رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 23 فبراير 2019

مقالات



من يعيد لأطفال اليمن براءتهم؟

30-1-2019 | 16:18
د. هادى اليامى

ركزت ميليشيات الحوثيين منذ الأيام الأولى لانقلابها المشئوم على تجنيد أطفال اليمن كمقاتلين فى صفوفها، ولم تتورع عن مهاجمة المدارس لإرغام الطلاب على الانخراط فى معسكرات تدريب، لا تستغرق فى العادة أكثر من ثلاثة أسابيع، قبل إرسالهم إلى صفوف القتال الأمامية، غير مبالية بالأخطار التى قد يتعرضون لها، نتيجة لعدم امتلاكهم الخبرة الكافية. كما لجأت الميليشيات الخارجة على القانون، تحت وطأة الانتصارات المتلاحقة التى تحققها قوات الجيش الوطنى والمقاومة الشعبية، إلى زيادة معدلات تجنيد الأطفال لتعويض النقص الذى يحدث فى صفوفها، لاسيما بعد رفض رجال القبائل والأهالى إرسال أبنائهم للتجنيد، بعد أن انكشفت لهم خفايا المشروع الإيراني، فلم يجد المتمردون بدا من إرغام السكان المحليين، خصوصا فى المناطق التى تزداد فيها معدلات الفقر، على السماح لأبنائهم بالتجنيد، عبر تهديدهم بطردهم من منازلهم ومصادرتها، وتارة عبر إغرائهم بصرف مواد غذائية لهم ومبالغ مالية منتظمة لهم. 

ومع أنه ليس هناك عجب فى تلك التصرفات التى تنسجم مع طبيعتهم الانقلابية، وتتوافق مع طبيعة تفكيرهم البعيدة عن مصلحة اليمن وأهله، فإن ما يؤسف له هو ذلك الصمت المريب الذى تمارسه المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وحقوق الطفولة، فعلى الرغم من التقارير الدولية المتعددة التى تؤكد تزايد الظاهرة، والتحذيرات المتكررة التى أطلقت للتحذير من عواقب تلك الممارسات، وصدور تقارير موثقة ومدعمة بالأرقام تؤكد أن الحوثيين يعتمدون على القاصرين الذين يشكلون نحو ثلث عدد مقاتليهم. وأن آلاف الأطفال الذين خلعوا الزى المدرسى وحملوا السلاح لم تتجاوز أعمار معظمهم العاشرة، ورغم ذلك لم تتحرك المنظمة الدولية لوقف تلك الجريمة، ولم تعطها ما تستحقه من اهتمام، باعتبارها خطرا يهدد مستقبل اليمن.
 
وتؤكد مصادر موالية للحكومة الشرعية فى اليمن، أن كثيرا ممن يسقطون فى جبهات القتال، هم من أولئك الأطفال الضحايا، حيث تزج بهم الجماعة فى الصفوف الأمامية للقتال، وتتخذهم دروعا بشرية، فيما يقبع عناصرها وكوادرها فى المناطق الأكثر أمانا. وأعلنت قوات التحالف العربى لاستعادة الشرعية فى مناسبات عديدة وقوع أعداد من الأطفال أسرى خلال المواجهات أو خلال محاولات التسلل إلى داخل الأراضى السعودية، وعقدت قيادة التحالف مؤتمرات صحفية عديدة، عرضت فيها أولئك الأطفال، وقامت فيما بعد لإعادتهم إلى عائلاتهم عبر المنظمات الدولية، بعد معالجتهم من جراحهم وإعادة تأهيلهم نفسيا وطبيا. وآخر تلك المؤتمرات هو الذى عقد خلال الأسبوع الماضي، وأعلن خلاله التحالف، أن قواته بدأت فى محافظة شرورة إجراءات إعادة 9 أطفال جندتهم ميليشيات الحوثى كمقاتلين. 
 
اللافت للنظر فى الأمر هو ما أعلنه بعض أولئك الأطفال الأبرياء من أن معاناتهم وأقرانهم لم تقتصر على مجرد المشاركة فى القتال، بل إن هناك آلافا قتلوا خارج نطاق القانون، عند محاولتهم الفرار والعودة إلى ذويهم، كما أصيب كثيرون بالجروح، والتشوهات، والإعاقة، وتعرض غيرهم إلى محاولات اعتداء جنسى من عناصر التمرد، وتحول آخرون إلى مدمنى مخدرات اضطروا لتناولها بعد أن قدمتها لهم الميليشيات على أنها عقاقير مهدئة، فيما ثبت أنها عقاقير هلوسة تصيب متعاطيها بحالة من الغياب عن الواقع، لصرفهم من التفكير فى واقعهم، والتحول إلى آلات قتل ودمار. أما أسعد الأطفال حظا فكانوا هم الذين اقتصرت معاناتهم على الحرمان من التعليم، بعد أن حول الحوثيون مدارسهم إلى ثكنات عسكرية ومخازن للأسلحة، فأى بؤس أكثر من هذا وأى واقع أشد مرارة؟
 
المطلوب من الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع الدولى أن تتسامى فوق الأهداف والأجندة السياسية، وتنظر إلى الأمر من منظور إنسانى بعيد عن المصالح والمساومات، وأن ترغم المتمردين على وقف تلك الممارسات، وأن تعين مبعوثا خاصا إلى اليمن حتى يقف على الأمر بنفسه، وأن ترفع تقارير حاسمة إلى مجلس الأمن الدولى ليتحرك ويفرض تغيير هذا الواقع الأليم، ويضمن لليمن سلامة أجياله المقبلة ويحفظ له ثرواته البشرية التى هى أعز ما تمتلكه الأمم والشعوب.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg