رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 20 ابريل 2019

مقالات



«وش» التحمير!!

4-2-2019 | 17:14
وسام سعيد

طلة تسر العين والقلب معاً .. لون نادر يمتزج فيه الأحمر والأصفر بالبني الداكن ، لها رائحة يقع في أسرها الكثيرون، لكن ليس هذا ما وراء القصد بتلك العبارة الذهبية: «وش التحمير».

إنها ثقافة وفكرة وأسلوب حياة… ربما كانت تعنى ضمنياً أن العمل تم إنجازه بإتقان وحرفية شديدتين ، وربما كانت تعنى أن أهم شيء في هذا العمل أو المنتج هو سطحه وأعلاه ، فمن ظفر به فقد حاز الخير كله.

دعنا من أية معانى ضمنية لهذا المصطلح الذى يسيل له لعاب من يقرؤه ، ولندخل فى التأثيرات النفسية والجسدية والروحية العظيمة حيال النظر أو التعامل مع طبخة أو أكلة ترتدى تاج (وش التحمير).

لهذا خلق الله الفرن

فرن (البوتاجاز) فتنة …نعم فتنة من فتن الحياة كونه إحدي ملذاتها الكبرى ونعمها العظيمة، إذ له ثلاثة فوائد مباشرة وواضحة لا جدال فيها:


١ - يدخل السرور على قلبك بمجرد أن تعرف أو تسمع أن ثمة ما يتم تحميصه أو شويه أو تسويته في الفرن، فتشعر بمناخ من السعادة والأمان يستمران معك إلى أن يخرج ما بداخله بألف سلامة
٢ - الدفء والحميمية …فتشعر أن الفرن بمثابة خالتك الطيبة أو عمتك أو جدتك الحانية تتودد إليك وتجذبك إليها بحرارة اللقاء خاصة في فصل الشتاء ، ولكى تتأكد من شعورك هذا ، تأمل البيوت الباردة التى لا طبخ فيها ولا فرن ، أو تلك التى قررت رباتها أن تعتمد على الديلفرى والوجبات المصطنعة الوافدة من الخارج ، فهى بيوت لا حرارة فيها ولا دفء ولا معية وبالتبعية لا طمأنينة.
٣ - انتظار الوعد… فالإنسان ينمو شعوره بالسعادة دائما في انتظار ما هو آت، وفكرة ترقب القادم وحدها تبعث على الأمان ، وهى ذات الفكرة التى قامت عليها حياتنا في الدنيا ـ ولكن بشكل أعمق وأعظم - ونحن ننتظر نعيما أبدى يكافئنا به الله في عالم آخر أكثر رحبا وسعادة، فنتحمل في سبيل ذلك الشعور المغارم والآلام.
وعلى هذه الفوائد الجمة فالفرن هو المسئول الأول عن ما يدعى (وش التحمير) تلك الطبقة القرمزية التى تعتلى كل ما يدخل الفرن ويخرج كى يبهج ويسعد البشرية.
فـ (صينية البطاطس باللحم الضانى) لا ولن تنال الرضا ودرجة القبول لدى ربات البيوت الماهرة أو الأكيلة إلا بعد أن تتلاحم في بعضها البعض وتتيبس أطرافها العليا في حين تذوب أطرافها السفلى في صلصة تم تسبيكها بعناية ، فتتآلف معا وتشكل لوحة فنية باللونين الأحمر والأسود ودرجات من البنى الغامق، فلا تملك حيالها سوى البحث عن طبق من الأرز (واحدة وواحدة) لكى تكتمل الثنائية الكلاسيكية الجبارة.
وهل حظيت (المكرونة بالباشاميل) بتاريخها العريق ومكانتها بين أطباق المطبخ المصرى إلا بسبب درجة إتقان (وش التحمير) من صينية إلى أخرى، فتصطاد شوكتك قطعة نصفها مقرمش والآخر مغرق في الطرواة والنداوة بفعل الباشاميل !!، بغض النظر عن وجود شريحة من (الاسكالوب المقلى) تعقب تلك الشوكة فوراً بفارق ثانية أو ثانيتين، وامضغ ذلك الكوكتيل وأنت سابح في عوالم من اللذة.
وماذا عن الدجاج؟! فالدجاج له ألف طريقة وطريقة في الطهو ، ولكن … تظل دجاجة واقفة بجانب أخريات في صينية داخل الفرن وكأنهن في Meeting هام وحاسم بألف دجاجة ممن يتم تحميرهن بالزيت فى طاسة ضالة أو تلك التى يتم سلقها للمرضى والمرضعات وضعاف القلوب.

فحين تضع شريحة في فمك من لحمها الأبيض بعد أن اكتسب حمرة غريبة لن تستطيع أن تتناول بعدها أى صنف جانبى كى لا تخسر ذلك الطعم، فتضطر راغما أن تختم بها طعامك وتمتنع عن المضمضة مكتفيا بغسيل يدك بعد الطعام كى لا تغادر ذلك الإحساس الجميل!!

أخيراً …وش التحمير ليس أسلوب طهى بقدر ما هو فكرة لبث السعادة في قلوب تجتر الألم والحزن بشكل يومى ومعتاد مع طلوع الشمس وغروبها.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg