رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 25 ابريل 2019

المجلة



تنقذها من الانقراض وتنعشها اقتصاديا وترفعها علميا.. الهجرة إلى أوروبا.. الحبل السرى الممتد من الشرق

21-2-2019 | 18:33
محمد عيسى

المفوضية الأوروبية: نحتاج إلى 1.5 مليون مهاجر سنويا حتى عام 2050 لسد النقص المتوقع فى عدد السكان
 
الأيدى العاملة للمهاجرين شكلت ماردا أيقظ منطقة اليورو من الركود ودفعها نحو النمو 
 
الأحزاب اليسارية الأوروبية: تنظيم «داعش» يريد جذب الأوروبيين إليه وليس تصدير مقاتليه إليهم ولا علاقة بين الهجرة والإرهاب
 
لم تمنع تلك المساحة المائية الكبيرة سكان ضفتى البحر الأبيض المتوسط من عبور أمواجه وقت الأزمات، فأول ما يفكر به سكان أحد الشاطئين هو العبور إلى البر الأمن من ضفته، لأنهم يرون فيه الحياة الأقرب إلى معيشتهم، والأمان الذى يعد بمثابة رحم يجمع سكان الضفتين. وموجات الهجرة إلى أوروبا «حبل سرى» يمد أوروبا حاليا بالحياة، ويحميها من الانقراض، فى وقت تعانى فيه من تراجع معدلات الخصوبة، ويمدها بأيد عاملة تشكل “ماردا” يوقظ منطقة اليورو من الركود، وبها خيرة العلماء العرب.
الموقف الأوروبى المعلن تجاه الهجرة غير الشرعية، تنطبق عليه مقولة «لا تصدق كل ما تسمعه ، بل صدق  نصف ما تراه» فأوروبا نفسها تغض الطرف فى كثير من الأوقات عن تلك الهجرة وتسمح بدخولها، والغريب فى الأمر أن أسباب رفضهم لها، هى نفس أسباب السماح بها. قد يندهش ويتعجب البعض، كيف تكون أسباب قبول أوروبا بالهجرة هى ذاتها أسباب رفضها لها؟ وإليكم التفاصيل:
 
تراجع الخصوبة
تعيش أوروبا أزمة شيخوخة أى زيادة شريحة كبار السن عن شريحة الشاب، ولذا يطلق عليها وصف «القارة العجوز»، وهذه الأزمة تجاورها مشكلة أكبر تتمثل فى تدنى «معدل الخصوبة». وبحسب تقرير للمفوضية الأوروبية تحتاج أوروبا إلى 1.5 مليون مهاجر سنويا حتى عام 2050 لتسد النقص المتوقع حصوله فى عدد السكان، بعدما بلغ معدل الخصوبة أقل من 2.1 وهى النسبة التى تعنى علميا بداية تراجع عدد السكان والتهديد بالانقراض على مر الزمان. والحل السريع الذى تراه بعض الدول الأوروبية لحل هذه المعضلة هو استقبال المهاجرين، لكن الأحزاب اليمينية المتطرفة والجماعات المناهضة للهجرة - ترى فى هذا الحل تغييرا للتركيبة الديموغرافية لقارتهم.
وتكشف كثير من الدراسات من بينها تقرير منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية الأوروبية فى تقرير عن الهجرة، بأنها تشكل أكبر محرك للنمو السكانى فى الاتحاد الأوروبى بشكل عام منذ منتصف التسعينيات، وهى على وشك أن تصبح المحرك الوحيد. ويعتمد هذا التقرير على دراسات معدل تراجع الخصوبة لدى الأوروبيين المسيحيين إلى 1.55، فى مقابل ارتفاعها إلى 2.7 لدى المسلمين المقيمين هناك، وهذا يعنى أن عدد سكان أوروبا سيكون أغلب مواليده مسلمين وسيشكلون نحو 20 % من سكان أوروبا مقابل 6 % حاليا بحلول العام 2050.
 
تأثير ديموغرافى
وبشكل عام فإن التأثير الديموغرافى للهجرة غير الشرعية مرهون ببقاء تدنى معدل الخصوبة لدى الأوروبيين، وحتى فى حال زيادة معدلاتها ومع الأخذ بعين الاعتبار هجرة حوالى مليون شخص سنويا إلى أوروبا حتى عام 2050، ستصبح نسبة المواطنين الأوروبيين المسلمين نحو 16 % من سكان الاتحاد الأوروبى. وتلك هى الحقيقة التى تصيب الأحزاب اليمينية بالكراهية والفزع من موجات الهجرة، فتتبنى دائما خطابا يغذى مشاعر الحقد تجاه المهاجرين وأنهم إرهابيون يهددون أمنهم.
لكن فى المقابل نجد أحزاب اليسار الأوروبية لديها تنظر إلى الهجرة غير الشرعية، على أنها أزمة إنسانية ينبغى التعامل معها على هذا الأساس. ويعتبر المفوض الأوروبى جان كلود يونكر من أبرز المدافعين عن المهاجرين إذ قال: «يمكننا بناء جدران، يمكننا إقامة الحواجز، لكن تخيل أنك أنت تحمل طفلك بين ذراعيك والعالم من حولك ينهار، لا يوجد جدار لن تتسلقه، أو بحر لن تعبره، أو ثمن لن تدفعه، أو حدود لن تقطعها لو كنت تريد الهرب من بربرية داعش».
 
هجرة بلا إرهاب
ودائما ما تربط الأحزاب اليمينية، بين الهجرة والإرهاب، مما دفع الاتحاد الأوروبى لرصد نحو 7 مليارات يورو، لمواجهة الهجرة غير الشرعية، منها 3.9 مليار لتعزيز الأمن الداخلى فقط حتى عام 2020. لكن الأحزاب اليسارية ترى عدم وجود علاقة بين الهجرة والإرهاب، وترى أن تنظيم «داعش» يريد جذب الأوروبيين إليه وليس تصدير مقاتليه إليهم، وبالتالى لا علاقة للمهاجرين غير الشرعيين بالإرهاب، أما ربط الأحزاب اليمينية بين الإرهاب والهجرة مردود عليه بأكثر من حقيقة، أولها، أن الإرهاب يضرب الكثير من دول العالم فى قارات مختلفة وليس أوروبا وحدها، والحقيقة الثانية، تأتى على لسان فيرا جوروفا مفوضة شئون العدل بالاتحاد الأوروبي، حيث قالت فى حوار صحفى مع صحيفة «فيجارو» الفرنسية إن ما بين 5 إلى 6 آلاف أوروبى يقاتلون فى صفوف «داعش»، بينهم 1450 فرنسيا ذهبوا إلى سوريا يقاتلون ضد نظام بشار، وهؤلاء يشكلون نحو 25 % مما يعرف بـ«المقاتلين الأجانب» فى صفوف التنظيم. وهذا يدل على أن الإرهابيين ليسوا مهاجرين غير شرعيين إنما هم مواطنون أوروبيون، من الأجيال المتعاقبة للهجرة، لم تستطع أوروبا دمجهم وتركتهم فى مواجهة خطاب الكراهية اليمينى، وهو ما تعترف به المفوضية الأوروبية التى رصت 3.1 مليار يورو حتى 2020 لدمجهم فى المجتمع وسوق العمل، وهو ما يعزز موقف الأحزاب اليسارية الداعم لاستقبال المهاجرين، بينما تستمر الأحزاب اليمينية فى استخدامهم كورقة انتخابية لكسب التأييد والوصول إلى السلطة.
 
مارد اقتصادى
ومن محاولات إلصاق تهمة الإرهاب بالمهاجرين غير الشرعيين وتفنيدها كما سبق، إلى تهم اقتصادية أخرى عديدة توجه إليهم، كتأثيرهم سلبا على الاقتصاد الأوروبى وسوق العمل، تهم لن نخوض فى تفاصيلها ومصدرها معروف، لأن العكس هو الصحيح تماما، والرد هنا أيضا سيكون أيضا على لسان خبراء وساسة أوروبا أنفسهم، والذين وصفوا المهاجرين إليها بـ«المارد» الذى أيقظ منطقة اليورو من الركود، ويقصد هنا تعويض نقص الأيدى العاملة فى أوروبا، وهى حقيقة لا يمكن للمناهضين للهجرة إنكارها، فهى أياد تسهم فى بناء اقتصاد جديد ومتكامل. وهذا ما أكده ديفيد ليبتون النائب الأول لمدير صندوق النقد الدولى، فى تصريحات ليست ببعيدة فى العاصمة البلجيكية بروكسل قائلا: «إن عددا من الدول ذات الاقتصاديات المتقدمة فى أوروبا جنت أرباحا من وصول المهاجرين إليها، على الرغم من شكواها بشأن أعباء إقامتهم الاقتصادية والأمنية، وكانوا سببا رئيسيا فى زيادة الناتج المحلى الإجمالى للفرد هناك، كما ساعد تدفق المهاجرين فى تعويض نقص العمالة الناتج عن التطورات السكانية».
وأكد ليبتون أنه لا يرى آثارا سلبية كبيرة على المجموعات المتوسطة والمنخفضة الدخل فى الدول المستقبلة، وأن الفوائد التى تجنيها الدول من المهاجرين يعتمد على كفاءة دمجهم فى المجتمعات الجديدة، التى اعتبرها ضرورية، وأكد أن صناع السياسات فى أوروبا يحتاجون الآن إلى فهم أوضح لتجربة استيعاب اللاجئين والمهاجرين القادمين من الشرق الأوسط وإفريقيا.
 
ثلاثة ملايين مهاجر
وإذا كانت تصريحات النائب الأول لمدير صندوق النقد الدولى غير مقنعة للبعض، فلنعد للوراء قليلا فى عام 2017، حينما أجرت المفوضية الأوروبية للمرة الأولى تقييما حول أثر الهجرة على الاقتصاد، متوقعة أن وصول ثلاثة ملايين مهاجر إلى دول الاتحاد وقتها يترك «أثرا إيجابيا» على انتعاش الاقتصاد، موجهة بذلك رسالة إلى المعارضين لسياسة استقبال طالبى اللجوء بإعادة النظر فى موقفهم.
واعتبر المفوض الأوروبى للشئون الاقتصادية بيار موسكوفيسى أن أثر طالبى اللجوء على النمو الاقتصادى فى دول الاتحاد فى مجمله إيجابى، حيث إن وصولهم يسهم فى زيادة معدل النمو، لكنه شدد على أن استمرار هذا التأثير الإيجابى يتوقف على دمجهم من أجل إتاحة وصولهم إلى سوق العمل. 
ومع زيادة عدد المهاجرين إلى أوروبا نحو 5 ملايين خلال الـ 5 سنوات المقبلة، يتوقع بنك كريدى سويس السويسرى، أن ترفع هذه الزيادة نمو منطقة اليورو ما بين 0.2 إلى 0.3 نقطة مئوية، ليصل متوسط النمو إلى 1.3 % حتى 2023، وهو ما يتجاوز تقديرات المفوضية الأوروبية نفسها لنسبة النمو المتوقعة، ومن المنتظر ذلك مع دمج المهاجرين من الشباب فى سوق العمل. كما يرى بنك اتش. اس. بي.سى إنه للاستفادة من الهجرة تحتاج ألمانيا إلى هجرة صافية بنحو 700 ألف مهاجر على مدى السنوات العشر المقبلة للحفاظ على استقرار مستوى سكانها.
 
عزلة اجتماعية
وحسب تقديرات المنظمة الدولية للهجرة يسهم مئات الآف العمال الأجانب فى اقتصاديات دول أوروبا المتطورة والتى بحاجة إلى الأيدى العاملة، لكن الهوية المتميزة لهم عن هوية السكان الأصليين تخلق نوعا من العزلة الاجتماعية، وتدفع إلى زيادة الاحتكاكات مع السكان الأصليين خصوصًا وقت الأزمات الاقتصادية.
 
نوابغ العرب
وإذا كان للهجرة غير الشرعية هذا الحجم من التأثير الإيجابى على أوروبا، فما بالنا بالشرعية منها، والتى يتمثل جانب واحد منها فى استقطاب الكفاءات العلمية إليها، فعدد العلماء العرب البارزين فى أوروبا لا يحصى، وشخصياتهم بارزة فى جميع المناحى العملية هناك.
حسب تقديرات منظمة اليونسكو والبنك الدولي، يسهم العالم العربى بنسبة الثلث فى ثلث هجرة الكفاءات من البلدان النامية، وأن 50 % من هجرة الكفاءات هم من الأطباء و23 % من المهندسين و15 % من التخصصات الأخرى، ويمثلون صفوة الأطباء والمهندسين والتخصصات الأخرى، لأن شروط الموافقة على هجرتهم هى تميزهم، وهكذا تستقطبهم أوروبا، كما أن 50 % من الطلبة العرب المتميزين الذين يدرسون هناك لا يعودون إلى أوطانهم، ويشكل الأطباء العرب فى بريطانيا 34 % من مجموع الأطباء فيها. ويعتقد البعض خطأ أن من يهاجر من وطنه معارض أو لاجئ، ولكن الحقيقة هى البحث عن أجواء الإنتاج والإبداع والتميز.
وحسب الإحصاءات الصادرة عن منظمة العمل العربية وعن جامعة الدول العربية، هاجر منذ عام 1977م حتى الآن هاجر نحو 750 ألف عالم عربى، ويتكبد الوطن العربى خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة هجرة العلماء المتميزين تقدر بنحو مليارى دولار سنويا، إضافة إلى الخسائر العلمية والاجتماعية، وكل ذلك يصب فى ميزان القارة الأوروبية، حيث إنهم يسهمون فى رفعتها وتقدمها العلمى. وإلى هنا ينتهى الحديث عن الفوائد الكبيرة التى تجنيها أوروبا من وراء الهجرة إليها سواء كانت شرعية أم غير شرعية، لكن السؤال لماذا كل هذا الهجوم والرفض المعلن لها.. ولماذا ينكرون فضلها عليهم؟

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg