رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 23 فبراير 2019

مقالات



مسارات سياسية (2)

30-1-2019 | 16:14
د. إيمان طاهر

• هل يستطيع المواطنون التأثير فى السياسة العامة وتشكيل مجموعات للضغط على الحكومات، للوصول إلى حد ولو متوسط نسبياً لطموحاتهم وما يأملونه فى المستقبل؟...

فى الحقيقة أن الإجابة عن هذا التساؤل تتضمن عناصر عديدة لمدى قوة هذا المجتمع.
 
• فكل من المستويين السياسى والاجتماعى، هو فى الواقع والمأمول أن يكون مرآة عاكسة لمدى التفاعل والانسجام فى الرؤى بينهما، فالعلاقة ما بين المؤسسات السياسية والقوى الاجتماعية يحكمها تشكيل المجتمع ذاته من جماعات عرقية أو اقتصادية طبقية متفاوتة فى الثراء أو الفقر أو التوسط ودينية وجماعات تجمعها حرف أو مهن خاصة.
 
• ودائماً تكون نقطة البدء فى تنظيم تلك العلاقة ما بين المؤسسات السياسية والمجتمع من الحكومات أولاً، فلا بد أن يكون لها منهج سياسى منظم بشكل واقعى وإستراتيجى، بعيد المدى عن أرضية المشاكل والتعقيدات والخلافات والنواقص لتلك المجتمعات، فى إطار المحافظة على النظام وتعزيز الاتفاق، بين كل من تلك القوى المجتمعية بشكل سياسى بسيط لبقاء الدول.. ذلك التضامن ما بين مختلف الأشكال الاجتماعية داخل الدولة الواحدة، يكون بلا شك هو الدليل الواضح على نجاح مؤسسات الدولة فى مواجهة التحدى الفعلى، فى تعزيز نظام سياسى قادر على الحكم، وفى نفس الوقت معالجة المشاكل الحياتية من تحسين لمستوى الصحة والصناعة والتعليم.. ويبقى لدينا العنصر المجتمعى بكل طبقاته وعناصره السابقة، ويتوقف على مدى انتماء كل فئة لمجموعاتها أو للمؤسسات، فقد تسيطر جماعة واحدة تأخذ “الدين” كمثال على أفراد كثيرة، وتبسط نفوذها عبر تعاليم أو مشاريع، تضمن ولاء هؤلاء الأفراد الدائم لها واستدعاؤهم عند الضرورة!!
 
ولأن المجتمعات لا تتحكم فيها فئة واحدة وتنقسم لعدة فئات، فتجد أن تلك هى نعمة كبيرة فى واقع الأمر، حتى لا تتحول تلك الفئة لقوة تسيطر على الباقى وعلى الدولة، وتفرض هيمنتها حتى على المؤسسات السياسية.
 
إذن إذا أردنا تحقيق أعلى نسبة انسجام مع الحكومات، لا بد أن يكون هناك أيضاً انسجام مجتمعى فى إطار أو التزام أخلاقى وسلوكى، فى ظل أهداف مشتركة وروابط تحقق مصالح الأفراد.. وكلما كان مستوى التكيف مع تطورات العصر ومستجداته ومستحدثات الواقع لكل دولة من مواطن ضعف أو قوة والعمل عليها، يكون منحنى مؤسسات الدولة من صعود أو هبوط.. فنحن لا نستطيع أن نتجمد أمام تحديات هذا العصر ونحيا فى بيئة ساكنة، لذلك فمحاولة التكيف هى أفضل الطرق للوصول إلى أفضل التوافقات والحلول والتقدم فى آن واحد.. بالرغم من البيئات المختلفة.. فكل مؤسسة حكومية لها بعدان مرتبطان ببعضهما البعض فى تنفيذ سياستها، البعد “الأول” أخلاقى، كفرض سلوكيات ومبادئ تضمن السلام المجتمعى، ولنأخذ مثالا من القرن الماضى عندما رصد عالم الاجتماع “إدوارد بانفيلد” ظاهرة الأسس الأخلاقية. ولكى يستطيع رصد وتحليل بحثه هذا، عاش فى قرية فقيرة مع زوجته فى إيطاليا، ووجد أن حالة الفقر المدقع الذى يعيشه سكان هذه القرية، تعود لأسباب وعوامل مجتمعية وثقافة خاصة، فهؤلاء الفقراء لا يأكلون اللحم إلا مرة واحدة فى الشهر، وبالرغم من ذلك يجلسون طوال الوقت على المقاهى المنتشرة، وعندما يحتاج أحد إلى إنجاز عمل يجيبونه بأنه ليس لديهم وقت!! ومعظم العائلات هناك تخشى الحسد ولا تعاون بعضها البعض، ويدللون أبناءهم إلى حد السفاهة وتعزيز الأنانية، لذلك عاشت تلك القرية فى حالة فقر دائم وانغلاق وتدنٍ أخلاقى، لأن كل فرد فى ذلك المجتمع الضيق، لا يقدم يد العون لمن هو خارج حدود عائلته، فأصبح مجتمعا متفككا متدنيا فقيرا، لا يستطيع مسايرة التقدم ولا احترام القانون، ولا الاشتراك فى تكوين مجموعات تعبر عن طموحاتهم، وإيصالها للمؤسسات الحكومية، ولم يستطيعوا بالتالى التأثير فى السياسة العامة.
 
هذا بند مهم فى شكل الديمقراطية كما نأملها، وهو تمثيل كل فئات الشعب فى أنظمة الحكم، وهكذا تتوافق مصلحة المؤسسات الحكومية مع مصالح الأفراد... تلك النقطة هى ما يميز المجتمعات المتطورة الأخلاقية عن غيرها من المجتمعات المتخلفة، و”البعد الثاني” هو البناء للمستقبل للتوافق مع مستجداته من علم وصناعة وثبات اقتصادى وتطبيق ديمقراطى يضمن بقاء الدول.
 
دعونا نحافظ على مجتمعاتنا بإرساء مبادئ تتيح لنا البقاء والاستمرار، بل والتقدم وعلى رأسها الثقة، ولا ننصب لبعضنا كمائن فكرية وعقائدية أو ثقافية لننهك قوانا ويزيد التعصب بيننا، ونفقد التضامن والتلاحم والقدرة على التنظيم والالتقاء فى المنتصف، وتبادل الرؤى وتوحيد الأهداف بشكل متطور واع، بدلا من زرع الدمار فى بلادنا...
للحديث بقية.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg