رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 20 ابريل 2019

مقالات



صراع روما وباريس على ليبيا.. الاستعمار يعود من جديد

30-1-2019 | 16:17
د. حسن أبوطالب

من الأمثلة الشعبية التى يرددها كثير من الناس بعفوية، «إذا اختلف السارقان ظهر المسروق» وفى حياتنا المعاصرة وفى علاقات الدول، يمكن أن نحاكى هذا المثل الشعبى بالقول: «حين يختلف المستعمران تنكشف العجائب ويفضحان بعضهما بعضا». 

هذا الانكشاف وتلك الفضائح العلنية تنطبق جملة وتفصيلا على حالة صراع المصالح بين إيطاليا وفرنسا على الثروات والموارد الليبية من النفط والغاز، إضافة إلى من يسيطر على موقع ليبيا المهم، ذى الصلة  المباشرة بأمن العديد من دول أوروبا شمال المتوسط، خصوصا ما يتعلق بجهود مكافحة الهجرة غير الشرعية التى تمر عبر الأراضى الليبية وصولا إلى المتوسط، مستفيدة من حالة الانفلات الأمنى الموجود فى كثير من مناطقها.
 
الأصل فى الموضوع أن كلتيهما قوة استعمارية سابقة، نهبتا واستغلتا ثروات الشعوب الإفريقية قبل عقود ولمدة طويلة، كما أن إرثهما الاستعمارى يندى له الجبين، والكثير من الشهداء والمقاومين المحليين سالت دماؤهم نتيجة الكفاح من أجل الاستقلال من براثن هاتين القوتين الاستعماريتين فيما سبق، والشهيد عمر المختار وأقرانه من الشهداء الليبيين خير مثل على نضال الوطنيين الشرفاء ضد قوة استعمارية بغيضة، وإخوانهم كثر من الشهداء الشرفاء فى دول عربية وإفريقية عديدة ناضلوا ضد الاستعمار الفرنسى. ويبدو أن هذين البلدين الاستعمارييْن السابقيْن، وعلى الرغم من مرور أكثر من ستة عقود على  نهاية الاستعمار قانونيا وانكماشهما جغرافيا، فإن جينات الحالة الاستعمارية وما يرتبط بها من النهب والاستغلال ما زالت موجودة فى تحركاتهما، وتتحكم فى الكثير من تصرفاتهما إزاء البلدان التى سبق استعمارها واستغلال ثرواتها.
 
ما نقوله ليس من فراغ أو مجرد خيال، فها هم قادة هذيْن البلديْن يكشفون عن نياتهم ويفضحون أنفسهم بأنفسهم. فكلاهما ليس بريئا، وكلاهما مُدان فى الماضى وفى الحاضر. ما قاله مسئولان إيطاليان كبيران عن الدور الفرنسى فى إفريقيا وفى ليبيا الآن، خصوصا البلدان التى سبق أن استعمرتها فى شمال إفريقيا وفى غربها ووسطها، وعددها 18 دولة إفريقية، يؤكد تلك المعانى الشريرة. فوزير التنمية الاقتصادية الإيطالى دى ماريو قالها بصراحة وبلا مواربة، إن” هناك عشرات من الدول الإفريقية التى لا تزال تطبع عملتها المحلية فى باريس وتمول من خلالها الدين العام الفرنسي”، و «لو لم تكن لفرنسا مستعمرات إفريقية، لكانت الدولة الاقتصادية الـ15 فى العالم، فى حين أنها بين الأوائل بفضل ما تقوم به من نهب ثروات إفريقيا». والمعروف أن 14 دولة إفريقية، من الدول التى سبق لفرنسا احتلالها ملزمة بوضع 85% من احتياطى النقد الأجنبى الخاص بها فى البنك المركزى الفرنسى، وتحت سيطرة وزير المالية الفرنسى، تحت مبرر استعمارى واهٍ يعرف بتسوية ديون فترة الاستعمار الفرنسي. إذ بدلا من أن تدفع فرنسا تعويضات للدول التى احتلتها ونهبت ثرواتها، إذ بها تفرض على المنهوبين أن يعوضوا الناهب.
 
وحسب المسئول الإيطالى فإن فرنسا «واحدة من هذه الدول التى تمنع التطور وتسهم فى رحيل اللاجئين، وإذا أرادت أوروبا اليوم أن تتحلى ببعض الشجاعة، عليها أن تتخذ قرار العمل على إزالة الاستعمار فى إفريقيا». وهو ما أكده سالفينى نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية، زعيم رابطة الشمال. الذى اعتبر أيضا أن ما تقوم به فرنسا فى ليبيا يُعد تهديدا لأمن إيطاليا القومى.
 
هذا الاعتراف بالنهب والاستغلال ينطبق أيضا على إيطاليا التى نهبت ثروات الشعب الليبى وإثيوبيا والصومال فيما سبق. صحيح أن الرئيس الفرنسى ماكرون وصف التصريحات الإيطالية بأنها لا قيمة لها فى محاولة لتجاوزها، وتم الاحتجاج عليها رسميا، إلا أن ماكرون لم يستطع أن يفند جوهرها وفحواها، لأنها فى الحقيقة صحيحة ألف فى المائة. وما زالت باريس تكافح من أجل مد نفوذها فى ليبيا، وعيونها منفتحة على النفط الليبى فى الجنوب، وفى الشرق، وتسعى إلى  أن يكون لها دور مباشر فى تسوية الأزمة الليبية، من خلال علاقات تحالفية مع قوى ليبية أهمها الجيش الوطنى برئاسة خليفة حفتر، ومن خلال تحرك دبلوماسى تمثل فى الدعوة إلى لقاء تم فى باريس نهاية مايو الماضى برعاية شخصية من ماكرون وضم الرموز السياسية والعسكرية الليبية للاتفاق على جدول زمنى لإنجاز الانتخابات قبل نهاية العام، وهو ما توافق عليه الحاضرون بالفعل، وبدا الأمر وكأن فرنسا قد حققت هدفا عزيزا لنفسها ولليبيا معا، خصوصا حلفاءها المقربين. غير أن تطورات الأحداث الليبية والتدخلات الإيطالية عبر الميليشيات الحليفة معها والخلافات بين الرموز السياسية والعسكرية الليبية لم تسمح بإنهاء الإجراءات القانونية المطلوبة، وهنا تدخلت روما عبر اجتماع باليرمو نوفمبر الماضى، الذى أظهر أن كلا من فرنسا وإيطاليا تزيدان من تعقيد الأوضاع الليبية وليس تسويتها.
 
إيطاليا التى تستنفر قوتها الإعلامية ضد فرنسا، ويؤيد مسئولوها احتجاجات السترات الصفراء فى فرنسا انطلاقا من رؤية شعبوية يمينية، لا تدافع كما يبدو على السطح عن إفريقيا وثرواتها وتدعو أن تكون تحت إمرة شعوبها، بل تدافع عن مصالحها التى ترى أن فرنسا تعمل على الاستحواذ عليها وطردها من مجالات نفوذها التاريخى، هذا إن كان لها نفوذ ما زال موجودا إلا لدى بعض الجماعات التى لا تهتم بالوطن ومصالحه وقيمه، بقدر ما تهتم بأن تكون مجرد ذيل لقوة استعمارية بغيضة. يذكر هنا أن إيطاليا تقف وراء مجموعات من الميليشيات المسلحة وبعضها مصنف إرهابيا، التى تهيمن العاصمة طرابلس ما حولها ومناطق فى الغرب الليبى وتؤثر بقوة على أداء حكومة الوفاق الوطنى برئاسة فايز السراج، إذ تقدم روما دعما كبيرا لميليشيات “مصراتة” و”الزاوية” و”زوارة” بحجة مكافحة الهجرة غير الشرعية وتنظيم داعش الإرهابي. وهم عملاؤها وأدواتها فى مواجهة كل الجهود الوطنية لتوحيد الجيش الليبى، وتعطيل أى انتخابات نزيهة.
 
جوهر الموقف الإيطالى هو الدفاع عما بقى لها من مصالح فى ليبيا فى مواجهة ما تعتبره روما هيمنة فرنسية متنامية تؤثر على مصالحها وعلى نفوذها، وهنا تتجلى تحركات كل طرف التى يعتبرها الطرف الآخر تهديدا لمصالحه، بل لأمنه القومى حسب رؤية نائب وزير الداخلية الإيطالى، الذى يرى فى التصرفات الفرنسبة فى ليبيا ما يهدد أمن بلاده، سواء ما يتعلق بسياسة الهجرة أم ما يتعلق بتعزيز النفوذ الفرنسى فى جنوب وشرق ليبيا على حساب مصالح روما. وكثير من العارفين بخفايا الأمور فى ليبيا يؤكدون أن إيطاليا تتعاون مع إخوان ليبيا وميليشياتهم المسلحة، وتعمل على أن يتسلموا السلطة، ونظرا لضعف موقفهم إذا ما أجريت الانتخابات فى وقت قصير، فتعمل روما بكل جهد على إفشال تلك المساعى. وهو ما تجلى فى مبادرتها الخاصة بدعوة رموز ليبيا وقيادات من دول المنطقة لاجتماع فى باليرمو نوفمبر الماضى، الذى انتهى إلى التوافق الهش على تأجيل الانتخابات نظرا لعدم اكتمال شروطها القانونية والأمنية.
 
وكثيرا ما حاولت إيطاليا أن تضغط على حكومة الوفاق الوطنى برئاسة السراج، فى أن يقبل فكرتها بإقامة مخيمات للمهاجرين الأفارقة على الأراضى الليبية، ولاسيما فى الجنوب الليبى، لمنعهم من الوصول إلى أراضيها، وهو ما لم تستطع الحكومة الليبية قبوله، نظرا لما يمثله هذا الاقتراح من مآس ومخاطر إضافية لليبيا. وهذا الموقف الإيطالى لم يجد أى اعتراض من قبل باريس التى تتشدق كثيرا بحقوق الإنسان قولا، وتضربه فى العمق فعلا.
 
والشاهد أن إيطاليا لديها مصالح نفطية فى منطقة الهلال النفطى، وفى الجنوب الليبى، ولها علاقات تجارية قوية مع طرابلس ومدينة مصراتة الساحلية تحديدا. وترى روما أن تحركات فرنسا فى إقليم فزان فى الجنوب الليبى مصدر قلق كبير على مصالحها النفطية هناك. كما أن الدعوة الفرنسية لنشر قوات فى غرب ليبيا لمواجهة الميليشيات المسلحة هناك، تعتبرها روما مزاحمة لها فى تلك المنطقة، حيث تتمركز قوة ليبيا غير معلن عنها رسميا، خصوصا فى مصراتة، فضلا عن ألف جندى إيطالى يقومون بحماية السفارة الإيطالية فى طرابلس. وكان البرلمان الإيطالى قد صوت قبل أشهر على زيادة عد القوات الليبية الموجودة فى مصراتة، الامر الذى استدعى استنكارا رسميا من قبل البرلمان الليبى فى الشرق. ويقابل ذلك وجود عسكرى فرنسى فى الشرق الليبى غير معروف حجمه، وبعض التقارير تشير إلى أنها قوات خاصة مهتمة بمكافحة الإرهاب.
 
صراع المصالح هذا بنكهته الاستعمارية ليس جديدا على بلادنا، وأيضا فإن مقاومته ليست جديدة، فهى موجودة مادام هناك شرفاء ووطنيون يحمون هذا الوطن وقيمه وناسه وثرواته. إنه قدر هذه الأمة وقدر الشرفاء فيها.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg