رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 20 ابريل 2019

مقالات



مسارات سياسية

26-1-2019 | 17:04
د. إيمان طاهر

فى بلاد الإغريق القديمة، وبالتحديد القرن الخامس قبل الميلاد، فكر وطبق الأثينيون مفاهيم معاصرة لكيفية الحكم الديمقراطى، لإبداء آرائهم وطرح جميع أفكارهم فى نظام الحكم وحل مشاكلهم، من خلال التحدث فيما يسمى بالجمعية العمومية. هذا السلوك كان يطلق عليه مسمى "الديمقراطية النقية". وعبر الأزمان تغير الكثير من ذلك المفهوم بتغير وتطور المجتمعات والنفوذ والتحالفات الاستعمارية، وتم تطويع المفهوم النقى للحكم الجمهورى، إلى معايير دولية جديدة، وأدخل عليه مفهوم "الليبرالية" كفلسفة سياسية، تقوم على أفكار الحرية والمساواة، وتنبذ الأحكام الديكتاتورية، وتطبق مبادئ الإرادة الإنسانية واحترامها. وهذا الدمج بين فكرة الديمقراطية وتطبيقاتها مع الليبرالية، كان لإحداث نوع من التوازن لتشمل كل سلطات ومؤسسات الحكم، وتمتد أيضًا إلى الأديان ولتصل بنا إلى مصطلح العلمانية.
 
كل تلك المصطلحات والمفاهيم السابقة، سأحاول أن أشرحها وأبسطها لذهن القارئ عبر تلك المقالة، وما سيتبعها عبر الأزمان وصولاً لعصرنا الحالى، ومدى تأثيرها وتطبيقها وما أحدثته من ممارسات، ولمن كان النصر فيها للشعوب أم الحكومات، كعناصر متضادة ومتصارعة من وجهة نظر الخبراء السياسيين، وتحقيق الاستقرار وحقيقة وجودها من عدمه.
وبالتطبيق على مسار حديث لإحدى الأنظمة الديمقراطية فى أمريكا كدولة تتعدد فيها الثقافات والتقاليد والأيديولوجيات لتعدد الأعراق والأديان، سنلاحظ فيها المنافسة الحادة على السلطة من خلال انتخابات دورية، تبدو لنا حرة وعادلة وتصل فيها مستويات المشاركة للمواطنين لأعلى نسبها وتسمح بحرية تداول المعلومات، ولكن هل هذه هى الحقيقة على أرض الواقع؟ هل يستطيع المواطنون التأثير فى السياسة العامة وتشكيل مجموعات للضغط على الحكومات بقراراتها وإجراءاتها وإحداث حركات اجتماعية متعاونة.. هل توجد حرية بالفعل؟
 
دعونا نطرح مفهوما مهما قبل الإجابة عن تلك الأسئلة، بأن أهم العناصر البحثية فى دراسة ومراقبة الديمقراطية، هى رصد تأثيرها على المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لأن مفهوم الديمقراطية فى حد ذاته، كنظام اجتماعى وسياسى ومنهج تسير عليه الدول، يتيح لجميع المواطنين بشكل مباشر تشكيل القوانين وتقرير المصير لبلادهم على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية. لذلك يظل ذلك المصطلح معضلة أساسية ما بين مفاهيمه الصالحة وتطبيقاته السيئة السمعة والمزدوجة، فهناك ثلاثة تناقضات متأصلة فى كل النظم الديمقراطية بشكل عام، الأول، التناقض فى التوتر ما بين الصراع والتوافق، ولنأخذ مثال تداول السلطة كنظام ديمقراطى، فالمنافسة الشديدة والصراعات والانقسامات ومدى قدرة وثبات وقوة الأحزاب والثقافة المجتمعية، هى من تحسم ذلك الصراع - الذى فى كثير من الأحيان - قد يؤدى إلى انهيار النظام كله.
 
والتناقض الثانى هو تمثيل القابلية للحكم أى استقلالية وكيفية اختيار السياسات وتنفيذها بحرية وتحليل علمى واقعى، وسرعة تطبيقها كالنظم البرلمانية كمثال واضح فى معظم الدول، فهو ممثل لمختلف طوائف الشعب، ومعاناته ومصالحه ومدى قدرة الأحزاب السياسية على أرض الواقع وانتشارها وتفاعلها وتجاوب الشعوب معها.
 
والتناقض الثالث والأخير ما بين الموافقة والفاعلية، بمعنى حكم المواطنين على أداء وقرارات الحكومات، وفق المعايير قصيرة المدى وقدرتها على تنفيذ خطط وإصلاحات بشكل سليم وفاعل، وأحيانا يتبعها اصطلاحات هيكلية قد تستغرق سنوات، لتحدث تأثير وتغيير جذرى للسياسات الاقتصادية للدول بشكل عام، مما يتطلب ذلك تفهما ووعيا كبيرين لدى تلك الشعوب وصمودا لإحداث نوع من المناعة المجتمعية، تحميها من الانهيار فى ظل تحقيق ذلك التطور، خصوصًا فى الدول الأشد فقرًا، وقدرة تلك المؤسسات الحكومية التركيز على القضايا المحلية والتواصل، وإحداث نوع من الثقة والمشاركة للحفاظ على ذلك الشكل الديمقراطي.
 
الحرية الإنسانية والمشاركة السياسية، هى بلا شك قيمة جوهرية لخير الإنسان، وفاعلة فى تمكينهم من التعبير عن احتياجاتهم ومطالبهم، وحجرة بناء فى تشكيل قوة أى مجتمع.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg