رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأحد 24 مارس 2019

مقالات



تأملات أسطورية .. ما مشكلة الإنسان المعاصر؟

9-1-2019 | 13:03
د. إيمان طاهر

مشكلتنا جميعاً أننا لا نعترف بوجود عقول مفكرة جديدة، أو علماء تقلب نظرياتهم الحديثة كل ما تآلفت عليه العقول من نظريات قديمة .. نعيش فى عالم يختزن كل معارفه، مما فكر فيه واستنتجته تلك العقول بدون السعى وراء أى مفاهيم، تقوم على المنطق الحديث من حركة وتطور.. مر العالم الغربى بكل حداثته أمام أعيننا، ونحن مازلنا نحيا، وكأننا فى القرون الوسطى متمسكين بشكل يبدو كعقد اجتماعى على الجمود! وكيف للجمود العقلى أن يتطور أو يتكيف مع كل ما يحيط به من مستجدات؟
خائفين .. مذعورين من التفكير، وكأن الفكر مجازفة نحو مجهول من الشر المطلق...
نؤمن بأن ما توارثه العقل الجمعى من عادات وأفكار هى الأسس الحقيقية لاستمرار الحياة فى هدوء!.
ولا نعلم بأن المجازفة نحو الحداثة من علم ورؤى، على الرغم من مساوئها فإنها تطور ... فحرية الفكر فى ذلك الصراع العقلى ما بين الوصول للمعرفة والبلاهة العقلية، تأخذ فى طريقها الواقع، حتى ولو مستقر، والتاريخ الذى قد نتفاخر به والمستقبل الذى سيسحقنا ما لم نسايره.
سآخذ جانب الراوى فى مقالتى هذا الأسبوع، وأنقلكم إلى بعض زوايا العقل عند الفيلسوف “ابن سينا”، وكيف ابتعدت الرؤية الفلسفية فى اتباع الجانب العقلى التحليلى كبرهان ومسلك علمى عن الجانب الوجدانى لديه .. وكيف لجذوره الصوفية أن انتصرت فى حواره العقلى مع ذاته.
ألف الفيلسوف “ابن سينا” رواية اسماها (رسالة حى بن يقظان) قائمة على فكرة أسطورة قديمة للأخوين (سلامان وأبسال).
تقول الأسطورة اليونانية القديمة، إن سلامان وأبسال أخوان، وكان سلامان الأخ الأكبر وربى أخاه الأصغر أبسال تربية صالحة حكيمة، وكبر وصار شاباً بديعا فى جوهره وظاهره، فأحبته زوجة أخيه، وحاولت أن تغويه لكنه رفضها، وبعد إلحاح أقنعت أخاه أن يزوجه من أختها بشرط ألا يلتقى بها إلا فى الظلام لشدة خجلها، ووافق، وعندما التقى بها لمع البرق فى السماء وعلم أنها زوجة أخيه، فهرب وكتم سر تلك الليلة، وقال لأخيه إنه يريد أن يفتح العالم، فزوده بجيش عظيم واستغرق سنوات عديدة فى فتح البلاد، واعتقد أن زوجة أخيه قد ماتت بها تلك الرغبة الشيطانية، فرجع إلى مملكة أخيه ووجدها كما هى، فقرر أن يعود ليقاتل أعداءه مرة أخرى، وتآمرت هى مع قادة الجيش بأن يتركوه وحيداً فى المعركة، وأصيب إصابة بالغة، فظن الجيش أنه توفى، لكنه نجا وعاد إلى أخيه، بعد أن علم أن جيوش الأعداء تحيط به،فواجهها وهزمها وأنقذ أخاه ومملكته، وحينما يئست منه زوجة أخيه دست له السم فى طعامه وتوفى، وحزن أخوه حزناً شديداً وناجى ربه وتكشفت له الحقائق كالوحى، فقتلها ومن تآمر معها بالسم ذاته... تلك هى الأسطورة التى بنى عليها “ابن سينا” قصته، التى تروى أن هناك سيدة من عائلة ملكية هندية، قد تزوجت سراً من وراء أخيها الملك لقريب لهما وهو (يقظان) وحملت منه ووضعت طفلها فى تابوت، وألقت به فى البحر، (انظر لتشابه القصة مع قصة سيدنا موسى عليه السلام) وأخذته الأمواج إلى جزيرة الواق واق، وكانت على الشاطئ غزالة، فقدت وليدها، فأخذت الطفل، وأرضعته، وربته حتى بلغ سن سبع سنين، ثم توفيت وحزن عليها حزناً شديداً، وحاول أن يفهم فسلك طريق الحواس للوصول إلى المعرفة، فشرح جسد الغزالة واكتشف أن هناك جسداً وروحا، وهنا تظهر براعة تكوين العقل البشرى الذى يستطيع أن يفكر ويستنتج، وكيف له بدون الحاجة إلى تدريسه أو تلقينه أن يصل عن طريق التأمل بلا أى تأثيرات مجتمعية أو توجيهات تكنولوجية، إلى استنتاجات للكون وطبيعة الأشياء والإنسان وعلاقاته.. وبالرغم من أن جميع الأبحاث العلمية الحديثة تخبرنا بأن العقل البشرى، هو إفراز وضعية المجتمع من حوله، ولا يستطيع أن ينمو أو يتطور من تلقاء نفسه، فإن تلك القصة أو الأسطورة قد ألهمت الكثير من الأدباء والمفكرين والعلماء لأهمية إعمال العقل، ويميلون إلى الأخذ بهذا الرأى لأن معظم من يطلقون على أنفسهم مفكرين، ظلموا أنفسهم ومن اتبعهم، حينما اعتقدوا أن مجرد الاطلاع والدراسة على موروثات الكتب هى فقط المعرفة الحقة، فإذا جاءهم أحد ما بجديد غير الذى قد قرأوه أو اعتادوه اعتبروه باطلاً، وخروجا عن المألوف الذى فكر فيه ورسخه إنسان مثلهم!
ومن هنا فقد الإنسان فى هذا العصر الحديث الذى نعيش به قيمة البحث عن الحقائق بتجرد وتعصب العقل البشرى وسُجن فى إطار عالم الأسلاف...
لا ننكر إطلاقاً أن العقل الإنسانى يفكر ويحلل بل فى الغالب يتميز استناداً على المعارف والمعلومات السابقة، فكلما تنوعت واتسعت، أحدثت إثارة وتحفيزا للعقول المهتمة بالمعرفة...
لذلك اهتم معظم الأدباء والفلاسفة الأوروبيين بتلك القصة لابن سينا، على الرغم من عربية الفكرة، لأنهم رأوها من خلال منظورهم لأهمية الانتباه للعقل الإنسانى، الذى يقف أمام الحقائق الكونية من حوله وحيداً، ومحاولته تفسير الوجود فقط بالتأمل واستخدام الفطرة للوصول بالتجارب الذاتية.
والحقيقة على الرغم من تناول ابن سينا تلك القصة بشكل رمزى، ليقرب لنا رحلة الإنسان المستمرة فى معرفة الكون عن طريق المادة، بالحواس والصور الميتافيزيقية، أو ما وراء الطبيعة التى يدركها العقل بدون أن يراها أو يلمسها، بشكل يميل كثيراً إلى الصوفية فى الوصول إلى الله عن طريق التأمل العقلى، فإنه برع فى توضيح مستويات العقل الإنسانى فى الفهم والإدراك..مما يلفت النظر حقاً هو توقف التفكير وابتلاع العقل وذوبانه فى عصر الاستهلاك الدموى المادى من حولنا.
الأفكار هى سلاحنا الوحيد أمام عالم لا يحترم البلاهة الفكرية.. نحن كمجتمعات عربية، نحتاج إلى ثورة فى الفكر الداخلى، ودعوة جادة لإعادة النظر فى الجذور العقلية، وإعادة تحليلها فن ذات الإطار العقلى للوصول إلى الحق مجرداً بكل براهينه.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg