رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 22 مايو 2019

أرشيف المجلة



أستاذ علاقات دولية بجامعة العلوم التطبيقية بالبحرين: الانسحاب الأمريكي من سوريا يشعل الصراع الروسى - التركى

13-2-2019 | 16:27
العزب الطيب الطاهر

الانسحاب.. تغيير عميق فى ميزان القوى لصالح روسيا
 
أمريكا لن تترك سوريا ولا الشرق الأوسط فى ظل التخبط فى مراكز صنع القرار فى واشنطن
 
الولايات المتحدة لن تترك سوريا ولا الشرق الأوسط بسهولة مع استمرار التجاذب السياسى والإستراتيجى داخل مراكز صنع القرار، هكذا بادرنا د.على موسى فى تعليقه على القرار الأمريكي قائلاً: قبل أن يتخذ الرئيس ترامب قراره فى 19 ديسمبر الماضى، سحب القوات الأمريكية من سوريا، بإعلانه أن الولايات المتحدة نجحت فى هزيمة تنظيم داعش، وأنه لم تعد هناك حاجة لبقائها فى سوريا، كان قد سبق أن اتخذ هذا القرار فى 29 مارس 2018م، قبل أن يتراجع عنه لاحقاً. 
 
أشار هذا القرار فى حينه - على حد قول د. على موسى الددا أستاذ العلاقات الدولية بجامعة العلوم التطبيقية بالبحرين- إلى أمرين يبدو أنهما ما زالا يرافقان الرئيس ترامب: 
 
الأول: أن ترامب لا يجد غضاضة فى حصر عملية صناعة القرار فى دائرة ضيقة تضم مجموعة من مستشاريه، وبما يتضمنه ذلك من تهميش لمؤسسات صناعة القرار الأمريكي، فآلية اتخاذه للقرار لا تستند إلى النمط التقليدى المعروف والمستمد من الاستعانة بالمؤسسات التى هاجمها بشدة أثناء حملته الانتخابية، وإنما تستند إلى حصر عملية صنع القرار فى دائرة ضيقة يختار أعضاءها بالاعتماد على معاييره الشخصية، ومن ذلك تصريحه بعد إقالته لوزير خارجيته "تيليرسون" فى 13 مارس 2018 وتعيين "بومبيو": "لم نكن على توافق شخصي، ومع مايك بومبيو لدينا تفكير متشابه"، ولعل هذا ما دفع وزير دفاعه "ماتيس"الذى استقال بعد يوم واحد من القرار الأمريكى بالانسحاب من سوريا إلى القول: "من حقك أن يكون لديك وزير دفاع وجهات نظره تتوافق بشكل أفضل مع وجهات نظرك" حيث يرى "ماتيس" من وجهة نظره أنه لم يتم بعد الانتصار على داعش.
 
والثاني: سعيه إلى انتهاج سياسات تركز على الانعزال لحساب إصلاح الداخل بالاستناد إلى المنفعة المتوقعة، برغم أن المصالح السياسية والإستراتيجية، ترتكز على مبدأ تبادل المصالح وليس على حسابات المنفعة المادية ومنطق الصفقة. حيث يرى "ترامب" ضرورة تقليص الوجود الأمريكى المكلف فى الخارج، وتجنب الدخول فى أية معارك جديدة أو التزامات، تؤدى لتفاقم الديون أو الأعباء الأمريكية، وفيما يخص الملف السوري، فقد سبق أن أشار "ترامب" إلى أن الولايات المتحدة أنفقت 70 مليار دولار فى سوريا، وهو ما اعتبره أمرًا مُسْتَنْكَرًا يجب إيقافه بمجرد تحقيق الأهداف الأمريكية فى المنطقة، كما عمد "ترامب" إلى توضيح أن الهدف من وجود القوات الأمريكية فى سوريا هو إلحاق الهزيمة بـ"داعش"، وهو ما اعتبره قد تحقق، ومن ثمّ فلا يوجد مبرر لبقاء قواته هناك. 
 
إستراتيجية  واشنطن
تستند الإستراتيجية الأمريكية فى سوريا أساساً على مكافحة الإرهاب والتسريع من وتيرة العمليات العسكرية للقضاء على داعش، وتقليص نفوذ إيران وضمان عملية سياسية متوازنة فى سوريا.وذلك من خلال: 
- إقامة المناطق الآمنة ووقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا، حيث تهدف هذه المناطق إلى تخفيف الضغط على دول الجوار السورى ووقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا.
- تثبيت أركان الدولة القومية، حيث يسعى ترامب إلى تثبيت أركان الدولة القومية فى الشرق الأوسط بشكل عام وفى سوريا بشكل خاص، مؤكداً مركزية الدولة القومية كفاعل رئيسى على الساحة الدولية، فوجود دولة قومية فى سوريا تدعم قيم التعددية، يسهم فى تحقيق الأمن والقضاء على أسباب التمييز الطائفى والدينى وتجفيف منابع الإرهاب وتحقيق استقرار المنطقة.
- تعزيز النفوذ الأمريكى وضبط التحالفات فى الإقليم كل ذلك دفع باتجاه سعى الولايات المتحدة إلى امتلاك أوراق ضغط مهمة، تعتمد أساساً على توحيد حلفائها من دول الجوار السوري، معتمدة على تحقيق التوافق حول ركائز محددة، على رأسها محاربة الإرهاب، والمحافظة على أمن واستقرار تلك الدول، وإعادة ترتيب المعادلة الإقليمية، وإيجاد شبكة جديدة من التحالفات وربطها بالإستراتيجية الأمريكية لخلق إجماع إقليمى تجاه مهددات استقرار المنطقة فى مواجهة التنظيمات الإرهابية واحتواء النفوذ الإيراني.
 
من الواضح إذن، أن قرار ترامب، والحالة هذه، لم يتخذ وفق الإستراتيجية الأمريكية الخاصة بالشرق الأوسط، فقبل 48 ساعة من القرار، وصلت تعزيزات أمريكية إلى منطقة شرق الفرات وإلى القواعد العسكرية الأمريكية فى "منبج" و"حقل العمر". وقبل القرار بأسبوع، كانت الإدارة الأمريكية تكرر موقفها وتؤكد إستراتيجيتها التى أنجزتها بشأن الشرق الأوسط، التى تضع فى مقدمتها الإصرار على الانسحاب الإيرانى الكامل من سوريا، وهى عناوين يبدو أن قرار ترامب بسحب قواته من سوريا كأنه يُعطلها، كما أن كل التصريحات الأمريكية الأخيرة، كانت ترفض الانسحاب من سوريا، بحجة وجود تهديد من تنظيم "داعش" أولًا، وبوجود قوات إيرانية فى سوريا ثانيًا، وأن أمريكا تشترط خروجها وميليشياتها من سوريا قبل سحب قواتها هناك، وكان من آخر التصريحات الأمريكية، رفض الانسحاب العسكرى من سوريا حتى تتمكن قوات داخلية من سوريا من ضمان الأمن فيها، ومنع عودة تنظيم "داعش".
 
 • كيف يمكن للانسحاب الأمريكى (الانكفاء) عن المنطقة، أن يكون متسقاً مع الشعار الذى طرحه "ترامب" إبان حملته الانتخابية "أمريكا أولاً" وفى ذات الوقت لن يؤدى إلى حالة فراغ إستراتيجى فى المنطقة؟
تنعكس السمات الشخصية لأى سياسى (بيئته النفسية، تكوينه الشخصي، طريقة تفكيره، قناعاته وتصوراته، خبراته، والوظائف التى تقلدها) على سياساته وقراراته تجاه مختلف القضايا، ورغم أن الولايات المتحدة، تحكمها وتسيرها مؤسسات تحدد الإطار العام لتوجهات البلد وسياساته المختلفة، فإن للرئيس هامشا معتبرا من التأثير ومن القدرة على فرض ولو بعض قراراته وسياساته وقناعاته الشخصية، على مجريات تلك السياسة، من حيث التدخل أو الانعزال، أو من حيث الآليات، وما تتضمنه من مفاضلة بين الأدوات الصلبة، كالقوة العسكرية والعقوبات، وبين الأدوات الناعمة، كالاحتواء والمساعدات والدبلوماسية.
ومن الواضح أن هناك ارتباكاً فى الإدارة الأمريكية ما بين شعار"أمريكا أولاً" وما يصاحبه من الانكفاء على الداخل الأمريكي، ومصطلح الحقائق البديلة الذى يتم الترويج له، بالتزامن مع سعى الرئيس ترامب لإعادة إحياء الدور الأمريكى عالمياً، مما ينعكس بدوره على قضايا الشرق الأوسط وإستراتيجيته لمحاربة الإرهاب، ففى الوقت الذى يسعى فيه ترامب للحل السياسى وفقاً للتفاهمات الروسية، فإننا نجد فى المقابل ضعفاً دبلوماسياً كبيراً فى الجانب الأمريكي، وعدم الرغبة فى الدخول فى مبادرات دبلوماسية، قد تؤدى إلى تسويات إقليمية، كالأزمة السورية مثلاً. فضلاً عن التناقضات المهنية داخل الإدارة الأمريكية والناتجة أصلاً عن ضعف الخبرة بتعقيدات المنطقة.
 • من بوسعه ملء الفراغ الإستراتيجى فى المنطقة؟ وهل بمقدور أطراف رئيسية فيها أن تملأ هذا الفراغ، وتحمى الأمن الإقليمى فى مواجهة تهديدات أطراف إقليمية، من بينها التنظيمات الإرهابية؟
 كما أن تركيا بعد القرار الأمريكى بالانسحاب، أصبحت فى مواجهة مع الوحدات الكردية لإبعادها عن الحدود، دون وجود دعم أمريكى لهذه الوحدات كما فى السابق، وفى ظنى أن تركيا كانت تطالب برفع الغطاء عن "وحدات حماية الشعب الكردية" وليس الانسحاب الكلى على أية حال، لأن تركيا لا بد أنها ستصطدم بالسعى الروسى - الإيرانى لاسترداد كامل الأراضى السورية دعماً للنظام السوري، فإذا كانت الإستراتيجية الأمريكية بُنيت منذ تولى "جيمس ماتيس" على فكرة البقاء الاحتلالى الدائم، كجزء من المواجهة الإستراتيجية مع روسيا، وكجزء من المشروع الجيوبولتيكى الأمريكى اقتصاديا، وأمام مجريات الأحداث فى العراق وجدولة الانسحاب الأمريكى من العراق، فإن القرار الأمريكى بالانسحاب من سوريا، سيشعل صراعاً تركياً مع روسيا فى سياق "أستانة" لأنه سيزيد من الأطماع التركية الاحتلالية بملء الفراغ العسكرى الأمريكى بحسب التقديرات التركية.
 
تغيير متسارع
 • هل من الممكن أن تمارس أطراف دولية، أدواراً فاعلة، وتكون بديلاً عن الدور الأمريكي؟
الولايات المحدة بقرارها سحب قواتها، ربما تواجه خطر فقدان هيمنتها على إدارة مقدرات المنطقة، وفى غير ما يضمن مصالحها، خصوصا إذا علمنا أن الاعتبارات الإستراتيجية، تحتل الأولوية فى التحرك الروسى باتجاه الشرق الأوسط، وتأتى فى مقدمتها ضرورة تعزيز الوجود الروسى فى البحر المتوسط كممر وحيد للبحر الأسود، ولا تقل الاعتبارات الأمنية، أهمية عن تلك الإستراتيجية، فروسيا ترى أنها معنية باستئصال الإرهاب من جذوره فى منطقة الشرق الأوسط، التى تمثل حزام روسيا الجنوبى الغربي، ومنها يأتى الدعم للإرهاب فى الداخل الروسى.
وسبق أن أعلن ترامب، لمرات عديدة خلال حملته الانتخابية، أنه سيتبع سياسة خارجية تستند إلى استيعاب روسيا والتعاون معها، وإن كان هذا لا يعنى أن روسيا لا تبحث هى الأخرى عن مخرج لوجودها العسكرى فى سوريا، وبأن يقتصر وجودها مستقبلاً على القاعدتين العسكريتين وعدد من المستشارين فى الأجهزة الأمنية.
إذن، فالدور الروسى حالياً، مرشح للتزايد أكثر مما كان عليه، فالخارجية الروسية قبل ترحيبها بالقرار الأمريكى استطاعت مبكراً تمتين علاقاتها بالقيادات السورية والتركية، وكانت متفوقة بذلك على الولايات المتحدة الأمريكية، لترسم لنفسها دوراً يؤهلها لتكون القوة التى يمكن التعامل معها على المدى البعيد فى الشرق الأوسط. كما أن روسيا بعد القرار الأمريكي، ستتابع التحرك سريعاً، للخلاص مما تبقى من المجموعات السورية المسلحة في"إدلب" شمال غرب سوريا.
أما فيما يتعلق بدور حلفاء الولايات المتحدة من الدول الأوروبية، فلم يقم "ترامب" بالتنسيق مع حلفائه المشاركين مع قواته فى العمل الميدانى فى سوريا، قبل اتخاذ القرار، ومن ثمّ أبدت فرنسا وبريطانيا وألمانيا "قلقها من القرار الأمريكي". وقد صرح الرئيس الفرنسى "إيمانويل ماكرون" قائلًا: إنه يأسف بشدة للقرار وإنه يُنتظر من "الحليف أن يكون محل ثقة، وأن ينسّق مع حلفائه الآخرين"، فضلًا عن إشادته باستقالة وزير الدفاع "ماتيس". وأكدت الوزيرة الفرنسية للشئون الأوروبية "ناتالى لوازو" أن فرنسا "ستبقى ملتزمة عسكرياً فى سوريا"، وقالت إن الحرب ضد الإرهاب "حققت تقدما كبيراً، وأنه كان هناك تقدم كبير فى سوريا من خلال التحالف، لكن هذه المعركة مستمرة، وسنواصل خوضها". كما اعتبرت وزارة الخارجية البريطانية أن تنظيم "داعش" لم يُهزم بعد فى سوريا، وأن بريطانيا ستبقى مشاركة فى التحالف الدولى وحملته لحرمان داعش من (السيطرة) وضمان هزيمته القاطعة.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg