رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 23 فبراير 2019

مقالات



أزمة الوجود العسكرى الأمريكى فى العراق

6-2-2019 | 16:31
د. حسن أبوطالب

أثارت تصريحات الرئيس الأمريكى ترامب لقناة «سى بى إس» الإخبارية باستمرار الوجود العسكرى فى العراق، بهدف مراقبة إيران واستقبال جزء من القوات الأمريكية الموجودة حاليا فى سوريا، والمقرر إتمام انسحابها لاحقا، أثارت الكثير من الرفض والاستياء لدى كل الكتل السياسية العراقية، نظرا لأنها تضع العراق فى موقع عدائى مع جيرانها، خصوصا إيران صاحبة النفوذ الكبير فى العراق. كما أجمعت الكتل السياسية العراقية وعدد كبير من النواب على ضرورة معرفة تفاصيل الوجود العسكرى فى العراق والاتفاقات التى تنظم عملها، وإصدار تشريع يفرض معرفة جميع تفاصيل الاتفاقات العسكرية مع الجانب الأمريكى، وخروج تلك القوات الأمريكية فى مدى زمنى قصير، وإلا تعرضت لعمليات مقاومة تجبرها على الانسحاب ذليلة وفقا لما صدر عن بعض قادة الحشد الشعبى العراقى القريبين من طهران.
 
أما الرئيس العراقى، برهم صالح، فقد أوضح أن الوجود الأمريكى فى العراق تم ويتم بقرار عراقى وبطلب من حكومته بهدف التعاون فى مواجهة خطر الإرهاب، وأن «ترامب لم يتقدم بطلب رسمى لإبقاء قواته فى العراق بهدف مراقبة إيران»، مضيفا «أن العراق ينتظر توضيحاً من واشنطن بشأن أعداد القوات الأمريكية بالعراق ومهمتها»، وهو ما يعنى أن المؤسسات العراقية الرسمية تفتقر للمعلومات المفصلة عن حجم ومهام القوات الأمريكية المنتشرة فى مواقع مختلفة من البلاد.
 
وهذه ليست المرة الأولى التى يصرح فيها ترامب بأن قواته فى العراق خارج نطاق الانسحاب، وأنها باقية بهدف مراقبة إيران، إذ قال الأمر بضوح وصراحة شديدتين أثناء لقائه العابر بالجنود الأمريكيين فى قاعدة «عين الأسد» الجوية الموجودة فى محافظة الأنبار غرب العراق، وذلك أثناء زيارته السرية والخاطفة للقاعدة مساء 26 ديسمبر الماضى بدعوى الاحتفال مع الجنود بالعام الجديد، وهى الزيارة التى لم تعلم عنها الحكومة العراقية شيئا، ولم يحدث خلالها أى لقاء بين رئيس الوزراء عادل عبد المهدى والرئيس الأمريكى، وتم الاكتفاء بمحادثة هاتفية بينهما، دعا فيها الرئيس الأمريكى رئيس الوزراء العراقى لزيارة واشنطن، كنوع من ذر الرماد فى العيون. ونظرا لسرية الزيارة فقد نالت الكثير من الانتقادات باعتبارها قد انتهكت سيادة العراق، وتجاوزت الأعراف الدبلوماسية بين بلدين بينهما شراكة فى أمور كثيرة. ولذا لم تنل تأكيدات ترامب ببقاء جنوده لمراقبة إيران آنذاك الاهتمام المناسب، على عكس ما حدث فى الأيام الماضية بعد حواره مع قناة «سى بى إس»، حيث ارتفعت الأصوات الرافضة للوجود العسكرى الأمريكى إلى عنان السماء، مصحوبة بتهديدات وإنذارات.
 
الأسباب الأمريكية المُعلنة باستمرار البقاء فى العراق تتضمن تدريب القوات العراقية، ومراقبة إيران، وبالتالى تشديد الضغط عليها، وثالثا توجيه ضربات جوية عند الضرورة ضد بقايا “داعش” الإرهابى سواء فى العراق أو فى سوريا. ويذكر أن الرئيس ترامب، أكد أنه تم القضاء على 99%  من قدرات “داعش” ولم يبق إلا 1% فقط، وحين القضاء على هذا الجزء المحدود فسوف يعلن الانتصار النهائى على هذا التنظيم الإرهابى. والنظرة الفاحصة يمكنها أن تضيف أسبابا أخرى لإصرار ترامب على البقاء فى العراق، منها ضمان تحركات القوة الجوية العراقية فى حدود الإستراتيجية الأمريكية، والاستفادة من موقع العراق فى المحيط الإستراتيجى لشرق المتوسط وحتى الخليج العربى، وبما يتيح للجيش الأمريكى مساحة عمل واسعة تحت السيطرة، لاسيما فى ضوء التنسيق بين تلك القواعد الأمريكية فى العراق وقاعدة العديد فى قطر، إضافة إلى توظيف البنية التحتية العسكرية التى بنيت بخبرة أمريكية فى العراق منذ العام 2014 حتى الآن فى أى جهد عسكرى قد تفرضه الظروف على القوات الأمريكية من قبيل الاستمرار فى توجيه ضربات جوية لمجاميع إرهابية مسلحة قد تتحرك فى المساحة الجغرافية الممتدة من غرب العراق إلى شمال شرق سوريا، أو فى أى عمل مضاد لإيران. كذلك فالبقاء العسكرى الأمريكى المكثف فى العراق يعد كقوة توازن مع الوجود العسكرى الروسى فى سوريا ما يمنع انفراد روسيا بالنفوذ والتأثير فى هذه المساحة الجغرافية الكبيرة، كما أن انتشار القوات الأمريكية فى أكثر من قاعدة فى العراق يجعل تحركاتها بعيدة عن أى تدخل تركى. وهذه جميعها أسباب تجعل تمسك البيت الأبيض بالبقاء فى العراق مسألة غير خاضعة للنقاش.
 
والحديث عن الوجود العسكرى الأمريكى فى العراق يشوبه الكثير من الغموض، لاسيما ما يتعلق بالأعداد وطبيعة المهام والاتفاقات الرسمية التى أتاحت إقامة عدد كبير من القواعد مختلفة المهام والأحجام والقدرات. ووفقا للمتحدثة الرسمية باسم البنتاجون فى مايو الماضى، فإن الجنود الأمريكيين فى العراق فى حدود خمسة آلاف، ومنتشرون فى عدة قواعد شمال وغرب ووسط العراق. ووفقا للمعلن أيضا فهناك خمس قواعد عسكرية تم إنشاؤها فى إقليم كردستان بالاتفاق مع حكومة الإقليم بعد العام 2014، منها قاعدة بالقرب من سنجار، وقاعدتان فى منطقتى آتروش والحرير، وقاعدة فى حلبجة بمحافظة السليمانية وأخرى فى محافظة كركوك. وهناك وجود عسكرى أمريكى فى قاعدتى عين الأسد والحبانية فى محافظة الأنبار غرب العراق، تم الاتفاق عليه مع حكومة العبادى عقب سيطرة داعش على الموصل. وتشير تقارير عراقية إلى قرب انتهاء الجيش الأمريكى من بناء قاعدتين جديدتين جنوب الموصل والثانية قرب سد الموصل، كما يوجد تمركز عسكرى أمريكى فى قاعدة بلد الجوية بمحافظة صلاح الدين، لغرض التحكم بطلعات طائرات إف 16 التى باعتها إلى العراق.
 
ومعروف أن القوات الأمريكية فى العراق مرت بعدة مراحل، أولاها مرحلة الغزو ثم مرحلة التوصيف كقوة احتلال بالمعنى القانونى الدولى، وكان قوامها ما بين 150 ألفا إلى 165 ألف جندى. ثم كقوة مساعدة لضبط الأمن فى حدود 40 ألف جندى إلى حين تشكيل قوات الجيش العراقى الجديد وقوات الأمن وفقا للقانون، إلى أن تم الاتفاق على خروج هذه القوات نهاية 2011 مع الحكومة العراقية، مع بقاء عدد محدود من المستشارين فى حدود 3 آلاف جندى. لكن انهيار القوات العراقية فى ظل وزارة نورى المالكى صيف 2014 ، أمام مجموعات داعش التى احتلت الموصل وأعلنتها جزءا من الدولة الإسلامية، فتح الباب أمام الاستعانة بالقوات الأمريكية لأغراض متعددة، منها إعادة تنظيم الجيش العراقى وبناء قوة جوية والتدريب وتقديم الاستشارات العسكرية لمواجهة “داعش”، وضمان عدم سقوط مناطق عراقية أخرى، وقد تم توقيع الكثير من الاتفاقات التى تنظم عمل القوات الأمريكية بعد العام 2014 ، تحت مسمى العمل فى ظل تحالف دولى لمواجهة “داعش” ما سمح بزيادة أعدادها فى ظل حكومة حيدر العبادى السابقة، إلى ما يقرب من أربعة آلاف جندى فى 2016، ثم إلى 5500 جندى نهاية 2018.
 
ومن المنظور العراقى الرسمى فإن جميع العسكريين الأمريكيين يتصرفون وفق تفاهمات واضحة  لا تتيج لهم التصرف المنفرد، وتحركاتهم تتم بالتنسيق مع قيادة العمليات المشتركة والتى تخضع للقائد العام للقوات المسلحة العراقية، وليست بينها قوات برية، وجميعهم يعملون فى إطار التدريب والتطوير والتسليح والضربات الجوية والمعلومات الاستخبارية. ووفقا للعبادى فإن مشاركة العسكريين الأمريكيين ضمن قوات التحالف الدولى تتم وفقا للسيادة العراقية ولا تتضمن أى عمل يهدد أطرافا أخرى.
 
وبالرغم من هذه الشروط الواضحة فإن خريطة توزع القوات الأمريكية وأيا كانت مهامها، فإنها تمثل قيدا على السيادة العراقية، ومن شأن بقائها طويلا أن تضع العراق دائما تحت الضغط الأمريكى من جانب، والضغط الإيرانى من جانب آخر، وإذا ما أصر النواب العراقيون على تشريع ينص على خروج القوات الأمريكية فى مدى زمنى قصير، فمن المحتمل أن يواجه صعوبات عملية لتنفيذه فعليا على الأرض، وبعيدا عن التهديدات التى يطلقها قادة الحشد الشعبى، فإن توزع القوات الأمريكية على قواعد عسكرية يقيم فيها جنود عراقيون من شأنه أن يقيد أى عمليات كبيرة لتوجيه ضربات لهذه القوات. ولذا يبقى خيار التفاوض على خفض أعداد العسكريين الأمريكيين تدريجيا، وتقييد أو منع انتقال الجنود الأمريكيين المقرر سحبهم من سوريا إلى الأراضى العراقية. وفى كل الأحوال، فإن على الحكومة العراقية أن تبدأ حوارا عميقا مع الإدارة الأمريكية لوضع النقاط على الحروف، واستعادة كامل السيادة العراقية.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg