رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 23 فبراير 2019

مقالات



علْم الخالق.. وعلْم العباد

6-2-2019 | 16:30
د. عمرو بسطويسي

تدور حياةُ الإنسانِ فى متوسطها الحسابيّ حول الستين عاماً، وهذا يكفى ليكون "شاهداً على عصرِه"، وبالأخص لهؤلاء الذين تعدت أعمارُهم الخمسين عاماً وما زاد على ذلك، وكانوا من ذوى الفطنة. فهى سنون تكفى لتُدرِك عينُ صاحِبِها التغييرات التى تحلُ بمجتمعِه وحياتِه، وكذلك التطور السريع، والذى انعكس بشكل مؤكد على أسلوب الحياة ومستوى الرفاهية خلال الأربعين إلى الخمسين عاما الماضية.
 
فيكفى الواحد من هؤلاء أن يُغمض عينيه، ليرى شريطَ حياتِه فى لمحةٍ وَاحِدَةٍ بما فيها من تطورٍ وتغيير، ليضع معايير المقارنة بسهولةٍ ويُسر.  
 
فنحن فى مصر وحتى عام 1996 وهو العام الذى بدأ فيه العمل بأول شبكة للتليفونات المحمولة، لم يكن عهدنا بالاتصالات إلا تلك "العِدَّة" السوداء التقليدية ذات القرص الفضى أو تلك ذات الأزرار، وإذا كنا من المحظوظين فسيكون بها خاصية تسجيل المكالمات. وأتذكر أن والدتى - رحمها الله - كان لديها بُعد نظر فى الأمور، مثلها مثل الكثيرات من الأمهات المصريات اللاتى عَهِدناهُن فيما خلا من سنين، فقدمت لى طلباً لتركيب تليفون أرضى - فى السبعينيات - و أنا طفل صغير و لم يتم تركيبُه فى منزلى إلا بعد حصولى على الدكتوراه و تحديدا عام 1996، بينما نحن اليوم نستطيع الحصول على تليفون ونتواصل مع العالم كله فى أقل من ساعة، ناهيك عن وسائل التواصل الأخرى من بريد إلكترونى وغيره.   
 
والحديث يطول فى التطورِ العلمى فى كل القطاعات وانعكاسه الواضح للعَيَان على الطب والصيدلة والهندسة والنقل والزراعة وحتى الأسلحة الفتاكة بالبشر. 
ويظن الكثيرُ مِن الناس، وبالأخص من أبناء العالم الغربي، والبعضُ من أهلينا قاطنى المنطقة العربية والشرق الأوسط، أن هذا التطور العلمى السريع يحمل فى المستقبل احتمالات أروع وأكبر مما يُحكِم قبضةَ الإنسان على مُقَدرات هذه الحياة ويجعل العقولَ حائرةً إلى أين يمكن أن نصل؟ 
 
قد يكون هذا صحيحاً، ولكن.. هل استطاع الإنسانُ التحكم فى الزلازل أو الفيضانات أو العواصف؟ هل استطاع أن يُعالج تلك الأمراض المعروفة وغير المعروفة التى تنهارُ أمامَها العقولُ للوصول إلى علاجٍ دون جَدوى؟ وكُلما انتهى العلماء إلى علاجِ مرضٍ، ظهر لهم آخرٌ جَديد يُحيِّرَهم لمئات السنين قبل أن يبلُغوا له علاجاً. والإجابةُ عن هذا السؤال يعلمُها الجميع.
إذن فهى رسائلُ الخالق للعباد بأن ما آتوه من علمٍ، هو ضئيل وذرة فى بحورِ علمِ الخالق، وأننا مهما حصَّلنا من علمٍ وحققنا مِن اختراعات فسنظل جُهلاء إلى عّلم الله،  قال تعالى: « وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ  قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» (الإسراء 85).
 
وبِما أنّ القرآن ساريةٌ أحكامُهُ إلى أن تقومُ الساعة، فهذا يَعنى أن الله تحدى البشر فيما هُم قادمون عليه من اكتشافاتٍ علميةٍ واختراعات إلى يوم القيامة بأنّهم مَهما حققوا من تقدم فى العلم، فإنه سيظل قليلاً و ضئيلاً نسبةً إلى علمِ الله.
 
هذا الإعجازُ الإلهىّ الذى علّمَه لنا ربُّ العزةِ سُبحانه و تَعالى و التفوق الخارق بين علمه - جلَّ فى عُلاه - وبين علم عباده الضئيل، لا يُفترض أن يجعلنا نتوقف عن تحصيل العلم و البحث عن المزيد مما لا نعرفه ونفقه أمرَه، فلقد أمرنا رسولُنا الكريم (صلى الله عليه و سلم) بألّا نتوقف عن السعى فى العلم والاجتهاد فى تحصيلِه، حين قال صلى الله عليه و سلم:"طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلم".
و فى حديث آخر:"اطلبوا العلمَ و لو كان بالصين".
 
كلُّ هذه الحقائق يَتوجَّب علينا أن نُدركَها لكى تتضح الصورةُ ونستوعب هذه الحياة بمَلمَسِها الحقيقيّ دُون زَيف. فالحقيقة أننا جُهلاء إلى علمِ الله إلى يَوْمِ القيامة ولكن - وعلى الرغم من هذا - فإنه مفروضٌ علينا أن نبذُل الجَهد وأن نسعى فى العلمِ لنستفيد منه و نُفيد به من حولنا، فنُعَمِّر فى الأرض ونُحَسِّن من أمورِ حياتِنا طاعةً لله و رسوله. 
ولا يوجد من هم أقرب فى إدراك هذه الحقائق أفضلُ مِن العُلَماء أنفسِهم، فهم مُدركون أن علمهم لن يكتمل نقطةً فى بحرِ علمِ الخالق وهم الأكثرُ خَشية وخُضوعا للذات الإلهية، وقد وصفَهم ربُ العزةِ فى كتابه الكريم، " وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كذلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (فاطر-28) ".
 
فلنُسَخِّر العلمَ فى طاعةِ الله وفى خدمة هذا الوطن، ولنُكَرِّم علماءَنا ونُوَلِّيهم الأمورَ كما يجب ، فهم مُفتاح التطور والنهضة. ولنضع نَصب أعيننا أن نصل بمصرِنا الحبيبة إلى الاستحقاق التاريخى الذى يتناسب والمَكانة التى منحها لها الله تعالى، بأن كرَّمها فى كتابه وأوصى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم أمة المسلمين بها و بأهلها خيراً. فقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام( إِذَا افْتَتَحْتُمْ مِصْرًا فَاسْتَوْصُوا بِالْقِبْطِ خَيْرًا ، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا).
تحيا مصر .. 
تحيا مصر .. 
تحيا مصر ..

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg