رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 23 فبراير 2019

مقالات



شكرا للجنرال جياب.. باريس إلى النسيان

30-1-2019 | 00:27
مهدى مصطفى

نستطيع أن نترك الماضى وراءنا، لكننا لا نستطيع أن ننساه. 

هكذا تكلم الجنرال الفيتنامى الأسطورى فون نجوين جياب، بعد موافقته على إقامة علاقة دبلوماسية طبيعية بين فيتنام والولايات المتحدة الأمريكية عام 1995، مشيرا إلى ماضى الولايات المتحدة الإجرامى أثناء شنها حربا تدميرية على شعب فيتنام الأعزل لعشرين عاما متواصلة، بدأت عام 1955، وانتهت بسقوط سايجون، عاصمة فيتنام الجنوبية السابقة، بأيدى الوطنيين الفيتناميين عام 1975، واستطاع جياب ورفاقه إلحاق أكبر هزيمة مذلة بدولة عظمى، كانت قد انتصرت للتو لأوروبا وحلفائها فى الحرب العالمية الثانية، فتلبّستها رغبة جارفة فى تحويل شعوب الدنيا إلى رقعة شطرنج، تقوم بتوزيع بيادقها عليها كيف تشاء، وهى رغبة تتلاشى الآن على أيدى دونالد ترامب، الساكن الأخير للبيت الأبيض.
 
ويبدو أن باريس الآن تتلبّسها نفس الرغبة الأمريكية الضائعة، وتعتقد فى نفسها وريثة شرعية للباب الأمريكى العالي، فتتصرف كقوة عظمى، قادرة على فرض إملاءات على شعوب عريقة، لديها بيوت سكنية أطول عمرا من بلاد الفرنسيس بالكامل.
 
والجنرال جياب، وألقبه شخصيا بالرجل دائم الانتصار، عاش أكثر من مائة عام، تعرفه باريس، ويعرفه جنرالاتها المهزومون، حق المعرفة، استطاع أن يمرغ أنف فرنسا الاستعمارية فى تراب الهزيمة، ويفكك إمبراطوريتها الدموية فى معركة ديان بيانفو، وتحتفظ له سجلات التاريخ بأعظم المؤلفات العسكرية الوطنية الملهمة للشعوب فى مقاومة الاستعمار، ولا تنسى باريس كيف خرجت وهى ترفع الرايات البيضاء، وتستسلم لجياب ورفاقه فى تلك المعركة المجيدة، ليتردد صوت جياب فى شمال إفريقيا، فيسمعه رجال المقاومة الجزائرية الأبطال، ويهتفون جميعا: نعم نستطيع، وقد فعلها الجنرال جياب، ونحن سنفعلها، وقد فعلوها فى بضع سنوات امتدت من عام 1954 إلى عام 1962.
انتهت معركة ديان بيانفو فى السابع من يونيو 1954 ، بانتصار فيتنامى ساحق، وضحايا بالآلاف من الجانب الفيتنامي، وهؤلاء الضحايا كانوا ثمنا عادلا للحرية من القتلة، وبهم تخلصت فيتنام من عبء أقسى استعمار قام، ويقوم دائما على محو البشر والحجر. 
 
يتلقف الجزائريون البشارة الجيابية، وينطلق رجالهم فى معركة حاسمة، كان فيها الجنرال الفرنسى الجزار بيجو، وأوساريس صنمين للقتل وارتكاب الجرائم الأفظع فى تاريخ البشرية.
 
ومن عجائب جماعة الحرية والمساواة والإخاء الفرنسية، أنهم لم يعتذروا للجزائريين إلى الآن، ولم يعترفوا بالجريمة الموثقة، ويتجادلوا فى وسائل إعلامهم بأن الجزائر مسألة فرنسية داخلية، ويتبجح هؤلاء الاستعماريون بأن التعذيب أثناء الاحتلال كان مسألة طبيعية، وكان ديجول، أقوى رئيس فرنسى على الإطلاق، يقول، إن فرنسا والجزائر بلد واحد، ولن ترفع راية جبهة التحرير فى الجزائر ما دام هو القائد لفرنسا، قبل أن تجبره المقاومة الشجاعة على نسيان هذه الترهات، ويشارك بنفسه فى ترتيب الخروج المذل على طريقة فيتنام.
 
بيجو، الجنرال وليس السيارة، ارتكب مذابح لا تجعل أى إنسان طبيعى ينام الليل، وهكذا فعل رفاقه الدمويون .. ماسو، وسالان، وجوهر، وبيجار، وأوساريس، وموريس بابون، وعلى الناس المفرنسين الجدد أن يقرأوا كتاب “جرائم فرنسا فى الجزائر” للكاتب سعيد بزيان، المثقف الجزائرى البارز، فهو وثيقة تامة عن الجرائم المرتَّبة، وعن المندحرين والمهزومين فى فيتنام، وقد أرادوا التعويض عن فحولتهم الضائعة فى الجزائر، فارتكبوا فظائع، ومجازر لن يفروا منها بشعارات مزيفة، قد تغرى النائمين على عتبات باريس المقدسة، لكنها لا تغرى العارفين.
 
وحده الجنرال جياب لم يقع فى محبة الجلاد، فليس للجلاد مناديل وداع،  وجياب قرر، مشكورا، إرسال باريس إلى جنة النسيان، وستبقى هناك طويلا.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg