الخيال فى أوروبا والعالم.
فلا تندهشوا من قناة  سى بى إس، ولا تندهشوا من إعادة نشر الاختلاقات على نطاق واسع، ولا تندهشوا من تبنى أستاذ علوم سياسية  أخبار السوشيال ميديا، وإعادة نشرها كحقائق، ولايعتذر حتى بعد اكتشاف الحقيقة، فالاعتذار ممنوع على طريقة صواريخ الـ 45 دقيقة العراقية، ومنظمة حرية الثقافة، والآن منظمة حرية الإعلام، ومن يدفع للزمار.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg