رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 25 ابريل 2019

مقالات



أردوغان يعتدى على سيادة سوريا

27-2-2019 | 18:01
أكثم نعيسة

سأتكلم عن ثلاث حالات  أفرزتها  الأزمة السورية مرتبطة  ببعضها البعض ونسلط الضوء عليها فى الوقت الراهن.
المنطقة العازلة، اتفاقية أضنة، البديل.

المنطقة الآمنة أساسا مقترح تركي، طرحته تركيا إثر إعلان ترامب عن عزمه انسحاب قواته من شمال شرق سوريا، واللغط السياسى الذى أثاره هذا الإعلان، وردود الأفعال المختلفة التى صدرت هنا وهناك، تتمثل المقاربة التركية للوضع فى شمال وشرق سوريا، بإعلانها عن تحشيد قوات عسكرية لاجتياح مناطق شمال شرق سوريا، بذريعة حفظ حدودها الجنوبية من حزب العمال الكردستانى وحزبpyd ، الذين ترى فيهما حزبين فى حزب واحد وكلاهما إرهابى ويهدد أمن تركيا، فإن الرفض الأمريكى والروسى لفكرة الاجتياح دفع تركيا إلى اقتراح فكرة المنطقة الآمنة تحت السيطرة التركية بعمق 32 كم داخل الأراضى السورية، تضمن لتركيا حدودها الجنوبية وفقا لمزاعمها، إضافة إلى تذرع تركيا بأنها ستحول تلك المنطقة إلى مأوى للاجئين  يرفضون العودة إلى  سوريا فى ظل النظام الراهن؟

قوبل هذا الموقف التركى برفض  شامل من جميع الأطراف المؤثرة فى الأزمة السورية ومن النظام السوري، ومن الحركة الكردية فى شمال سوريا، وأيضا من قبل مكونات سورية غير كردية، لما تمثله هذه الفكرة من اعتداء على السيادة السورية، الذى يضمر بما لا يقبل الجدل احتلالا جديدا لأراض سورية.
تكمن الأبعاد الحقيقية فى المقترح التركى للمنطقة الآمنة فى ثلاث نقاط:
إنه يحقق لتركيا مطامع قديمة تضمنها ما يسمى الميثاق المللى 1923، الذى يتكلم عن أجزاء مقتطعة من الدولة العثمانية تتوجب إعادتها إلى الوطن العثمانى الأم، وفيها أجزاء من سوريا ومن أرمينيا ومن دول أوروبية مجاورة بما فيها اليونان.

النقطة الثانية  أن تركيا، واقعيا، قد احتلت أجزاء حدودية مهمة من سوريا تبدأ من شمال اللاذقية غربا إلى جرابلس وعفرين والباب وإدلب، إعزاز باتجاه الشمال الشرقي، وتقوم بعمليات تغيير ديمغرافية داخل بعض هذه المناطق، وأيضا تغيير ثقافى وسياسى وتفرض على الأهالى مناهج تعليم تركية وإجراءات إدارية وأمنية وقانونية تركية، أيضا بما يجعل من وجودها هناك احتلالا كاملا  ينبئ بطول  أمد الإقامة، ولم يتبق من كامل الشريط الحدودى سوى منبج وتل أبيض، عفرين  الدراسية وكوبانى  باتجاه المالكية ليستتب لها الأمر فى احتلال شمال سوريا كاملا غير منقوص.
النقطة الثالثة أن عمق 32 كم فى شمال سوريا، وتحديدا فى المناطق الإدارة الذاتية يعنى تماما قضم أكثر من نصف أراضى الإدارة الذاتية، وتحديدا تلك التى يمثل فيها الأكراد غالبية فى عدد السكان، وبالتالى تضمن من خلال ذلك القدرة على السيطرة على أى تحرك كردى مناهض لها مستقبلا.

إن مساحة الأراضى السورية التى تنوى تركيا الاستيلاء عليها تمثل مساحة لبنان لأكثر من ثلاثة أضعاف،  وإذا ما أضفنا إليها مساحة لواء إسكندرون المغتصب، تصبح المساحة الكلية المحتلة تقريبا تفوق الستين ألف كم مربع؟

لذلك كان من الطبيعى أن ترفض القوى الكردية هذا المقترح وتعتبره مقدمة لعملية إبادة جماعية بحقهم ،وكذلك المكونات السورية الأخرى، ومن جهته فإن النظام السوري، الذى على ما يبدو لا يأبه كثيرا لمسألة احتلال أراض سورية، بقدر  ما يهمه البقاء والاستمرار ولو فى دولة صغيرة بادعاء أنها سوريا المفيدة والمنسجمة، فإنه وبقبوله بالمنطقة الآمنة سوف يفقد كثيرا من آبار النفط والغاز والثروة الزراعية، من جهة، وسيغضب حليفه الإيرانى أيضا من جهة أخرى الذى يرى فى المنطقة الآمنة فى شمال شرق سوريا، خطة لقطع  أحد شرايين مشروعه الجيوسياسى الممتد من طهران إلى لبنان، وأيضا حليفه الروسي، والذى يرى فى مشروع المنطقة الآمنة، وفى المدى الإستراتيجى مناهضا للسياسة الروسية فى ضم سوريا إلى النفوذ الروسى باعتباره لها موقعا متقدما بمواجهة حلف الناتو، وعلى المدى المنظور يضعف من قدرته على التفاوض على موضوع إدلب،  ويقلب ميزان القوى لصالح القوى المتطرفة  فى إدلب أو فى غيرها من المناطق، وهو بذلك يلتقى مع وجهة نظر النظام ويتقاطع معها فى أهمية إضعاف هذه القوى، وتقييد حركة تركيا فى إدارة عملية الابتزاز السياسى بورقة إدلب.

بالنسبة للأكراد، أضعف موقفهم هذا إلى حد كبير خيار الإدارة الأمريكية فى  الانسحاب من سوريا، إذا وافقوا فيما بعد على قيام هذه المنطقة لكن بإشراف دولي.. ربما سيتأتى هذا الموقف من مبدأ ساذج سياسيا مفاده أن السيئ أفضل من الأسوأ.. وعلى ما يبدو أن بعض الأطراف الدولية قد تقبل بهذه الصيغة، فهى من جهة تشمل إرضاء نسبيا لتركيا، ومن الجهة الأخرى لن تغضب الأكراد أو النظام السوري، برغم أننى أرى أنها لن تكون أكثر من حالة مؤقتة وهشة لابد أن تنهار بعد قيامها بفترة قصيرة، والمطامع التركية التى لن تقبل لاحقا  أو ترضخ لعملية كبح شهوة  جماحها العسكرى والسياسى فى اجتياح الشمال السوري.

المعلومات الأخيرة تشير  إلى أن أمريكا ستبقى نحو 200 من جنودها فى شمال شرق سوريا، كقوات سلام، وبرغم أهمية هذا الموقف فى ردع تركيا من إجراء مغامرة عسكرية خطيره باتجاه تنفيذ مطامعها فإنها غير كافية، فتعقيدات الوضع فى الشمال تتطلب  قدرا أكبر من المسئولية الجدية التى تقع على المجتمع الدولى وأمريكا خاصة، ومع المؤشرات الأخرى التى تدل على أن الوضع لن يسمح لتركيا بالقيام بمغامرة باتجاه منطقة آمنة، وأيضا لن تقوم تركيا بإجراء أى تفاوض مع الإدارة الذاتية أو الأحزاب الكردية فى شمال سوريا بسبب بسيط أنه ليس لدى الأكراد الأوراق التى تغرى تركيا بالتفاوض عليها، وفى ذات السياق وبنفس الأسباب لن يكون هناك أى تفاوض أو حوار بين الأكراد والنظام السوري.

لم تكن اتفاقية أضنة بالاتفاقية التى تتوافر فيها شروط انعقاد الاتفاقيات الدولية المعهودة، فلقد أبرمت فى عام 1998 بين مسئولين  أمنيين سوريين ومسئولين أمنيين أتراك، بمعنى أبرمت بين سلطات أمنية تنفيذية لا تمثل الدولة السورية بكامل سيادتها، ومن حيثيات الاتفاق يمكن لنا أن نلاحظ أنه اتفاق إذعانى بالنظر إلى الظروف التى انعقد فيها، فسوريا كانت حينذاك تأوى عبدالله أوجلان العدو الأول لتركيا وكان حزبه يقوم بعمليات عسكرية موجعة ضد القوات التركية، ووصلت العلاقات التركية السورية إلى أسوأ مستوى لها، حيث دفعت تركيا ببعض عملائها داخل سوريا إلى القيام بعدة عمليات تفجير فى مدينة اللاذقية، ووصل التصعيد بين الطرفين إلى مستوى أن هددت تركيا بمهاجمة الأراضى السورية، إلى أن تم تدخل بعض القوى الدولية، حيث أفضى إلى اتفاقية، أو بالأحرى أذعنت سوريا لمطالب تركيا فيما يسمى اتفاقية أضنة، ووافقت على السماح للقوات التركية بالدخول إلى الأراضى السورية بعمق 5 كم لمطاردة حزب العمال pkk أو الـ pyd”حيث اعتبره الطرفان حزبا ارهابيا يستوجب ملاحقته والحد من نشاطه هو وأتباعه فى كلا البلدين “ وأيضا نص الاتفاق على بند يؤكد أنه فى حال تنفيذ هذه الشروط فإن الخلافات الحدودية السورية التركية لا مكان لها، بما يضمن تنازل الطرف السورى عن لواء إسكندرون، هذه الاتفاقية فى حقيقتها القانونية باطلة لأنها اتفاقية أذعن فيها الطرف السورى لمطالب الطرف التركي، وأيضا من أن من وقع على هذه الاتفاقية لم يكن ذا اختصاص، وأن أية اتفاقية دولية يجب أن تراعى وفقا للدستور مجموعة قواعد وإجراءات منها موافقة المجلس النيابى “أو مجلس الشعب” أو طرحها على استفتاء عام بما يخص موضوع التنازل عن السيادة وغير ذلك، وكذلك هى اتفاقية ساقطة سياسيا، لأن تطبيقها سيسمح  للجيش التركى والإدارة التركية أن تسرح وتمرح ضمن أراضى سوريا، ضاربة بعرض الحائط مبادئ ميثاق الأمم المتحدة حول مفهوم السيادة لأعضائها، وبرغم ذلك فإن الحكومة السورية، أبدت كثيرا من الليونة تجاه تطبيق هذه الاتفاقية التى  تضع السيادة السورية على محك خطر، ومن ناحية أخرى فإن تنفيذ هذه الاتفاقية فلا هى ترضى الطمع التركى من طرف،’ ومن الطرف الآخر ستحرج النظام السورى أمام الشعب السوري، وتسيء لسمعته فى كونه  نظاما مقاوما، وكذلك ستغضب أكراد شمال سوريا وحلفاءها كونها تعطى لتركيا حقا ليس لها.

أمام هذه المنظومة من التعقيد المتصاعد يصعب الحديث عن حل نهائى للأزمة السورية بعامة، وحتى إنه يبدو أن الحديث عن حلول للقضايا الجزئية بات مضطربا وغير مستقر ، حيث تطرح مجموعة من الخيارات بحلول جزئية أو لقضية واحدة ، ويتم الانتقال من خيار إلى آخر بصورة شبه عشوائية، مما يعكس ارتباك المطابخ السياسية الدولية والإقليمية فى إيجاد حلول حاسمة للأزمة برمتها، أو لما ينجم عنها من قضايا جزئية، وتبدو كل الخيارات تدعو إلى إطالة أمد الأزمة بدلا من إيجاد حلول لها أو التقدم بخطوات عملية  لإيجاد حلول لها، فى كل الأحوال يمكن الاستنتاج من كل هذه التحركات والمؤتمرات واللقاءات المعلنة وغير المعلنة، أن الحركة الكردية خاصة، والإدارة الذاتية عامة قد أصبحت جزءا لا يمكن إغفاله أو القفز فوقه فى عملية حل الأزمة السورية.

من الصعب جدا تصور حلول حاسمة للوضع فى سوريا، فإننى وفى السياق العام  فى عمليات البحث أرى أن الدعوة إلى مؤتمر وطنى سورى يضم جميع القوى الوطنية الديمقراطية ربما يسهم وإلى حد كبير فى تعجيل مسار حل الأزمة، ويسهم  أيضا فى إيجاد حلول للقضايا العالقة، وتصبح مقاربة الأزمة السورية أكثر أصالة وحقيقية وشفافية  مما هى عليه الآن.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg