رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 23 فبراير 2019

المجلة



مرت ذكرى ميلاده فى صمت.. لويس عوض الحاضر الغائب فى الثقافة العربية

7-2-2019 | 15:21
نبيل فرج

تشكل قضية القديم والجديد فى حياة لويس عوض (5 يناير 1915ـ 9 سبتمبر 1990)، إحدى القضايا الرئيسية التى شغلته كباحث وناقد ومبدع ومترجم، خاض الكثير من المعارك ضد دعاة التقليد والنقل فى كل المجالات، من أجل ميلاد الجديد، دون أن ينفصل عن القيم الرفيعة فى التراث.
 
ومن يراجع مؤلفات لويس عوض منذ كتابه الأول «فن الشعر»، لهوراس 1945، حتى آخر كتبه «أوراق العمر» 1989، يجد أن المعيار العقلانى فى إنتاجه كان يتوقف على مدى تمرد هذه الأعمال على المحاكاة والمألوف والثابت، أو على خروجها عليها، واستجابتها للثورة والتغيير.
 
يلفت النظر فى تكوينه أن هذه البداية التى كانت ترفض التقيد بالماضى، كانت على درجة عالية من النضج، وقد ظل هذا النضج ملازما فى كل مراحل حياته، كما ظل ملازما له ظمؤه الدائم للمعرفة، لا يتراجع عنه، وإن تعددت بالطبع مستوياته.
 
ومكتبة لويس عوض الخاصة المتخمة بالنصوص والمراجع، التى بدأ جمعها فى سنوات البعثة إلى إنجلترا، تدل على هذا المستوى، وعلى هذا الظمأ الذى لا يروى.
لم تكن هذه القضية إذن قضية أدبية بحتة، يعرض لها فى بعض كتبه، لكنها كانت قضية المجتمع بأسره، الذى يمر بتحولات جذرية، بل إنها كانت مرآة الحضارة وقضيتها.
وفى طرح هذه القضيةرفع لويس عوض من قيمة الشكل، من غير أن يكون هناك تعارض بينه وبين شعار الأدب فى سبيل الحياة الذى وضعه على الصفحات الأدبية فى جريدة الجمهورية فى 1953ـ1954.
 
غير أن الشكل الذى كان يتمسك به ليس الشكل المكرر من الماضى أو من الغير، وإنما الشكل الجمالى غير المسبوق، النابع من زمنه وبيئته، ولا يطغى فيه على المضمون.
وهذا الشكل أو القالب الجمالى قد لا يكون، ككل جديد، مستساغا فى البداية، فإنه سرعان ما تستجيب له الحساسية أو الذائقة العصرية، إلى أن يبلى ويغدو أطلالا بحاجة إلى تجاوزه بأبنية حديثة مبتكرة، تحل محل ما أفسحه القديم، وفقا لدورات الحياة المحتومة التى لا تعرف التوقف، وتتمشى مع الكتابة الجديدة الناضرة.
 
ولأن التجديد الأصيل لا يصدر إلا عن النزعات القومية، وما عداه يعد تقليدا، فإن لويس عوض يرى أن عصور القوة فى التاريخ، التى يقوى فيها الانتماء للوطن، هى وحدها التى ينتعش فيها التجديد الذى يتوازن فيه الشكل مع المضمون، وأن عصور الضعف والوهن هى التى يسود فيها الجمود، وإن لم يغض هذا الجمود أحيانا من القيمة الفنية التى يحفظها التراث الإنسانى.
وخير مثال على ذلك، الفلسفة التى تنشأ دائما داخل ثقافتنا الوطنية أو القومية، حاملة سماتها، ومخاطبة كل الثقافات الأخرى التى يتقدم فيها ما هو إنسانى على ما هو محلى.
 
وكتب لويس عوض تزود الباحثين والقراء بزاد وفير من المعرفة بالجوهريات، والثقافة العامة، والنظرة الشاملة، لم يقدر أن تتوفر لأحد غيره من معاصريه، دون استثناء.
 
وفى المرحلة المزدهرة التى كانت الحياة الثقافية بعد ثورة 1952 تشيد بالأدب الشعبى، كتب لويس عوض فى «الأهرام» سلسلة من المقالات ينبه فيها إلى أن هذا الأدب الشعبى الذى يرجع للعصر الفاطمى وحكم المماليك والترك، أدب رجعى، لا يمكن أن يكون جزءا من التراث الإنسانى، لأنه يحمل الكثير من مساوئ هذه الحقب، ولا يصلح أن يتجاوز تخومه الجغرافية والزمنية.
ولويس عوض لا يسلم بما يقال من أن ناقد الثقافة العربية لابد أن يكون من أبنائها، ويرى أنه من الأوفق أن يكون هذا الناقد من غير أبنائها حتى تصح المقارنة وهى نظرة صحيحة، إن أردنا أن تظهر الصورة بكل تجلياتها فى المحيط الإنسانى.
وبهذه النظرة الموضوعية التى تلقى الترحيب من كل الثقافات يملك الناقد العربى الحق فى الخوض فى مشاكل الثقافات الأجنبية، وفى أن يحلل عناصرها المتعددة، مثلما يحق لأى ناقد من مختلف الجنسيات أن يخوض فى الثقافة العربية وأن يحللها ما دام يملك القدرة على التناول الدقيق لها، وليس له غرض، ولم تثبت عمالته لجهات أجنبية.
 
وعن الصراع بين دعاة الفن للفن، الذين ينطلقون من ذات الفنان، ودعاة الفن للحياة كمدرسة تستمد وجودها من الخارج، فإن لويس عوض ينحاز إلى المدرسة الملتزمة التى تعلى من رسالة الفن، وينتقص المذاهب المثالية التى لا تتحمل مسئولية الحساب الاجتماعى والسياسى.
 
ويملك لويس عوض ملكة الاهتداء للكتب ذات القيمة الفريدة فى تاريخ الثقافات بمثل ما يمتلك موهبة الكتابة عن أهم الشخصيات فى تاريخ الآداب.
ولا يستطيع من يريد الكتابة عن لويس عوض أن يتجاهل الهجوم المنظم، وبمعنى أدق حملات الهجوم المنظمة التى كان يتعرض لها، لأن ردوده عليها تكشف بجلاء عمق ثقافته، وضحالة ثقافة من يتعرضون له.
 
وكان لديه من الثقة بالنفس والشجاعة ما يجعله لا يعبأ بهذا الهجوم أو بهذه الاتهامات الإرهابية، ويرفض الرد على أحد من هؤلاء الذين لا يطمئن إلى أحكامهم، خصوصا أنه لم يشعر بندية من يأخذون عليه المآخذ، ويطلب من المهاجمين أن يلتمسوا له العذر عن أخطائه التى لا يسلم منها أحد، لأنه يكتب بحرية، ولعله يقصد بها الاستقلال، أنه يقول ما يعنيه، لا أكثر ولا أقل، بعيدا عن مظنة أنه يحتكر الحقيقة، وأن ما يقع فيه من أخطاء يقع فيها بدافع الاجتهاد.
 
ومع هذا لم يكن يقبل قط أن تحذف من مقالاته كلمة واحدة، ليقينه أن حذف كلمة يمكن أن يقلب السياق، ويؤدى بالمعنى إلى عكسه.
وكان يفضل عدم نشر المقال بكامله على أن تحذف منه كلمة.
 
ومن الأخطاء التى كانت تؤخذ عليه من هؤلاء المعادين له، من ناقصى الثقافة، أنه يقرأ أدبنا العربى فى وشائجه وتفاعله مع الآداب الإنسانية، اعتقادا منهم بأن هذه الصلات تقلل من قيمة التراث العربى، على حين أنه من المسلم به فى كل الأدبيات والأعراف أن الاكتفاء الذاتى غرور، ووجه من وجوه العقم والعزلة، ولا يفضى إلا إلى الجدب، بينما لقاء الثقافات بعضها ببعض يرقى بها ويزيدها ثراء.
 
ولكن كان فى الساحة العربية وليس المصرية فقط، مقابل هؤلاء من يفتتنون به، وبكل كلمة يكتبها، بغض النظر عن اتفاقهم أو اختلافهم معه، تأسيسا على دفاعه عن الحرية والالتزام والتجديد والعدالة ونور العلم وسيادة القانون وعدم احتقار المرأة ورفض كل أشكال الاستغلال والتعصب والعنف.
ويعد لويس عوض من النقاد القلائل الذين كانوا يحرصون على متابعة ما يجرى فى أنحاء العالم، شرقه وغربه، من أحداث أدبية وسياسية والكتابة عنها وعن أعلامها، تعزيزا للتعاون الثقافى والترجمة.
 
وإذا راجعنا إنتاجه سنجد أنه يعكس الآداب والفنون الغربية فى جميع عصورها، تلك التى كان ينقب عنها فى التراث، أو يشد الرحال إليها على نفقته الخاصة، أو مدعوا إليها، أو موفدا من «الأهرام».
ويذكر لويس عوض أنه فى تجواله هذا كان يجدد حيويته، ويتعلم أشياء لم يكن يعلم عنها شيئا، نطالعها بوضوح فى اهتماماته المتعددة بالموسيقى والسينما والفن التشكيلى والآثار وغيرها، واضعا دائما يده على تياراتها وجوهرها.
 
وبفضل هذه المعرفة المكتسبة كان لويس عوض يقدم لقراء العربية ما يستخلصه من آداب وفنون العالم.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg