رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 24 مايو 2019

مقالات



قامت على الصراع القبلي .. الدولة القرصان.. واقتصاديات السطوة

7-3-2019 | 21:44
إيهاب سمرة

بانهيار الليرة التركية اضطر البنك المركزى التركى لرفع سعر الفائدة إلى 24 %  مما شكل كمينا قاتلا للمستثمر 
 
بدأ القرصان فى تكوين ثروته بالطريقة الوحيدة التى يعرفها بالتنطع على منجزات الأمم الملاصقة 
 
إذا كانت الجغرافيا تصنع التاريخ، فمجريات التاريخ بالحتمية تصنع المذهب السياسى والاقتصادى والاجتماعى لدولة ما، وباستعراض (حركة التاريخ) من منظور اقتصادى يجدر بالذكر أن (فكرة) تركيا بدأت فقط فى القرن الحادى عشر وحتى القرن الرابع عشر الميلادى.
 
تراوحت حالة الإقليم المسمى لاحقا، بترخيا ثم تركيا بين تصارع قبائل الأوغوزالمقاتلة على أراض كان يقطنها مزارعون مسالمون، وبأسلوب هو النموذج المنسوخ منه أسلوب (الاستقطاع ) العسكرى الفج لاحقا. 
 
تلك القبائل المحاربة من الرعاة ارتحلت فاقدة للثروة بعد هلاك قطعانها جفافا وفاقدة للتحضر لا تملك سوى سلاحها ونظامها الهمجى، فوصلت إلى أراض يزرعها مسالمون وتمر منها قوافل التجارة بين أوروبا وآسيا.
 
لم تجد تلك القبائل (وظيفة) لها سوى فرض السطوة وإشاعة الرعب بين القرى المسالمة وعلى طرق التجارة التى كانت آمنة قبل حلولها، سيطر المغول لنحو ثلاثة قرون على أراضى تركيا فى صراع مع دويلات سلجوقية، والعجيب أن أغلب المتصارعين اعتنقوا الإسلام دينا.
وكم عانى المسلمون تحت حكم المغول و السلجوقيين وما شابههم.
 
فى القرن الرابع عشر الميلادى أنهكت الحروب أغلب القبائل المتصارعة، وبفكر قرصان مرتحل قرر أن يبنى لنفسه (مغارة كنوز) شرعت قبيلة بيلق عثمان (أصل تسمية الدولة العثمانية) فى بناء مغارة كنوزها، وبدأ القرصان فى تكوين ثروته بالطريقة الوحيدة التى يعرفها بالتنطع على منجزات الأمم الملاصقة للأناضول فسلب المنقول أولا، لاحقا كان سلب الموارد ومنها العمال المهرة المنتجون، فكان استقرار عاصمة الدولة القرصان فى البداية فى إسطنبول وبداية تهجير العمال المهرة من القاهرة وبغداد ودمشق ولبنان وأرمينيا وجورجيا ورومانيا أولا.
 
ولا يكف القرصان عن أسلوبه المعتاد، فيشرع فى السيطرة على مزيد من الموارد بطريقة القفزات الضفدعية ولا بطريقة الزحف، فالقرصان لا يستهدف نشر دعوة أو فكرة أو حتى تأمين نطاقه ليزحف كما فعلت الأمم السابقة من يونان ورومان وعرب .. لكن القرصان كان (يسطو) على نقاط الثروة ومراكز الصناعة والتجارة فقط، ويكتفى بعد سلب المنقول والعقول بتعيين (والى) على الأرض يتولى استدرار الموارد موسميا من البقاع المبتلاه بسيطرة التركى وإرسال (مقطوع) منها للباب العالى (وأظن هذا المقطوع الموسمى هو السبب فى تسمية التكسب بفرض السطوة على المزارعين بالإقطاع فى اللغة العربية) .. ويدور الزمان بحوادثه ويتعمق الاتصال بالأفكار الإنسانية الجديدة، من ثورة بلشفية على الحدود الشمالية والشرقية إلى حركات تحرر ما بعد الثورة الفرنسية، فتنشأ الجمهورية التركية عام 1923 على يد كمال أتاتورك وأتباعه، وهنا يبدأ عقد اجتماعى جديد، فيه تغير ترخيا (تركيا) جلدتها مرة أخرى فتتغرب بعد أن تعربت، وتمضى فى اتجاه المدنية متخلية عن (فكرة إسلامية) فقدت جاذبيتها وانخفض عائدها المادى.
 
منذ العام 1930 بدأ البحث عن مذهب اقتصادى يناسب العقد الاجتماعى الجديد، لدولة زراعية فى الأساس، انكمشت قدراتها على استخدام السطوة فى كسب العيش، بدأ الميل يساريا بشكل أو بآخر، وكان سباق تركيا ــ يوغوسلافيا على توطين التصنيع فى البلدين.
 
تفوقت يوغوسلافيا، بينما تعرضت تركيا لاضطرابات متكررة كل عقد تقريبا، حتى العام 1950 حين تدخل البنك الدولى بغرض دعم الإنفاق الحكومى لتأسيس بنية أساسية تمثلت تحديدا فى الموانىء البحرية.
 
فتركيا شبه جزيرة تطل على ممر مائى مهم، فصار تأسيس وتطوير الموانىء مع دعم الاتحاد السوفيتى السابق المشاركة فى تمديد خطوط السكك الحديدية بين أقاليمه الحبيسة فى الجنوب وبين الموانىء التركية، كل تلك البنية الأساسية كانت باشتراط حالة من (التبعية السياسية)، فتناثرت القواعد العسكرية الأمريكية والأوروبية على الأراضى التركية.
مع ممارسات سياسيه بهلوانية للحفاظ على علاقات تجارية مع دول الاتحاد السوفيتى، فى تلك المرحلة كان جل الدخل التركى متحققا من (إتاوات) عبور التجارة فى أراضيها، بينما حركة التصنيع كانت تمر بمد وجزر عنيف كل عشر سنوات تقريبا، فلا الصناعة تتوطن ولا الإنتاج يستقر حتى كانت الأزمة الطاحنة فى نهاية السبعينيات، ومع كل أزمة كان (التصنيع) العاجل يقود حالة نمو مؤقتة تخرج البلاد من كبوتها لكن لفترة قصيرة، فالتصنيع يستلزم استيراد الخامات و التكنولوجيا بأكملها مما يزيد من الضغوط على ميزان المدفوعات، بالتالى استتبع كل موجة تصنيع.. موجة انكماش فى قيمة العملة التركية خلال سنوات قليلة.
 
وفى مطلع العام 1980 بلغ التضخم فى تركيا نسبة 100 %!
 وبلغت البطاله 15 %، ويستجير الأتراك بالبنك الدولى مرة أخرى، وتبدأ إصلاحات هيكلية لأول مرة تنبنى على حالة من التصالح بين المدنيين وبقايا القبائل المتعسكرة المتمثلة فى عقيدة الجيش التركى.
 
ومنذ العام 2000 بدأت تتأتى ثمار التعاون مع جهات التمويل الدولية، وأيضا مع بدايات استرداد المسحة الدينية للحكم كمصدر مهم من مصادر المعونات والدخل، خصوصا من دول الخليج العربى وبإتقان المجتمع التركى للتسويق واستفادته من الاستثمارات الأجنبية فى هذا المجال صارت تركيا أرضا بالغة الخصوبة للاستثمار والجذب السياحى.
لكنه كان استثمارا مبنيا على قواعد كلها من خارج تركيا، فالخامات والتكنولوجيا، وحتى أساليب التسويق والتمويل من الخارج، بل إن العمالة الرخيصة فى الصناعات التركية تمثلت فى الأيدى العاملة الرخيصة من الأقاليم الكردية والعمال السوريين، ومع بدايات الربيع العربى فى العام 2010 وبداية تنفيذ التكليفات الغربية والعربية لتركيا بمساندة الإرهاب الدولى وتشكيل بؤرة تجميع وتدريب وإمداد لجيوش الإرهابيين المتوجهة لسوريا والعراق ومصر وليبيا، شهدت تركيا انتعاشة اقتصادية تميزت بالسيولة الكبيرة، وهو ما أسقط الحكومة التركية فى اختيار شديد المخاطرة تمثل فى (التوسع فى الائتمان).
 
والتوسع فى الائتمان خلال الأعوام الأربعة الماضية ارتفع بقروض الشركات التركية والمستهلكين لمؤسسات التمويل المحلية والخارجية من 15 مليار ليرة تركية إلى 200 مليار ليرة تركية، هذا التوسع فى الائتمان ساند بإيجابية شديدة التوسع فى الاستثمار.
 
لكن .. بانهيار الليرة التركية هذيلة التكوين، اضطر البنك المركزى التركى لرفع سعر الفائدة على الليرة التركية إلى 24 %  برغم اعتراضات أردوغان الرعناء، سعر الفائدة الذى تلى التوسع فى الإقراض شكل (كمينا) قاتلا للمستثمر فى تركيا، فالمستثمر الذى تعاقد على الحصول على تسهيلات عام 2016 مثلا، كان يحسب أن تكاليف إنتاجه تتضمن فوائد بنكية فى حدود 12 % إلى 16 %، وبالتالى رتب وضعه فى المنافسة على ذلك، إلا أن نفس المستثمر اكتشف عام 2017 أن عليه أن يسدد نحو ضعف تكلفة التمويل على ذات العملية الإنتاجية، مع انقراض قيمة العملة التركية بنسبة بنحو 60 % خلال العام 2018، فالمستثمر فى تركيا صار مكبلا بديون لم تكن فى الحسبان تزيد بنسبة حوالى 85 % عن المقدر وقت قرار الاستثمار !!! .. تتضمن 60 % ارتفاع فى قيمة الدولار زائد 24 % فوائد على القرض، وتأتى أولى نتائج السياسات الخاطئة بانكماش الناتج الصناعى بنسبة 11 % عام 2018. هنا تصبح التوقعات بالركود يقينا، فيتم تخفيض التصنيف الائتمانى لتركيا كلها أولا .. ثم يطال التخفيض الجهاز المصرفى التركى والشركات الكبرى العاملة فى تركيا، شروط القروض الخارجية صارت خيالية، وبالتالى فالدعم الخارجى (المعتاد) صار غير متوقع، انخفاض النمو (حوالى 2 % ) مع ارتفاع التضخم بشدة (حوالى 21 % )، ارتفاع البطالة إلى نسب غير مسبوقة، الاستثمارات الأجنبية هناك تشعر بالورطة المرعبة وتبحث بشدة عن فرص خروج بأقل خسائر، مع مقاطعة من الدول الخليجية ما عدا قطر، يضاف إلى ذلك عاملان مهمان:
 
أولا: أزمة العمالة الرخيصة المتمثلة فى الأكراد والسوريين، بعد تغيرات الوضع السياسى والعسكرى أخيرا.
ثانيا: تكدس الإرهابيين الهاربين فى طريق عودتهم منكسرين من سوريا والعراق وطبعا مصر وليبيا فى محطات تجميعهم الأول على الحدود التركية، وهو ما يشكل خطرا جسيما على النظام التركى بوجه عام، وأظن هذا الضغط هو ما يدفع أردوغان للهجوم (اللفظى) على مصر لمجرد استرضاء الميليشيات الإرهابية المتمكنة من مفاصل بلده والمتوطنة فى أرضه.
إن اقتصاد تركيا لم يشهد (توطين) صناعة أبدا، تعاملا بمذهب الرعاة الرحل، ولم يفعل التركى فى القرن الحادى والعشرين سوى ما فعله أجداده الرعاة من القرن الحادى عشر.. مجرد استلاب وفرض سطوة دون (ناتج) حقيقى أو تعميق أى قدرات ذاتية على الإنتاج، بالتالى فاقتصاد تركيا دوما تحت سيطرة الأغراب، فلو حدث رفع لفائدة الدولار الأمريكى ستهرب الأموال الساخنة الداعمة للاقتصاد التركى حاليا، ولو حدث اتفاق صينى ـ  أمريكى تجاريا.. سيهرب التصنيع السطحى، ومع إتمام اتفاقات توريد الغاز المصرى إلى أوروبا، ستنتفى أهمية تركيا كممر للغاز الروسى أو القطرى على السواء وتنقطع (إتاوات) عبور الخام لأوروبا.
 
شهر مارس الجارى يمثل (يوم الحقيقة) بالنسبة للاقتصاد التركى، فبيانات البنك الدولى سيتم نشرها خلال الأسبوع الثانى من الشهر تواكبا مع حتمية صدور تقرير البنك المركزى التركى الواقع بين نارين من حيث تحديد سعر الفائدة، يتزامن ذلك مع انتخابات محلية فى نهاية مارس ستكون الأصعب على النظام التركى فى ظل الركود الحالى والمتوقع، وانعكاسات تلك الانتخابات ستؤثر على استقرار الحال التركى من جهة وعلى تصنيف الملاءة الائتمانية للبلاد من جهة أخرى.
 
إن ساعة الحساب على الاختيارات الخاطئة سياسيا واقتصاديا اقتربت، وستعود (الكيانات) المتطاولة إلى وضعها الأصلى وحجمها الطبيعى المستمد من تاريخها وجغرافيتها.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg