رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 25 ابريل 2019

المجلة



أوروبيون هبطوا من السماء

21-2-2019 | 23:27
عزمى عبد الوهاب

هذا ما نحتاجه من تلك القارة العجوز، التى استولت على مقدرات شعوب تنتمى إلى ما يسمى «العالم الثالث» نحتاج إلى العلوم والفنون والآداب، لا معامل البارود وأحدث مصانع تكنولوجيا الخراب المادى والروحى، نحتاج إلى مدام كورى، التى عكفت على تجاربها لخدمة البشرية، ولا نحتاج إلى قنبلة أينشتاين التى لا تزال اليابان تعانى منها، منذ الحرب العالمية الثانية حتى تلك اللحظة، نحتاج إلى تطوحات الشاعر رامبو، الذى صنع علاقة خاصة بين الشرق والغرب، نحتاج إلى موسيقى موتسارت وأفكار فولتير عن الحرية ومسرح موليير. 
 
أسطورة اسمها مدام كوري
كانت حياة مدام كورى ملهمة فى الواقع، فقد جاءت من أسرة بولندية فقيرة، وعملت لثمانى سنوات، لتقتصد النقود التى تدرس بها فى السوربون، وتغلبت على صعاب تفوق الخيال، وفى سنة 1893 كانت أول سيدة تحصل على درجة علمية فى الفيزياء من السوربون، وفى السنة التالية حصلت على درجة علمية ثانية فى الرياضيات، وكانت أول سيدة تحصل على منصب أستاذ فى السوربون، وأول سيدة تحصل على جائزة نوبل مرتين: الأولى فى الفيزياء بمشاركة زوجها وهنرى بيكيريل، لاكتشافهم ظاهرة النشاط الإشعاعي، أما الثانية فجاءت بعد ثمانى سنوات فى الكيمياء، لفصلها عنصرى البولونيوم والراديوم، وهى أول سيدة يتم انتخابها فى الأكاديمية الفرنسية للطب التى كان عمرها 224 سنة وقتها، بالإضافة إلى النجاح المذهل فى عملها، فقد تمكنت من تربية ابنتيها وحدها، معظم الوقت، حتى حصلتا على تعليم جيد.
هذه هى الحقائق التى تحولت إلى أسطورة اسمها "مارى كوري"، كما ترى "باربارا جولد سميث فى كتابها "هوس العبقرية" الذى ترجمه إلى العربية د. فتح الله الشيخ ود. أحمد عبد الله السماحي، فالناس يتذكرونها مثلما يتذكرون جان دارك، وهناك شوارع تحمل اسمها هى وزوجها بيير، كما أن ورقة العملة فئة 500 فرنك تحمل صورتها ومعملها (الكوخ البائس) وبعض المناظر من حياتها، وصورتها على طوابع البريد والعملة المعدنية، وكان يطلق على السيارات التى عدلت، لتحمل معدات الأشعة السينية اسم "كورى الصغيرة" كما شاركت فى صنع هذه الأسطورة الأفلام شبه الوثائقية والأفلام العادية.
تقول المؤلفة: "ما يشغلنى الآن بولع يقع فى المسافة ما بين الخيال والواقع، وربما مازالت مدام كورى الأسطورة أشهر امرأة عالمة فى العلم، ويعتبر الراديوم اكتشاف مدام كورى المذهل، وقد حظى باهتمام مهول فى معالجة السرطان من خلال أشعته، لكن فى الواقع هل هذا صحيح وهل كان ذلك هو مساهمتها الكبرى فى العلم؟ لا شك أنه على مدار القرن الماضى تحولت سيرة حياة مدام كورى إلى قمة الكمال، لكن وراء هذه الصورة كانت هناك امرأة حقيقية، إنها الشخصية التى أرغب فى تتبعها".
جاءت إحدى لحظات تكريم مارى كورى بعد موتها، ففى العشرين من إبريل سنة 1995 وفى باريس امتد بساط أبيض بطول أحد الشوارع، لينتهى أمام البانثيون (مقبرة العظماء) الذى كان مكسوا بالألوان الثلاثة (ألوان العلم الفرنسي) من العتبة حتى الرصيف، وعلى أنغام المرسليزيه (النشيد القومى الفرنسي) كان الحرس الجمهورى يسير على البساط الأبيض، وكان البعض ينثر الزهور عند مرور الموكب، الذى كان يتكون من أعضاء هيئة التدريس بمعهد كوري، فى المقدمة، يتبعهم طلاب المرحلة الثانوية من باريس.
عند اقتراب الموكب من المنصة المقامة تحت القبة الكبرى، التى جلس إليها بعض الوجهاء وعلى رأسهم الرئيس الفرنسى فرانسوا ميتران، وعلى الرغم من أنه كان يعانى من مرض السرطان الذى اشتد عليه فى الأسابيع الأخيرة من فترة رئاسته، إلا أنه قرر أن يكرس خطابه الأخير إلى رمز المرأة الفرنسية، حيث قرر أن يوارى رماد مدام كورى وزوجها فى البانثيون لما قدمته من إنجازات، وهكذا تم إخراج رماد آل كورى من مقابرهم بضاحية سيو، ليدفنا بجوار بعض الخالدين أمثال روسو وزولا وهوجو وفولتير وغيرهم.
 
بريخت المناضل ضد البربرية وتجار الحروب
إذا أردنا وصف برتولد بريخت الشاعر والمسرحى الألمانى (10 فبراير 1898 – 14 أغسطس 1956) فى بضع كلمات، فإنه الشاعر وكاتب المسرحية والأوبرا والفيلم السينمائى والقاص والروائي، والمخرج والمنظر للمسرح الملحمي، والمناضل الاشتراكى ضد البربرية وتجار الحروب، وفى سبيل العقل والحرية والسلام والأخوة البشرية وصنع عالم جديد يتوقف فيه الاستغلال والاضطهاد والفقر والجوع والظلم والاغتراب، وكان الدكتور عبد الغفار مكاوى هو أول من قدمه إلى العربية بترجمة إحدى مسرحياته التعليمية وهى "الاستثناء والقاعدة" عن الفرنسية فى سنة 1956 كما قدم عددا كبيرا من قصائده، وكان آخرها ما ترجمه ونشره تحت عنوان "قصائد من برشت هذا هو كل شيء".
فى تقديمه لتلك القصائد يقول مكاوي: "عندما فرغت فى منتصف الستينيات من اختيار هذه المجموعة وحتى صدورها بعد ذلك بسنتين، لم يكن تحت يدى فى ذلك الوقت سوى مجموعة صغيرة منتخبة من قصائد برشت وأغانيه، بجانب بعض مسرحياته فى طبعتها القديمة تحت عنوان "المحاولات" فاخترت منها حوالى ثمانين قصيدة وأغنية مما وجدته ملائما لذوق القارئ العربي، وما أملاه على ذوقى وطبعى وميلى إلى الحكايات الشعبية والأغانى الجماعية والأشعار المقتبسة من الحضارات العريقة كالصين ومصر القديمة، والقصائد التى تنزف بدماء الإنسان العادى ومواجعه، وتكشف عن بشاعة الحروب وفظاعة القتلة والسفاحين الذين يدبرونها ويتاجرون بها".
عاش بريخت حياة صبى برجوازى عادى، وتزعم "شلة" الأصدقاء الفوضويين الذين دأبوا على إزعاج المواطنين فى الشوارع بصخبهم وغنائهم، وكانت مقول التغيير تسيطر على حياته آنذاك، بحيث يمكن أن نجعل هذه العبارة – على حد تعبير مكاوى – شعارا له: "حذار أن تبقى حيثما كنت وكيفما كنت" ولم يكن يكتفى بالصراخ الأجوف احتجاجا على الواقع الفاسد، وظهرت كراهيته الشديدة للحرب فى القصيدة التى كتبها سنة 1918 وهى "خرافة الجندى الميت" التى ضمنت له فى العشرينيات مكانا مرموقا فى القائمة السوداء التى أعدها النازيون للكتاب والشعراء الذين اتهموهم بالخيانة والانحلال وأحرقوا كتبهم، ويقال إن تلك القصيدة كانت وراء تجريد النازيين له من الجنسية، بسبب سخريته فيها من العسكرية الألمانية.
غير بريخت مكان إقامته وأخذ يهيئ نفسه للانتقال من ميونيخ التى عاش وعمل فيها حتى سنة 1924 إلى برلين التى سيعقد فيها أواصر صداقات عديدة، ويقدم بعض أعماله الدرامية للعرض على مسارحها، وتأتى سنة 1926 بأهم تحول فى حياته، وإن كان هذا التحول قد جاء نتيجة طبيعية لتصوره للواقع وتغلغله فى حياة الطبقة الدنيا ومتاعبها ومآسيها اليومية، بحيث أصبح إنتاجه فى هذه المرحلة بالذات حتى سنة 1931 وفيما بعدها مرآة لعصره وتعبيرا عن تفاعله مع القضايا الواقعية والمشكلات الملحة بعد أن بقى بصورة أو بأخرى مرتبطا بحياته الشخصية.
قيل عنه إنه لم يكن يكف فى هذه الفترة عن الاختلاط بالعمال، وأنه كان يتعمد أن يظهر بينهم بملابس عمالية فقيرة مبقعة وملطخة بالشحم والزيت، بل يزعم صديقه الحميم إرنست بلوخ أنه ابتكر آلة فضية معقدة لتلويث أظافره حتى يثبت انتماءه للعمال، وانشقاقه عن طبقته البرجوازية، والمعروف أنه لم ينضم إلى أى حزب من الأحزاب التقدمية الكثيرة فى العشرينيات، ولم يثبت أنه شارك بأى نشاط عملى فى التنظيمات العمالية أو فى الحياة السياسية والاقتصادية المضطربة قبل انهيار حكومة فيمار بعد سنة 1930 كل ما يمكن قوله – كما يقول مكاوى – إن بريخت حرص على البقاء بالقرب من العاديين، ومن أهم معالم هذا التحول البارز أنه أقبل على قراءة ماركس، وتعلم الكثير من الماركسية، ولم يكن اعتناقه الماركسية مرتبطا بأدلجة الأدب والفن.
عندما استولى النازيون على السلطة اتجه إلى الدانمارك، وتحول إنتاجه فى الغربة التى استمرت قرابة الخمسة عشر عاما، تحولا تاما إلى مكافحة الفاشية وجند لذلك كل موضوعاته وإمكاناته اللغوية والشعرية، وأمام هذا الزحف النازى اضطر بريخت إلى الهرب إلى السويد ثم فنلندا (1940) حيث أقام فترة قصيرة واستخرج جواز سفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية التى سافر إليها عن طريق الاتحاد السوفيتي، ولم يخطر بباله أن يلجأ إليه كما فعل غيره بسبب اعتباره ماركسيا منشقا فى نظر الستالينيين المتشددين.
كانت الحرب قد انتهت وبدأت شقة الخلافات فى الاتساع بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، ما حمل الأمريكيين على الخوف من كل ما هو أحمر، واستدعى بريخت أمام لجنة التفتيش الشهيرة (المكارثية) وأعد مرافعة أكد فيها أنه لم يشارك أبدا فى أى نشاط حزبى وأنه كتب ما كتبه من مسرح وشعر ضد هتلر وعصابة القتلة من حوله، بدافع أدبى خالص، انطلاقا من ضميره الحر كشاعر وكاتب ، وبدأ فى اليوم التالى مباشرة الاستعداد للرجوع إلى بلاده هربا من جحيم المنفى.
 
موليير طريد الكنيسة حتى آخر العمر
حياة "موليير" لا تزال موضوعا لكثير من الآراء المتناقضة، وربما كان من العوامل التى لا تعين على معرفة الكثير عنها بالدقة، خلو إنتاجه من التفاصيل، التى تتعلق بها، فكل ما نعرفه عن طفولته وصباه هو أنه ولد فى باريس، وأن أباه كان يجمع بين الاتجار فى السجاد ووظيفة خادم الملك، ودرس على يد اليسوعيين ثم درس الحقوق، واشتغل بالمحاماة فترة قصيرة، لم يترافع خلالها سوى مرة واحدة، ثم اندفع نحو المسرح بميل طبيعى لم يستطع مقاومته، ويقال إنه فقد أمه وهو فى الحادية عشر من عمره وأن أباه كان بخيلا، وجده لأمه هو الذى غرس فيه حب المسرح، إذ كان يصطحبه دائما إلى المسارح التى يغشاها.
ويقال إنه حين قرر التفرغ للمسرح لقى معارضة شديدة من والده، لكن فى يونيو 1643 اتفق مع ثلاثة أفراد من أصدقائه على إنشاء فرقة مسرحية أطلقوا عليها اسم "المسرح الفخم" وكان موليير مديرها الفعلى بالرغم من حداثة سنه، وأصيبت التجربة بالإخفاق، وتراكمت الديون على أفرادها، ويقال إنه سجن مرتين بسبب تلك الديون، وكانت هناك رعاية غامضة تؤدى إلى سرعة الإفراج عنه، وجمعت الفرقة أمتعتها ولاذت بالريف فى أواخر عام 1645 ولم تعد إلى باريس إلا بعد 13 عاما، وفى إحدى جولات الفرقة حصل موليير على إذن من دوق أورليان، شقيق الملك، بأن يمثل فى باريس أمام الملك، وفى 24 أكتوبر 1658 قدمت الفرقة فى قصر اللوفر مأساة لكوزي، وملهاة هزلية من تأليف موليير، وأعجب لويس الرابع عشر بالفرقة فسمح لها بأن تستقر فى باريس، وبأن تسمى نفسها "فرقة شقيق الملك" وأن تقدم حفلاتها فى مسرح البوربون الصغير، وظل موليير يمثل فيه إلى أن مات.
كان موليير يتصف بأنه ليس بالضخم ولا بالنحيف، أقرب إلى الطول منه إلى القصر، يمشى بخطى ثابتة، أنفه وفمه كبيران، شفتاه غليظتان، لونه خمرى حاجباه كثيفان، دمث، مجامل كريم، وقد أكدت هذه الصفات شهادات المعاصرين له، ومنها أيضا انه كان معتل الصحة، تعسا فى حياته الزوجية، ويحكى أنه كان كريما حد السخاء، يقال إنه صادف فى طريقه رجلا معوزا، فدس فى يده قطعة نقود ولم يكد يدير ظهره حتى نظر الرجل إليها فوجدها من الذهب، فأسرع إلى موليير وقال له: "لعلك لم تتعمد إعطائى هذه القطعة الذهبية، ولذا فإننى أردها إليك" لكن موليير رد عليه قائلا: "خذ يا صديقى هناك قطعة أخرى"، وصاح قائلا: "أين ستعشش الفضيلة؟".
لقد وهب موليير موهبة دقة الملاحظة منذ صباه، ومن هنا جاءت شخصيات مسرحياته مليئة بالحيوية ومثيرة للمتعة، فقد كان يدير أكبر فرقة مسرحية فى باريس، ويؤلف فى المسرحية تلو الأخرى (ثلاث مسرحيات فى النصف الأول من عام 1668) ويقوم بتمثيل الدور الأول فيها وكل ذلك فى جو خانق، يضاعف تسممه التهاب رئوى وسعال حاد منقطع، وقبل وفاته بشهرين أشفق عليه أحد أصدقائه، وحاول إقناعه بالكف عن التمثيل والاكتفاء بالتأليف، لكن موليير رفض أن يتخلى عن فرقته إلى أن مات فى 17 فبراير 1673.
اشتدت العلة على موليير وهو يقوم بدوره بشكل لحظه الجمهور، لكنه بذل مجهودا مكنه من مواصلة دوره حتى نهايته، وهنا نقل إلى بيته، ولم يكد يأوى إلى مضجعه حتى أخذ سعاله يتضاعف فى عنف أدى إلى انفجار أحد شرايين رئتيه، ففقد النطق، وتدفق الدم من فمه، ثم قضى نحبه، وظل رجال الدين حانقين عليه حتى بعد وفاته، إذ ظلت مسرحيته "طرطوف" ماثلة فى أذهانهم تباطأ القس الذى استدعى فى المجيء، ولم يصل إلا بعد إلحاح طويل، وبعد أن فارق موليير الحياة، ورفضت الكنيسة أن يدفن فيها، فاضطرت زوجته إلى الالتجاء للملك ملتمسة منه التدخل لدى كبير أساقفة باريس، وأذنت الكنيسة بالدفن على أن يتم ليلا دون صلاة على الجثمان ولا احتفال ديني، وكانت حياته قد اكتملت وهو فى عمر الواحد والخمسين.
موليير صانع الفن الكوميدى الحقيقى فى فرنسا، ومع ذلك كان يميل إلى التراجيديا، ربما يعود ذلك إلى تعاسته فى الحياة، وكان يختلف عن كل من سبقه من كتاب المسرح، وقد تصدى للعيوب التى تصيب البشرية فى جميع البلاد والأزمات، حيث كتب قرابة ثلاثين مسرحية، منها البخيل، المتحذلقات الضاحكات، طرطوف، المتزمت، البرجوازى الشريف، النساء العالمات، مريض الوهم، وقد قال أحد النقاد: "إن وجه موليير وإنتاجه يظهران فى القرن السابع عشر، ثم يخرجان منه، إن فكره يتخطى هذه الحدود لأنه عالمي" بل إن هناك من قال: "إن موليير لا يتبع أى شعب من الشعوب إنه عبقرية الكوميديا على الإطلاق، وقد قدر لها أن تظهر فى فرنسا".
وكان جوته يعيد قراءة إنتاج موليير كل عام ويقول "إنه من العظمة بحيث يشعر الإنسان كلما أعاد قراءته بدهشة جديدة، إنه رجل كامل وفريد" وإذا كانت الأكاديمية الفرنسية قد بخسته حقه فى حياته، إذ أغفلت ضمه إلى زمرة أعضائها، فقد أحست بعد مماته بالخسارة الفادحة التى لحقت بالأدب والمسرح والفن الإنساني، وقد أجبرها على الاعتراف به بعد أزمات فأقامت له تمثالا نصفيا كتب عليه: "لا شيء ينقص مجده، لقد كان هو ينقص مجدنا.
 
مأساة "موتسارت" عبقرى الموسيقى
"موتسارت" عبقرية موسيقية أضاءت عالم النغم، ولم يخب شعاعها بعد رحيله، ويقدم لنا "آلويز جرايتر" فى كتابه "فولفجانج اماديه موتسارت" حياة هذا الموسيقار ومؤلفاته، فيما لا يزيد على 150 صفحة، ونتبين من طريقة عرضه حرصه على نقده، ثم الدفاع عنه على الفور، وهذا يبين مدى عشقه لهذا الفنان.
كان موتسارت الإنسان يجمع فى شخصيته بين متناقضات عديدة وعجيبة، يندر أن نجد لها نظيرا بين الموسيقيين الآخرين، كن انطوائيا ولا يطيق الوحدة فى نفس الوقت، حاد الذكاء ومتوقد الذهن، ومبذرا لدرجة السفه، قادرا على خلق شخصيات لأوبراته، تدل على فهمه للطبائع، ويصدق الأفاقين، وينقاد بسهولة عندما يقومون بتملقه، كان جادا ومهرجا بصورة تصل إلى الهذيان، كانت فيه سمات طفولية وتقبل روائى لواقع مرضه واقتراب ميتته يدل على نضج عميق.
أيضا حياة موتسارت العاطفة بتقلباتها وتناقضاتها ابتداء بحبه لإلويزيا فيبر التى كانت تزدريه، ولم تدرك أنه عبقرى إلا بعد وفاته، وانتهاء بزواجه من أختها غير الموهوبة والخليعة، وما كان لهذا الزواج من تداعيات، ونأتى أخيرا إلى صنعة موتسارت وأسلوبه فى التأليف وخصائص موسيقاه، وما فيها من دنيوية وروحانية، وحذق فى التعامل مع الطباق وغيره من ضروب الهارمونية وقدرته على استخراج إمكانات الآلة، وأوبراته التى قال عنها فاجنر فى يوم من الأيام: إن ميلاد الأوبرا الألمانية يبدأ بهذا العمل "اختطاف من السراي".
يجسد موتسارت مأساوية حياة جل عباقرة الموسيقى الألمان، وإن اتصفت حياته بقدر أكبر من العذاب، فقد أنكروه، ومات فى ريعان شبابه فقيرا معدما، بعد أن فتك تسمم البولينا بجسمه، ودفن فى مقابر الفقراء، ففى يوم حزين من ديسمبر 1791 أسلم موتسارت الروح، وكفت القيثارة عن العزف إلى الأبد، بعد أن داسوها بأقدامهم وهجروها.
ولنا أن نتساءل عما كان يدور فى نفس موتسارت فى الأيام أو الساعات الأخيرة التى سبقت وفاته، هل كان الدمع يترقرق فى عينيه كلما تذكر ما حاق به فى رحلته فى الدنيا؟ أم تراه كان يشعر بالراحة لأن الموت سيخلصه من آلامه ومعاناته؟ هل كان يحس بأن الأجيال المقبلة ستدرك عظمة موسيقاه؟
إننا لا تستطيع الإجابة عن أى من تلك الأسئلة ولا يوجد بيننا من يستطيع الإجابة عنها، ويكفى أن تقول إنه ولد عبقريا وعاش مبدعا، أثرى الموسيقى، مخلفا وراءه تركة تتجاوز بخصائصها الآلام والجحود والنكران، لتهدى عالم الأنغام أثمن ما يمكن ان يهديه أى مبدع، موسيقاه التى لا تزال وستظل تمتع البشرية إلى نهاية الزمن.
 
فولتير أهم مميزات القرن الثامن عشر
بلغ فولتير (1694-1778) فى عصره من الشهرة الواسعة والمكانة المرموقة، ما لم يبلغه أى كاتب قبله أو بعده، حتى أصبح علما على عصره، ورمزا له، وليس فى مستطاع إنسان أن يتصور القرن الثامن عشر، دون فولتير وتأثيره، وقد كتب عن فولتير من زوايا عدة، وتناقضت الأحكام فى تقدير أدبه ومنزلته بين كبار المفكرين، فقد كان الرجل متعدد الجوانب، وتناول فى حياته موضوعات شتى، وهو نفسه يكاد يكون خلاصة حياة عصره.
وصفه فيكتور هوجو فقال: "إن ذكرت اسم فولتير فقد ذكرت أخص مميزات القرن الثامن عشر من أوله إلى منتهاه، وقد اختصت إيطاليا بعصر النهضة، واختصت ألمانيا بعهد الإصلاح اللوثري، لكن فرنسا اختصت بفولتير فقد كان يضم النهضة والإصلاح ونصف الثورة الفرنسية".
وقال لامارتين عنه: "إن الأقدار قد وهبته عمرا قد جاوز الثمانين، فاستطاع ان يقضى على فساد عصره وقد مكنه عمره الطويل أن يحارب الزمن، فلما سقط فى هرمة الوغى كان سقوطه سقوط الظافر المنتصر، ويوم وقعت عينا لويس السادس عشر - وهو فى سجنه- على مؤلفات فولتير وروسو قال: إن هذين الرجلين قد أوديا بفرنسا، وهو يقصد بفرنسا أسرته بالطبع.
وكان من أكبر عوامل نجاح فولتير ما عمد إليه الرقيب من مصادرة كل كتب فولتير تقريبا، وما اتبعه رجال الشرطة من وقف تمثيل مسرحياته فى الليلة الثالثة من عرضها، وكان من نتيجة ذلك ان كانت المسارح تغص بالفرنسيين فى ليالى الافتتاح، وأن كتبه كانت تباع وتقرأ كأنها مطبوعات صادرة من مؤسسة تختفى تحت الأرض عن أعين الرقباء، وتسربت الكتب إلى الأقطار المجاورة فطبقت شهرة فولتير هذه الآفاق الجديدة.
وكانت التهمة الرسمية الملصقة به أنه يفسد الأخلاق والمبادئ العامة، لكنها لم تشر أى إشارة إلى الخروج عن الآداب، كأن المبدأ وقتذاك أن التهجم على الحكومة وانتقاد أعمالها يعدان من أسوأ ضروب (المنافاة للشرف والآداب).
ليس هناك شك فى ان تأثير فولتير فى عصره كان كبيرا، ففى عالم الأدب نراه يؤثر بوجه عام بذوقه ولسانه، فالعقول التى يكونها تتمتع بذوق سليم، وكان له اتباع يحتقرون الكتاب الرومانتيكيين، أما فى عالم المسرح فإن معاصريه يضعونه فى مصاف راسين وكورني، وأما فى التاريخ فإن تأثيره قد تجاوز فرنسا، فقد ألّف مدرسة للمؤرخين الفلاسفة، الذين يعاب عليهم بأنهم ضحوا بالوقائع فى سبيل التفكير، كما ضحوا بأبحاث النقد فى سبيل الحزبية، وقد تجلى تأثيره الكبير فى رسائل الهجاء والصحافة، فقد كان أستاذا فى فن السخرية اللاذعة، وأخذوا عنه فن المراوغة وطريقة المواضيع المهمة المعقدة بما يجعلها بسيطة.
ومجمل القول إن فولتير قد أثر على عصره بتنمية روح النقد فى الجماهير، فقد استعرض أمامها جميع الوسائل الإدارية والحكومية والمواضيع السياسية والدينية والقضائية والاقتصادية، وكان تأثير فولتير عندما اندلعت الثورة الفرنسية كبيرا، ولم يكن تأثيره فى خارج فرنسا بأقل من تأثيره بداخلها، فقد كان صداه يتردد فى إسبانيا والبرتغال، وتجاوزهما إلى ألمانيا وإيطاليا، فقد كانت الحاجة ماسة إلى الإصلاح الاجتماعى والحرية والوحدة كان من أقسى حملات فولتير رسائله النقدية، فأرسطو مرفوض لأنه صاحب مذهب مستغلق غامض، ما جعل تلاميذه يفسرونه على وجه، أما ديكارت فقد ولد لاكتشاف أغاليط القرون القديمة لكنه استبدل بها أغاليطه، ذلك انه سار فى منهاج يعمى أعاظم الناس، وكانت أشد حملاته ضد معاصريه من الفلاسفة، خصوصا ضد جان جاك روسو، ففى إحدى رسائله يقول إنه لا يحب آثاره ولا شخصه، ويصفه بانه "ممسوس، مجنون، صبي، مسخ، يجمع بين الخيلاء والانحطاط والفظاعات والمتناقضات".
ويبدو أن تلك الشتائم عائدة لرفض فولتير مبدأ روسو الشهير "إن من الخير للإنسان العودة إلى الحالة الطبيعية التى كان يعيش فيها قبل أن ينتقل أى الحياة المدنية التى يعيش فيها"، ويعبر عن رفضه لمبدأ روسو قائلا: "كيف يمكن القبول بمبدأ إذا سرنا على حرفيته يجعلنا نؤمن بما يتمتع به رجل الطبيعة من طيبة كاملة وسعادة كبيرة، إن الإنسان المتوحش كما يعرفه الرحالة مخلوق بائس، كيف يمكن القبول بمبدأ يجعلنا نلعن المدنية ونرفض حسناتها ونقبل أن نسير على أربع؟!
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg