رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأحد 26 مايو 2019

مقالات



‏‫البند السابع وحده يردعهم

9-1-2019 | 13:04
د. هادى اليامى

كما هو متوقع، لم تستطع ميليشيات الحوثيين الانقلابية الارتقاء بطريقة تفكيرها وأسلوب تعاطيها مع الأحداث، والتعامل مع الواقع اليمنى بما يستحقه من أهمية، ولم تمتلك القدرة على الإيفاء بتنفيذ البنود التى أقرت بها وقبلتها عند توقيعها اتفاق السويد، كما تنصلت من جميع تعهداتها والتزاماتها، وتنصلت من الاتفاق الذى وقعت عليه أمام العالم أجمع، إلا أنها – كعادتها - رفضت تحويله إلى واقع، حسب الجدول الزمنى الموضوع مسبقا، الذى ارتضى به الطرفان كأساس يمهد لإيجاد حل نهائى ودائم للأزمة فى اليمن. وليس فى كل ذلك عجب أو مصدر دهشة، لأن هذه الميليشيات لم تعهد عنها القدرة على النظر إلى الأمور بمنظور المنطق والعقل، أو تغليب المصلحة العليا والتجاوز عما دونها، بل ظلت منذ نشأتها مجرد أداة تستخدمها حكومة الملالى فى إيران، وحزب الله اللبناني، لتنفيذ أجندة مذهبية خارجية بعيدة كل البعد عن مصلحة اليمن، فلم تمتلك فى يوم قرارها، أو القدرة على اتخاذ ما تراه صائبا، بل ظلت تدور فى فلك العمالة والخيانة الذى ينسجم تماما مع جميع تصرفاتها.
ويعلم الجميع أن الاتفاق الذى تم التوصل إليه فى السويد، يقضى بداية، بتنفيذ اتفاق تبادل الأسرى بين الجانبين، وتم تقديم قوائم رسمية بأسماء المعتقلين، توافق عليها الطرفان وأقرهما المبعوث الأممى مارتن جريفيث، ووضع جدول زمنى للتنفيذ، لكن بمجرد عودة وفدى التفاوض من ستوكهولم، بدأ قادة التمرد فى إطلاق تصريحات استباقية تشير إلى استحالة تنفيذ الاتفاق، عبر التشكيك فى صحة القوائم الحكومية، والادعاء بأن بعض الأسماء مكررة، أو أن كثيرا من الذين وردت أسماؤهم فى القوائم غير موجودين فى سجون التمرد. وهذه كلها نتيجة متوقعة، حذر منها معظم المراقبين السياسيين، إدراكا منهم بأن الكلمة النهائية ليست فى أيدى الحوثيين، بل ينتظرونها من طهران التى لا تريد بطبيعة الحال للأوضاع فى اليمن أن تستقر، وتعمل على بقاء الأمور على ما هى عليه، لاستغلالها كورقة مساومة وأداة ضغط سياسى للحصول على مكاسب فى ملفات أخرى.
 
كذلك مثَّلت قضية ميناء الحديدة حجر الزاوية فى مفاوضات السويد، للأهمية البالغة التى يمثلها بوصفه الشريان الرئيسى الذى يمكن عن طريقه إدخال المساعدات الإنسانية للشعب اليمني، فتم التوافق على تسليم الميناء للأمم المتحدة وفق آلية محددة وإجراءات متفق عليها، وعندما حان أوان التنفيذ فاجأ المتمردون العالم أجمع بخدعة ساذجة لا يمكن أن تنطلى إلا على أمثالهم من البسطاء ومحدودى الأفق، عندما استبدلوا الزى الذى كان يرتديه عناصر ميليشياتهم بزى آخر، وزعموا أن تلك القوات هى التى سوف تتولى حفظ الأمن فى الميناء، وهو التصرف الذى رفضه جريفيث بقوة، مشيرا إلى أن من شأن تلك الخطوة أن تنسف الاتفاق من جذوره تماما.
 
الآن عاد الانقلابيون إلى استخدام ورقة الضغط التى ظلوا يلعبون بها طويلا، وهى الأزمة الإنسانية، حيث منعوا دخول العشرات من السفن المحملة بالمساعدات الغذائية والطبية والمشتقات النفطية، وصادروا معظمها، بل إن قلة درايتهم السياسية وعدم إحساسهم بالمسئولية دفعاهم إلى قصف مخازن برنامج الغذاء العالمى وإحراقه، على مرأى ومسمع من العالم، حيث بثت الفضائيات مشهد المواد الغذائية وهى تحترق، فى الوقت الذى يبكى فيه الأطفال والشيوخ جوعا.
 
لكل ما سبق، على المبعوث الدولى مارتن جريفيث التوقف فورا عن التعامل مع الحوثيين بالطريقة التى يتعامل بها حاليا، والكف عن أسلوب اللين والمهادنة، واللجوء إلى رفع عصا العقوبات، فالتجارب السابقة كلها تكشف أن ذلك هو الأسلوب الوحيد الذى يجدى مع أولئك الخارجين على القانون، وهو وحده الكفيل بردعهم وإرغامهم على التعاطى الإيجابى مع رغبات وتوجهات المجتمع الدولي، وله فى تجارب سلفيه، جمال بنعمر وإسماعيل ولد الشيخ أحمد، عبرة وعظة، فقد تعاملا بنفس الأسلوب فى السابق، ولم يحصدا فى النهاية غير الفشل الذريع. لذلك فالمطلوب من مبعوث الأمم المتحدة عدم التعاطف متع الحوثيين وانتحال الأعذار لهم، أو البحث عن تبريرات وهمية لتجاوزاتهم، وإذا أراد لمهمته أن تنجح فعليه التوجه فورا إلى مجلس الأمن الدولي، وتقديم تقرير شامل وواف عن سير تنفيذ الاتفاق، والعمل على استصدار قرار بموجب البند السابع، يتيح للدول الأعضاء استخدام القوة فورا لفرض تنفيذ قرارات المجتمع الدولي، ولا أحسب أن المجلس بحاجة إلى تقديم قرار جديد، بل يمكن تفعيل القرار السابق رقم 2216 الذى صدر بإجماع الأعضاء، ويحمل فى طياته السماح باستخدام القوة ضد الطرف المتسبب فى استمرار الأزمة الإنسانية.
 
ومع التقدير التام لمحاولات السيد جريفيث بدفع المتمردين إلى التعاطى الإيجابى مع توجهات المجتمع الدولي، وإقناعهم بالتخلى عن ممارساتهم، ومراعاة متطلبات الوساطة النزيهة بين الطرفين، إلا أن عليه إدراك أن مهمته فى التوسط لم يكن من الصائب أن تبدأ من الصفر، وكان عليه أن يستنير بتجارب بنعمر وولد الشيخ، وأن يبدأ من حيث انتهيا، لأن عامل الزمن ليس فى صالحه، وكل يوم يمر يحمل فى طياته مزيدا من المعاناة للمدنيين الذين ينتظرون بفارغ الصبر نتائج عمله. وعليه أيضا إدراك أن مسئولية فشل تنفيذ اتفاق ستوكهولم هو وزر سيتحمل جزءا كبيرا منه، وتشاركه فى ذلك منظمات المجتمع الدولي، مثل الأمم المتحدة، إذا لم يلجأ فورا إلى تفعيل أدوات الحزم والقوة، ويكف عن أساليب المهادنة واللين، فهى لن تجدى فتيلا مع من صموا آذانهم عن آهات المحرومين، وأغلقوا أعينهم حتى لا يروا آثار الدمار الذى تسببوا فيه بممارساتهم الخاطئة التى تنسجم تماما مع الدور الذى ارتضوا لعبه.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg