رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 20 ابريل 2019

مقالات



التحديات الأفريقية .. والدور المصري

11-2-2019 | 22:36
محمد شمس الدين

أمر طبيعي أن تقرر مصر أن تنافس على رئاسة الاتحاد الأفريقي وتصل إلى سدة الرئاسة.. فما تحتله من مكانة دولية وإقليمية تؤهلها لأن تتولى رئاسة الاتحاد الذي يضم في عضويته خمسة وخمسين دولة، ولكن المميز في الأمر أن هذه الخطوة - اتخذت مكانها الصحيح في وقت وجيز- بالنظر لطبيعة العلاقات بين مصر ودول الاتحاد في العقود الماضية..  حتى قبل خمس سنوات تقريبا- بعد تحرك رسمي جاد من قبل الإدارة المصرية، بدأ على الصعيدين السياسي والدبلوماسي وقد أحسنت مصر توظيفهما لإثبات جدية الرغبة في ممارسة حقها في التعاون بفعالية مع الأشقاء في القارة .
 
أعقبت ذلك التحرك خطوات موازية لا تقل أهمية عما بذل دبلوماسيا وسياسيا، فانخرطت مصر في مشاريع استثمارية جادة في عدد من الدول الأفريقية من شأنها تقديم خدمات وفرص عمل لأبناء تلك الدول- واطلقت اليوم مبادرة مشابهة لما قامت به-  فضلا عن استضافتها مؤتمرات اقتصادية واجتماعات ومعارض تجارية أفريقية إضافة لمشاركتها في مؤتمرات أخرى في دول القارة.
 
هذه الخطوات العملية كان من شأنها أن عززت وضع مصر فتم انتخابها لرئاسة الاتحاد الأفريقي للعام 2019 وفي ذلك من الرسائل الكثيرة و منها تأكيد دول القارة أهمية ومكانة مصر بينها، كما أن من رسائلها تأكيد جدية وفعالية خطط الإدارة المصرية فيما بتعلق بسياسيتها الخارجية حيث أن ما تعهدت به مصر أمام الجميع من أنها ستعمل على تعزيز علاقاتها بمحيطها الإقليمي بموجب خطة معلنة دون أن تتأثر بما تحمله على كاهلها من عبء إصلاحات اقتصادية داخلية منهكة من شأنها أن ترهق أي إدارة لأي بلد في العالم وتدفعه للانكفاء على الداخل لمضاعفة الجهود التي يحتاج إليها في عملية الإصلاح الداخلي لتلبية الالتزامات والاحتياجات داخليا، وذلك سيكون في الغالب على حساب العلاقات الخارجية التي لا تقل أهمية الحفاظ عليها وصيانتها بشكل مستمر عن أهمية تعزيز استقرار الوضع الداخلي لأي بلد اقتصاديا وسياسيا وتنمويا، ولنا عبرة في عدد من الحالات في دول القارة العجوز التي ترتبط فيما بينها باتفاقيات تتشارك بموجبها الحقوق والواجبات تجاه بعضها البعض وبالتالي تحظى الدول الأعضاء التي تتضرر اقتصاديا بالمساندة والغطاء المالي، كما في الحالة اليونانية على سبيل المثال.
 
مسألة تعزيز العلاقات الخارجية لمصر لاسيما في نطاق الاتحاد القاري فطنت له الإدارة المصرية الجديدة وعملت على تعزيزه منذ اليوم الأول كعامل رئيسي من عوامل إعادة بناء اقتصاد مصري حقيقي متحرر من قيود أرهقته عقودا من الزمن، عبر خطتين داخلية وخارجية.. تتقاطعان في النهوض بالاقتصاد المصري.
 
دفعُ الاندماج الاقتصادي بين دول القارة، إيقافُ النزاعات، الجواز الأفريقي الموحد، إيجاد حلول عملية لمحاربة الفقر، توفير فرص عمل، تفعيل حلول تنموية حقيقية و أفرقة حلول مشكلات القارة وتمثيل القارة الأفريقية في مجلس الأمن بشكل عادل وغيرها من الملفات التي تشكل تحديا حقيقيا لمصر لتضع خلال هذا العام النقاط على الحروف ولعلها الأقدر بين أشقائها الأفارقة على إيجاد مقاربات جريئة ومرنة بما لديها من إمكانات وخبرات مكنتها من التعافي الاقتصادي بعد حالة انهيار شهدها اقتصاد البلاد قبل أعوام.
 
ويمكن في هذا الصدد إنشاء هيئة استشارية تحت مظلة الاتحاد تعنى باستقطاب الكفاءات العلمية - الشابة- من أبناء القارة تكون مهمتهم تصميم تشريعات من شأنها ضمان تحقيق كل الأمنيات الطيبة والآمال العريضة التي يعلقها أبناء القارة على اتحادهم.
 
كما يمكن أن تشرع اللجان المعنية في البرلمان الأفريقي بإيجاد تشريعات هدفها القضاء على الفساد الإداري وتعزيز معايير الحكم الرشيد ولتكن البداية عبر إيجاد مؤشر للشفافية على غرار المؤشرات الدولية، يمكن لمصر أن تتبنى هذين المقترحين المتواضعين ضمن حزمة الحلول التي تعتزم العمل عليها مع الشركاء في القارة السمراء خلال 2019.
 
سبعة عشر عاما هو عمر الاتحاد الأفريقي الذي حل محل منظمة الوحدة الأفريقية، انتظر خلالها الأفارقة أن يغدق عليهم هذا التكتل في شكله الجديد من خيراته بشكل عملي على غرار تكتلات سبقته كالاتحاد الأوروبي والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية.. لكن نشاطه ولاعتبارات تاريخية مرتبطة بمخلفات الاستعمار ظل منحصرا في التنظير للحالة السياسية لدوله الأعضاء ووضع بعض المعاهدات التي لم يصادق كثير من دول الاتحاد عليها، مع المحافظة على مستوى ضئيل من الثقة المتبادلة بين أعضائه لاسيما بين أعضاء منطقته الشمالية وبقية أعضاء المناطق الأربعة- بحسب التقسيم الإداري لدول الاتحاد- حيث كانت اهتمامات دول الشمال بعيدة عن شقيقاتها الجنوبية.. 
 
لكن حالة الثقة بين أعضائه اليوم في تعزز دائم بشكل جعلهم يدركون أن القوة تكمن في الاتحاد الحقيقي والاعتماد على أنفسهم بدلا من الاعتماد على العلاقات الثنائية بين بعض الدول الأعضاء وبعض الدول العظمى والتي مازال بعضها يحتفظ ببعض الأطماع الاستعمارية في علاقاته ببعض دول القارة.
 
لعل الحظ يحالف مصر في هذا العام في أفريقيا فما تقدمه على الصعيد الدبلوماسي من جهود كبيرة مازال ينقصها شيئ مهم ألا وهو القوة الناعمة التي ربما تكون بذات مستوى أهمية المجهودات الدبلوماسية والاقتصادية المبذولة والتي ستبذل، وفي رأيي المتواضع فإنها- اي القوة الناعمة-  من عوامل تسريع تلك الجهود وتثبيتها و فتح قنوات موازية داعمة لها ولا يخفى على أحد مدى ارتباط القوة الناعمة بتدفق السياحة في جميع الاتجاهات وانتعاش اقتصادات قائمة على سوق السياحة.
 
شخصيا آمل أن تكون بطولة أمم أفريقيا 2019 التي تقرر إقامتها في مصر نقطة انطلاق متقدمة في مضمار القوة الناعمة.. تماما كمن يحرز نقاطا في سباق رياضي فيمنح أولوية لينطلق في المرحلة التالية من نقطة متقدمة ليحافظ على صدارته ، وبطبيعة الحال فإن البطولة القارية سيكون لها نصيب الأسد في تصدير صورة إيجابية لأشقاء القارة وبالتالي استقطاب أسواق جديدة لقطاع السياحة المصري في حال نجاح الموسم الكروي القاري.. ولا بد من اقتناص هذه الفرصة الثمينة التي أتت على طبق من ذهب وتوظيفها بطريقة تمكنها من استدامة فعالية قواها الناعمة الأخرى التي تمتلكها مصر طوال العام وأعني الفن والإعلام وقد كتبت عن ذلك من قبل.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg