رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 23 فبراير 2019

المجلة



ملامح عهد.. معرض توثيقى عن العصر الملكى

7-2-2019 | 18:17
إعداد ـ سيد محمود

يمثل معرض ملامح عهد الذي يقدمه قصر عائشة فهمي بالزمالك، واحدا من المفاجآت الجميلة  التي تكشف عن كنوز متاحفنا الفنية، ولعله أهم مناسبة فنية شهدتها القاهرة منذ زمن طويل. 
وجانب من أهمية المعرض التوثيقى يرجع لطابعه الشعبى الذى دفع قطاعات كبيرة من الجمهور لارتياده على نحو يشير إلى قدرة الفن على تحدي عزلته. 
بذلت وزارة الثقافة جهدا لافتا للنظر فى الإعداد للمعرض وتقديمه في أقصى حالات البهاء، على الرغم من ملاحظات كثيرة على أساليب الترميم ومفهومه.
وربما كانت الحالة الجماهيرية التي يصعب تفادي أثرها هي ابنة لمناخ عام يحتفل بـ"النوستالجيا"، ويملأه الحنين للماضى فى مواجهة صعوبة الواقع وتحدياته.
 
يضم المعرض  قرابة 150 عملا من مقتنيات متحف الجزيرة تعود إلى ممتلكات أسرة محمد على، التى حكمت مصر في الفترة من 1805 حتى 1952، وهى مجموعة متفردة بحسب وصف الدكتور خالد سرور،  رئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة، الذى أشار فى مقدمة المجلد الذي ضم مقتنيات المعرض, إلى أن مبدعيها من أهم فنانى العالم خلال تلك الحقبة التى كان طموح الأسرة أن تجعل من مصر قطعة من أوروبا.
 
وربما كانت هى المرة الأولى التي تتاح فيها هذه المجموعة النادرة للجمهور العام، وتستحق كذلك أن تكون هدفا لمؤرخى الفن وأساتذة التاريخ الحديث والمعاصر للتفاعل مع مادة بصرية ومعرفية على أقصى درجة من الأهمية. وكما أشار الفنان إيهاب اللبان، فهى تقدم كذلك إجابة عن أنماط من التحضر العمرانى، تصلح مثالا لما ينبغى أن يكون عليه عمل  أجهزة التنسيق الحضارى فى المستقبل.
وواحد من مميزات هذا المعرض ترتبط بالجهد البحثى الفريد الذي قدمه المؤرخ الفني د. ياسر منجى فى الإعداد والتنسيق للمادة البحثية المصاحبة، والتى كانت ردا على عمليات الاستسهال التى صاحبت درجات تقييم تلك الفترة التاريخية الضبابية فى وعى الكثير.
 
وقامت فلسفة العرض على فكرة رئيسية هى، اكتشاف تلك الحقبة المذكورة من خلال عرض أعمال فنية جسدت ملامحها شخصيات رئيسية من رموزها.
واشتمل العرض بخلاف الصور والتماثيل النحتية على مجموعات شخصية تنتمى للشخصيات المشار إليها والمعروضة، ليس فقط وفقا لترتيبها التاريخى، وإنما بحكم رسوخها في الذاكرة الجمعية.
والكثير من المعروضات تعطى مفاتيح لفهم ممارسات النخبة الحاكمة من أفراد الأسرة والطابع الجمالى للعصر الملكى.
 
ما يشير  إليه منجى هو، أن الكثير من المعروضات تماثيل وأعمال لفنانين لهم ثقل في تلك المرحلة الفنية، ومنهم النحات الفرنسى شارل كورييه ( 1805 – 1905 ) الذى نرى أحد أعماله مجسدا في تمثال نصفى للخديو إسماعيل.
وكورنيه وفقا لمنجي واحد من أشهر من تخصصوا في استلهام الموضوعات العرقية الإثنوغرافية، وقد تكلف كورييه رسميا من الحكومة الفرنسية بالإقامة في مصر لعامين، ومن الآثار الشهيرة التي تركها مجموعة داخل قصر البارون بمصر الجديدة.
 
وتنطبق الحال على أعمال  النحات الفرنسى هنرى الفريد جاكمار الذى كلفه الخديو إسماعيل  بنحت تمثال لمحمد على، وهو الموجود الآن بميدان المنشية بالإسكندرية وهو الذي عرض علنيا بميدان الشانزليه قبل إقامته فى مصر، وصمم الفنان كذلك تمثالا لإبراهيم باشا، وكان تنفيذ تمثال محمد على سببا في حفاوة الخديو إسماعيل، الذي كلفه بنحت أسود قصر النيل التى لازمت الكوبرى فى جميع مراحله منذ تشييده لأول مرة عام 1869.
 
وبخلاف التماثيل يتضمن المعرض  بعض المقتنيات الفنية والمتحفية ذات الصفة الشخصية تقاوم الصورة الراسخة فى الخيال الشعبى عن أسرة محمد على، ومن أهم تلك المجموعات صور شخصية لأمينة هانم إلهامى ابنة الأمير إبراهيم إلهامى وحفيدة عباس باشا الأول، والتى صارت زوجة الخديو توفيق والدة عباس حلمى الثانى المعروفة باسم "أم المحسنين".
ومن أبرز التماثيل التى يضمها المعرض بخلاف الأسرة الملكية، بعض أفرادها أصحاب الأيدى البيضاء على تاريخ مصر الثقافى، ومنهم الأمير عمر طوسون الذي أرخ للجيش المصرى ومكتشف رأس تمثال الإسكندر الأكبر، وكانت مكتبته تضم 8 آلاف مخطوط نادر،  وأوصى أن تهدى للمتحف الحربى  ومتاحف الإسكندرية.
 
ويحقق المعرض أحد أبرز أغراضه بإعادة تقييم أدوار بعض أفراد الأسرة الملكية والكشف عن مصائر بعضهم، من الوجوه التى ظلت فى الظل، ومنها الأمير أحمد رفعت الابن الأكبر لإبراهيم باشا وشقيق إسماعيل وجد الأمير يوسف كمال مؤسس كلية الفنون الجميلة، وهو أول ناظر للداخلية في مصر، لكنه مات غريقا في حادث مأساوى ملتبس التفاصيل وفقا لوصف ياسر منجى.
وبالمثل ثمة تفاصيل أخرى يكشفها المعرض حول الأمير محمد عبد الحليم بن محمد على الذى تمكن من القفز من العربة التى كان يستقلها  مع أحمد رفعت، ويعتقد الكثير من المؤرخين أنه أحد آباء الماسونية في مصر.
 
ويعطي المعرض مساحة لإنصاف الأمير يوسف كمال وإبراز دوره في رعاية الفنون الجميلة في مصر عبر توثيق هذا الجهد بتقنية عرض الشرائح التى تشير إلى أرشيفاته النادرة.
وتبقى الميزة الرئيسية للمعرض كشفه عن الجانب الفنى فى شخصية الأميرة سميحة حسين (ابنة السلطان حسين كامل)، وصاحبة القصر الذى أصبح الآن مقرا لمكتبة القاهرة الكبرى بالزمالك، ويشير المعرض والكتالوج المصاحب لإنجازاتها كفنانة تشكيلية، وهو دور يكاد يكون مجهولا تماما على الرغم من أن عمها الملك فؤاد كلفها بنحت تمثال شخصى له، وقد نفذت الأميرة الفنانة أعمالا لكل أفراد الأسرة الملكية.
 
ولا يكتفى المعرض فقط بعرض الأعمال الفنية التى كانت  في الفضاءات المغلقة، لكنه يعيد الاعتبار لتماثيل الشوارع التى كانت مقامة في ميادين عابدين والتحرير، ويقدم منجى بحثا استقصائيا لتحولات العمران فى مصر، كاشفا عن التمثال العمرانى القاهرة للخديو إسماعيل، الذى كان من المزمع إقامته فى ميدان التحرير الذي كان اسمه ميدان الإسماعيلية قبل أن يتغير إلى ميدان التحرير، ويكشف الباحث عن السمات الفنية لأعمال اثنين من أبرز فنانى نحت التماثيل، وهما مصطفي نجيب (1913 – 1990 ) والفنان مصطفى متولى (1911 - 1988)، اللذين عانيا تجاهل دوريهما، كذلك يكشف قصة تمثال الكعكة الحجرية المخلد في قصيدة أمل دنقل الشهيرة التي لعبت دورا محوريا في الحركة الطلابية عام 1972. ويكشف المعرض أخيرا أدواراً مختلفة للعناية بالفنون الجميلة خلال الحقبة الملكية، ويشير بجلاء لدور هدى شعراوى  فى ذلك.
 
ويمكن القول إجمالا: إن المعرض محاولة لإنصاف تلك الحقبة ووضعها فى سياق أبعد من أن ينظر إليه كسياق احتفالى.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg