رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 20 ابريل 2019

مقالات



الوطن الأم

16-1-2019 | 22:13
مهدى مصطفى

كيف عرف ذلك؟
 كيف أدرك المعنى العظيم فى تلك السن المبكرة؟
 كيف عرف أن إفريقيا هى أرض الميلاد، والوطن الأم، وجميلة الجميلات؟
كان صبيا بريئا، يتمتع بخفة ظل، ولسان فصيح، يسخر من الكبار والصغار، يتسبب فى غضب معلميه، وعداء أقرانه الصغار.
يخشاه الجميع، ويتوقفون عن صداقته المضنية، لكنهم كانوا غير قادرين على فراقه طويلاً، سريعاً تجده بينهم، وهم غارقون فى ضحك متواصل.
 ساقه اليمنى أقصر قليلا من ساقه اليسرى، كان قد تسلق نخلة طويلة جدا فى رهان مع صبية صغار، وحين وصل إلى الجريد العالى، نظر إلى الأسفل متحديا، بالكاد كان يراهم، شعر بخوف رهيب، صرخ بصوت مرتجف، تجمع الناس حول النخلة الطويلة، أدلى الجميع بآرائهم دون أن يتقدم أحد لإنقاذه، جاء أبوه، وتسلق النخلة، وصل إليه، ربطه بحبل لفه حول جسمه، نزل به بطيئا، وحين اطمأن عليه، صرف الناس الشامتين فيه، وقام بربطه فى نفس النخلة، وبكل ما أوتى من غضب، ضربه ضربات متلاحقة، تسببت فى كسر قدمه اليمنى، وبقيت معه ما عاشت سخريته، ولم يتوقف قط عن سلاحه القاتل للصغار والكبار.
فى حصة معلم الجغرافيا، حبس نحلة صغيرة فى علبة كبريت، أفلتت، ولدغت زميله، صرخ الصبى، بينما كان المعلم يشرح بصوت رخيم عن قارة إفريقيا، فتوقف غاضبا، كان الشرر يتطاير من عينيه، قرر المعلم أن يعاقب هذا الشقى على طريقته، أى العقاب على عدم الإجابة الصحيحة، وليس الشغب.
أوقفه المعلم؟
 ماذا تعرف عن إفريقيا، وما شكل هذه القارة؟
كان الجميع يخبئون أعينهم خوفا من العقاب الذى سيلقاه أخيرا هذا المتمرد الساخر الصغير.
 وقف دون خوف، قال: أستطيع إثبات أننى أشطر ولد فى الفصل والعالم، تهامس التلاميذ بابتسامات ساخرة، ضرب المعلم يده على السبورة، سكتوا، قال: تكلم، اثبت بالبرهان يا عبقرى زمانك.
 قال بهدوء وثبات: أنا شاطر، ولن أردد ما أحفظ، فإفريقيا لا يعنينى أنها شكل المغرفة يا أستاذ كما تشرح، بل هى أجمل قارة، لأننى ولدت فيها، وأنا أفضل إخوتى فى المنزل، وبيتنا أفضل ما فى الشارع، وشارعنا أفضل ما فى القرية، وقريتنا أفضل ما فى المدينة التابعة لها، ومدينتا أفضل مدن المحافظة، ومحافظتنا أجمل محافظة فى القطر المصرى، ومصر نوارة إفريقيا، ففيها حضارة الفراعنة، والفراعنة إفريقيون، وإفريقيا أم القارات الأخرى، وهكذا يا أستاذ من البيت إلى القارة أنا أشطر ولد فى الفصل.
انفجر الجميع، بمن فيهم معلم الجغرافيا الجاد بالضحك، ولم يتوقفوا إلا والمعلم يصفق له، ويدعوه إلى التقدم حيث السبورة، ويعتبر كل ما قاله أهم درس فى إفريقيا.
طالما ألحت علىَّ هذه الحكاية الطريفة، ومع الزمن قرأت عن إفريقيا كثيرا، مرة هى أرض أفار، أو أرض الغبار، كما قال الفينيقيون المهاجرون من الساحل السورى إلى سواحلها الشمالية، حيث قرطاج، إفريقية، أو تونس الحالية، ومرة هى إفران، نسبة إلى قبيلة أمازيغية، كانت تعيش ما بين ليبيا والجزائر بطول ساحل المتوسط، ومرة هى أرض اللا برودة واللا رعب كما قال الإغريق، وكلها أسماء محيرة، وحدهم المصريون القدامى الذين عرفوا اسمها الحقيقى، اسمها الذى لا ينتسب إلى وصف أو ينتمى إلى أساطير، عرفوا أنها أرض الميلاد، والوطن الأم، وجاء اسمها من أف- روى- كا، بمعنى الرحم المفتوح، وهى كلمة مصرية قديمة تعنى الوطن الأم.
فكيف عرف هذا الولد الاسم الحقيقى للقارة الأم؟

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg