رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 25 ابريل 2019

المجلة



منظومة علاقات وتحالفات عابرة للأزمان.. الوجه الآخر للقارة العجوز

21-2-2019 | 15:40
نبيل شرف الدين

اكتسبت اسمها من أميرة شرقية فينيقية 
 
مفهوم أوروبا ككيان ثقافى وجغرافى وسياسى موحد يعود إلى الإمبراطورية الرومانية والمسيحية بشكل خاص
 
قاتل العرب مع طرفى الحرب العالمية الثانية ومات منهم عشرات الآلاف
 
تاريخ طويل من التبادل الثقافي والاقتصادي والتجاري والسياسي، بالإضافة إلى الجوار الجُغرافي والاعتماد المُتبادل، مما يسهم في مأسسة علاقات قوية بين الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية، تقودنا هذه المقدمة لجذور المسألة وبالأحرى تُحرضنا على النبش في تاريخ العلاقات بين العرب والأوروبيين 
 
وهنا ربما يُدهش كثيرون حين يعلمون أن القارة التى تتربع على عرش الحضارة الإنسانية اكتسبت اسمها من أميرة شرقية فينيقية، الأسطورة الموغلة فى التاريخ مصادرها مراجع إغريقية ورومانية تحدثت عن الأميرة «أوروبا» ابنة ملك «صور» الساحلية اللبنانية حاليًا، كما ذكرها أيضاً الشاعر السكندرى «موسيخوس 1800 ق. م.» وتقول إن ملكًا فينيقيًا اسمه «أجينور» أنجب ابنة اسمها «أوروبا» وأن «زيوس» رب الأرباب وكبير آلهة الأوليمبى لدى الإغريق، علم بجمال وكمال الأميرة عندما رآها ذات مرة ووقع فى حبها، فجاءها على هيئة ثور، وكانت تلعب مع وصيفاتها على شواطئ البحر المتوسط ، فأغراها ودفعها إلى امتطاء ظهره وعبر بها عباب البحر وحين وصل بها إلى اليونان أعلن زواجه منها، وهكذا حملت القارة اسم أوروبا.
 
وبعيدًا عن الأساطير، يعود مفهوم أوروبا ككيان ثقافى وجغرافى وسياسيّ موحّد إلى الإمبراطورية الرومانية بدايًة والمسيحية بشكل خاص ـ وهى مشرقية النشأة أصلاً ـ إذ كانت من أركان القاعدة الثقافية الأوروبية وفى مناسبات محددة كانت الركن الوحيد للهوية الأوروبية، خصوصا حينما سعت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية لبسط نفوذها الثقافى والسياسى على أوروبا، فالأممية المسيحية أو مفهوم «العالم المسيحي» ظل قوة سياسية ودافعًا فكريًا وعقائديًا وسياسيًا أثّر مباشرةً على مسيرة السياسة الأوروبية، بل أصبح جوهر فكرة «المفهوم الغربي»، وقام باستبدال المفهوم الجغرافى الأوروبى الضيق أو الرومانى المحدود، وصار يمثل شرعية جديدة بدأت ترسخ داخل الشعوب الأوروبية والوجدان السياسى فيها، وأصبح هذا المفهوم يمثل الشرعية السياسية والدينية على حد سواء.
 
بين حربين
 
وبانتهاء الحرب العالمية الأولى دخل العرب مجددًا فى حربٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولم يكادوا يلتقطون أنفاسهم حتى بدأت حقبة الاستعمار الكولونيالى البريطانى والفرنسى والإيطالى بشكلٍ أسوأ، لتشمل العالم العربى وأفريقيا وأجزاء من آسيا، ليخوضوا صراعًا جديدًا بعدما تركهم العثمانيون ممزقى الأوصال جغرافيًا وحضاريًا.
 
ولم تتغير الحال فى الحرب العالمية الثانية، حين قاتل العرب مع طرفى الحرب، الحلفاء من جهة ودول المحور من جهةٍ أخرى، فراح منهم عشرات الآلاف، خصوصا فى الجيش الفرنسى الذى سحقته ألمانيا فى عام 1940، وكان فيه الكثير من الجزائريين والمغاربة، ولعل أبلغ دليل على استغلال المسلمين فى الحروب، مقولة الرئيس الفرنسى السابق فرانسوا هولاند عام 2014، إن «فرنسا مدينة لأبناء المستعمرات الذين قاتلوا بجانبها فى الحرب العالمية الثانية».
 
كما تحدث الألمان فى كتاب شهير، عن حياة الجنرال الألمانى «فون ليتو» باعتباره بطلاً قاد جيش بلاده فى إفريقيا، كما يذكر «شجاعة الأبطال الأفارقة الذين بذلوا أرواحهم من أجل ألمانيا»، برغم أنّ القوة والقمع، فرضتا التجنيد على المسلمين من قبل العثمانيين والألمان والفرنسيين وكل من شاركوا فى الحربين العالميتين كدولٍ عظمى، وبعد انقضاء الحرب العالمية الثانية، ظهرت تسمية «القارة العجوز» نتيجة حربٍ خلفت عشرات الملايين من الضحايا، لكن هذا المصطلح تراجع خلف أدخنة المصانع وآلات الإنتاج الثقيلة التى كان من شأنها إعادة الحياة إلى أوروبا من جهة، واستقطاب المهاجرين من جهةٍ أخرى.
 
الحرب الباردة وسقوط جدار برلين
 
خلال الفترة بين عامى 1950-1980 حصلت معظم المستعمرات الإفريقية على استقلالها كما انتشر أيضًا عدم الاستقرار السياسى بين الدول الإفريقية نتيجة للحروب التى اشتعلت بين الدول الجديدة، وبعد الحرب العالمية الثانية انقسمت دول أوروبا لقطبين سياسيًا واقتصاديًا، وشكّلت كل من ألمانيا الشرقية وبولندا وتشيكوسلوفاكيا ورومانيا وبلغاريا «حلف وارسو» بقيادة الاتحاد السوفيتي، وشكلت أيضًا كل من من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليونان وتركيا «حلف شمال الأطلنطي» بقيادة الولايات المتحدة.
 
ومنذ العام 1950 بدأ يتبلور مناخ من التوتر المتصاعد بين الكتلتين وتسمى فترة التوتر المشار إليها بـ «الحرب الباردة» ومن الأحداث التى برزت فى حلف شمال الأطلنطى هو استبعاد فرنسا من الجناح العسكرى لحلف شمال الأطلنطى فى مارس 1966، أمّا فى «حلف وارسو» فجرى قمع جيوش الاتحاد السوفيتى للثورة المجرية 1956 و«ربيع براغ» فى عام 1956 بوحشية.
 
أما الأحداث المهمة الأخرى خلال تلك الفترة فتمثلت فى إنهاء الحرب الأهلية اليونانية، و«ثورة القرنفل» البرتغالية، والتحول الديمقراطى الإسبانى أواخر عقد الثمانينات من القرن الماضي، وتراجع الصراع بين الدول الشيوعية والرأسمالية وانهار النظام الشيوعى فى دول أوروبا الشرقية، وتفكك الاتحاد السوفييتى عام 1991 بعد سقوط جدار برلين، وأدت نهاية الحرب الباردة إلى ظهور بعض الحركات القومية مرة أخرى، حيث إنها ظلت تحت وطأة أوروبا الشرقية، وانقسمت تشيكوسلوفاكيا سلميًا فى مستهل يناير 1993 لدولتين تحت اسم جمهورية التشيك وسلوفاكيا، أما تفكك يوغوسلافيا فكان دمويَا، ولقى نحو 50 ألف شخص حتفهم فى «حرب البوسنة» بين أعوام 1992 - 1995، واضطر مئات الآلاف للهجرة، لكن الحرب انتهت نتيجة عملية عسكرية شنها «حلف شمال الأطلسي»، وظهرت مشكلة عرقية أخرى فى يوغوسلافيا، وتحديدًا فى منطقة كوسوفو وثيقة الصلة بصربيا، فعندما قضت الأخيرة على استقلال كوسوفو عام 1990 أراد الألبان الذين شكلوّا أغلبية السكان الاستقلال، ونفذ الجيش اليوغوسلافى عمليات دامية ضد الألبان، وأدت لحرب كوسوفو بين عامى 1998-1999، وأعلنت الأخيرة استقلالها فى 17 فبراير 2008، كما كان تفكك الاتحاد السوفيتى أكثر دموية.
 
وتجدر الإشارة إلى «معاهدة روما» التى أبرمت فى 25 مارس 1957 التى شكلت الجماعة الأوروبية للطاقة الذرية، التى تسمى أيضًا «بيوراتو»، وفى ذات الوقت تأسست المجموعة الاقتصادية الأوروبية بمقتضى هذه الاتفاقية، ودخلت إنجلترا والدانمارك وجمهورية إيرلندا المجموعة كعضو كامل العضوية، وفى عام 1981 انضمت اليونان لتلك المجموعة، وفى عام 1985 انضمت البرتغال وإسبانيا، وأبرمت «اتفاقية تشنجن» لإلغاء الرقابة على الحدود بين الدول الخمس الأعضاء فى 14 يونيو 1985، وتبعت ذلك أهداف أبرزها بلورة سياسات مشتركة فى عدة مجالات مثل الزراعة والنقل والمنافسة، والتقارب فى السياسات الاقتصادية، وإنشاء الاتحاد الاقتصادى والنقدي، وانتهاج سياسة خارجية وأمنية مشتركة، وأبرمت «معاهدة ماستريخت» عام 1992، حيث أسست الاتحاد الأوروبى الحالى الذى اكتسب فى القرن الواحد والعشرين زخمًا مرة أخرى، وانضمت عدة دول بالكتلة الشرقية للاتحاد عام 2004 حيث حصلت على استقلالها بعد نهاية الحرب الباردة.
 
أوروبا والعرب.. وأمريكا
 
أما فى العصر الحديث فقد تبوأت منطقة الشرق الأوسط مرتبة متقدمة فى قائمة أولويات أوروبا على مدى حقب طويلة من الزمان، لما تمثله من أهمية محورية للقارة على شتى المستويات، خصوصا السياسية والاقتصادية، وفى المقابل تعد دول أوروبا سوقًا استثمارية مهمة لشتى دول الشرق الأوسط، وتمثل دول الخليج رابع أكبر سوق صادرات للاتحاد الأوروبى بحجم تجاوز 111.6 مليار يورو سنويًا، بينما بلغت قيمة الواردات الأوروبية من دول الخليج 44 مليار يورو، 70 % منها تتمثل فى النفط ومشتقاته.
وظلت علاقات أوروبا بالشرق الأوسط والدول العربية تحديدًا تتراوح بين اللحاق بالسياسة الأمريكية، ومحاولة الاستقلال والغموض، ومع دخول عقد التسعينيات بدأت أوروبا محاولات متتابعة لبناء سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط، على خلفية بروز تهديدات ومصالح جديدة فى المنطقة، لعل أهمها تصاعد المد الأصولى فى المنطقة ومستقبل الصراع الفلسطينى  الإسرائيلي، واحتمال تعرض إمدادات النفط القادمة إلى أوروبا من الخليج للانقطاع، ولعل رغبة أوروبا فى إصلاح الأوضاع فى العالم العربى تعد أقدم من المشروعات الأمريكية، وأكثر جدّية والتزامًا أخلاقيًا وحضاريًا.
 
وعقب ما يسمى «الربيع العربي»، لعبت أوروبا دورًا محوريًا بالمنطقة بعد المستجدات الأخيرة التى فرضت نفسها على الساحة الإقليمية وردود الفعل الأوروبية التى غردت خارج السرب الأمريكي، ودفعت الكثيرين للتساؤل حول إمكانية عودة دول أوروبا مجدداً إلى المشهد الشرق أوسطى كلاعب أساسي، وحول الآليات التى يمكن أن تعود من خلالها.
وبرغم محاولات بلورة سياسة خارجية أوروبية مستقلة، فإن دول القارة مازالت تعانى التبعية للسياسة الخارجية الأمريكية، خصوصا حيال ملفات الشرق الأوسط، فهى تفتقر للقيادة فى ظل تباين وجهات النظر بين دول الاتحاد، لكن هذا لا ينفى محاولات أوروبا العديدة للسعى نحو الاستقلالية فى مواقفها عن الولايات المتحدة، وهو ما تجسّد فى عدد من الملفات الدولية والإقليمية، وأبرزها الحرب الأمريكية ضد العراق، والاتفاق النووى الإيرانى وغيره.
 
وجاء الموقف الأوروبى من التطورات الأخيرة بالمنطقة مناقضًا للموقف الأمريكى ليطرح أسئلة حول إمكانية عودة أوروبا للشرق الأوسط مجددًا كلاعب أساسى مستقل فى قراراته وتوجهاته، خصوصا فى ظل توتر العلاقات بين الطرفين فى الفترة الأخيرة جراء التصريحات المسيئة الصادرة عن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ضد قادة وزعماء القارة وبعض تكتلاتها، واتضح تمايز الموقف الأوروبى مع الموقف الأمريكى فى تباين مواقف الطرفين حول أبرز الملفات العالقة فى المنطقة.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg