رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 22 مايو 2019

أرشيف المجلة



من الاستباحة والنهب إلى التهجير والقتل والإبادة.. العثمانيون فى بلاد الشام

7-3-2019 | 17:29
إلهامى المليجى

إليان مسعد: نهج التصفيات العرقية والمذهبية كان سياسة عميقة للدولة العثمانية
 
صادق إطميش: الدولة العثمانية لم تفرق في تنفيذ جرائمها ضد العراقيين المسلمين بين العرب والكرد أو بين تابعى الإثنيات الأخرى
 
أكثم نعيسة: تاريخ الدولة العثمانية تاريخ اضطهاد وإبادة الأقليات.. العلويون نموذجا
 
تاريخ الدولة العثمانية يكتظ بالعديد من الجرائم ضد الإنسانية من الاضطهاد العرقي والديني إلى الإبادة الجماعية، ومن المستغرب أن ورثة الدولة العثمانية من العثمانيين الجدد يسعون لاستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية المقبورة، وتساندهم في ذلك جماعات الإسلام السياسي وروافده الإرهابية.
 
استباح العثمانيون بلاد الشام، ودمروا البنية الاجتماعية للمدن، عبر سياسة الإفقار والتهجير للسكان واستجلاب آخرين من الأتراك، فضلا عن  عمليات الإبادة والقتل العشوائى لعشرات الآلاف من السوريين من جميع المدن من معرة النعمان، إلى حلب، ومن ريف إدلب وحماة وحمص والحسكة إلى دمشق، مما أدى لتحوّل كامل فى البنية السكانية، نتيجة الموت قتلا أو جوعاً، أو الهروب باتجاه المدن الأخرى، وتم ترحيل كثير من أرباب المهن والصناعات إلى داخل تركيا، حيث لم يكن لدى الأتراك أية خبرة فى الصناعة.
 
وفى إطار سياسة التغيير الديموجرافى الممنهجة لبلاد الشام، استقدمت السلطات التركية 90 ألف عائلة تركية (قرابة مليون نسمة)، ووطّنتها فى بلاد الشام، بهدف تغيير البنية الديموجرافية وجعل الأتراك أغلبية فيها، وإن كان قد تم ترحيل جزء منهم إلى تركيا بعد استقلال بلاد الشام.
 
ووفقاً للمؤرخ والمدرس فى جامعة هارفارد فيليب، فإن ما حل بدمشق حينها أقسى مما فعله تيمورلنك، فقد أباد  ثلث المدينة وغوطتها إبادة كاملة، وسرح كبار موظفى الدولة من أبناء البلد وعيّن أتراكا بدلا عنهم، ولقد استباح الجيش العثمانى عكا فى عام 1775، حيث نهب خزائنها ونقلها إلى الباب العالى.
 
الباحث والناشط الحقوقى السوري، الدكتور أكثم نعيسة، يرى أن تاريخ الدولة العثمانية هو تاريخ اضطهاد وإبادة الأقليات العلوية نموذجا على ذلك، وفى هذا الإطار يقول: إن المذهب العلوى هو مذهب (غنوصى ـ إشراقي)، مستقل عن باقى الأديان ومنفتح على جميع الأديان،  يعود فى جذوره إلى الأديان القديمة التى كانت سائدة فى سوريا “عبادة بعل وعشتار وأدون وإيل وتموز”، ومنتشرة فى منطقة الشرق الأوسط، ولقد تأثر كثيرا بالفلسفة اليونانية وبعدها بالمسيحية،  ومن ثم الإسلام فى فرعه الشيعي، برغم اختلافه عن الطقوس الشيعية وجوهر المعتقد، فالعلويون  مثلا لا يلطمون  ولا يحتفلون بعاشوراء، وليست لديهم مساجد وصلاتهم شفهية غير مرتبطة  بحركات أو قواعد محددة.
 
ويعيش العلويون فى عدة بلدان، لكن أغلبهم فى تركيا  وسوريا ولبنان، ولقد شكلت  الجبال العالية والقاسية ملجأ وحصنا حمى من تبقى منهم من المذابح المتكررة بحقهم، ويبلغ عددهم التقريبى نحو 25 مليونا، موزعين فى عدة بلدان، وفى سوريا يشكلون نحو 13 ٪ ـ 16 ٪ من عدد السكان تقريبا.
 
ويضيف الدكتور نعيسة: لقد تعرض العلويون خلال تاريخهم الطويل، وفى العصور الإسلامية المتتالية، إلى عمليات قمع متواصلة استمرت لقرون من الزمن، كانت أكثرها وحشية، تلك التى جرت  فى العصر  العثماني، وما بعده فى حكم أتاتورك والحكومات المتعاقبة، وخلال الحكم العثماني، حين قام سليم الأول 1516، بعدة مذابح وحشية لأبناء العلويين لم يشهدها تاريخ المنطقة، وحكاية ـ ناعورة الدم ـ  تتناقل تاريخيا بين العلويين، التى تقول حين  قام سليم الأول بذبح آلاف العلويين فى نهر العاصي، ليصبغ بلونه نهر العاصى  محركا نواعيره شلالاً  من دماء الأبرياء، وفى القرن السابع عشر أيضا تعرض العلويون فى الساحل السورى لمذبحة أخرى خلال تمرد إسماعيل بك متصرف أو والى  اللاذقية على الدولة العثمانية، واستمر اضطهاد العلويين حالهم حال باقى الأقليات التى كانت تعيش فى إطار الدولة العثمانية إلى أن حصلت مجزرة أخرى، بدأت تزامنا مع  المجازر التى ارتكبت بحق الأرمن والمسيحيين  1915، فى أكبر مجزرة فى التاريخ المعروف، التى ذهب ضحيتها أكثر من مليون ونصف المليون أرمنى ومسيحي،  واستمرت على يد قوات أتاتورك، واستمرت حتى عام 1923، تم فيها ذبح أكثر من أربعين ألف علوى فى سهول أنطاكية وكليكية، ثم تبعتها مجزرة أخرى سميت بمجزرة دارسيم فى أواخر حكم أتاتورك 1937.
 
ويشدد الدكتور نعيسة على أن العلويين ليسوا فقط من تعرضوا المذابح والقمع، وإنما جميع الأقليات الدينية، وكذلك بعض الأقليات القومية التى طالبت باستقلالها، وفى المجمل لقد كان تاريخ الدولة العثمانية ما هو إلا تاريخ إبادة للأقليات الدينية والقومية.
 
الدكتور إليان مسعد، الرئيس المنتخب لوفد المعارضة السورية فى الداخل فى مفاوضات جنيف، ومؤسس مسار حميم السياسى يوضح أن المجازر العثمانية بدأت مبكرا بالأعوام 1212 - 1214، ضد العلويين البكداشيين فى الأناضول، برغم أن دعاتهم مع الدعاة الإسماعيلية هم من أسلموا الأناضول بعد احتلالها من قبل سلاجقة الروم بعد معركة ملاذ كرد سنة 1071، فهؤلاء كانوا عصب القاعدة الشعبيه للعثمانيين وحاربوا كل حروبها، وأمراء سلاجقة الروم، والعثمانيون منهم قد تأدبوا فى المدارس البكداشية ومنهم مثلا سليم خان  (سليم الكبير) حتى إسماعيل الصفوى ابن مؤسس الدولة الصفوية بإيران، وكان قد درس مع سليم خان فى مدرسة بابا بكداش الشهيرة فى الأناضول، حيث تأدب بالعلوم عموما وعلوم الدين خصوصا.
 
وتلاحقت المجازر ضد المناوئين الأكراد  من أتباع الطريقة النقشبندية، السنة الشوافع، والشيعة الأكراد والبكداشية الأكراد، وكذلك ضد العلويين البكداشيين من التركمان والشيعة والتركمان  العلويين فى مناطق الأناضول وكل الشمال السوري، ولن نستفيض، فهى مفصلة فى التاريخ وآخر مجزرة كانت عام 1830، بعد حل الفصائل الانكشارية التابعة للجيش العثمانى والمعروف أن كثير من الانكشاريين كانوا يتبعون الطريقة  البكداشية.
 
إذن كان نهج التصفيات العرقية والدينية والطائفية والمذهبية، سياسة عميقة للدولة العثمانية، وما فعله حزب الاتحاد والترقى بعد انقلابه على عبد الحميد لم يخرج عن هذا النهج، فكان يجند رعايا ضد رعايا، فعلى سبيل المثال  جند ما يسمى الملة الطيبة (الأرمن) ضد رعاياهم الأكراد والبكداشيين أوائل القرن التاسع عشر، وعادوا وانقلبوا عليهم فى آخر القرن التاسع عشر، وجندوا  الكتائب الحميدية وجلها من الكرد، حيث قاموا  بالغسيل السيئ تجاه الأرمن والأقليات الأخرى، لكن كله كان بدعم مباشر وتوجيه من الجيش العثمانى سابقا التركى لاحقا. لكن فلسفة سياسة المجازر تحتاج بالحقيقة لبحث خاص لسبر فلسفتها المتنقلة بين العثمانية والطورانية والطائفية والمذهبية.
 
ويسرد الدكتور إليان بعض أشهر المجازر بحق شعوب بلاد الشام التى قام بها ودعمها الأتراك إبان احتلالهم، مرتبة حسب السنوات:
1515 استباحة حلب، ومعرة النعمان أسبوعا كاملا، مما أدى إلى استشهاد 40 ألفا فى حلب، و 15 ألفا فى معرة النعمان.
1516 استباحة دمشق ثلاثة أيام مما أدى لاستشهاد 10 آلاف شخص.
1516 استباحة ريف إدلب وحماة وحمص والحسكة واستشهاد عشرات الآلاف من السكان.
مجازر أخرى
1847 مذابح بدر خان بتواطؤ عثماني، حيث استشهد أكثر من 10 آلاف فى منطقة هاكارى السورية والتركية حاليا.
1841 - 1860 مذابح جرت بعد خروج جيش محمد على باشا وابنه ابراهيم باشا فى لبنان فى منطقة حاصبيا والشوف والمتن وزحلة، حيث استشهد أكثر من 82 ألف لبناني.
مذابح 1860 وهى أعمال عنف وقعت بين السكان فى المنطقة الممتدة بين دمشق الى ساحل لبنان والبقاع، حيث كانت الدولة العثمانية تغذى الصراع سرا، وتزيد من الشرخ القائم بين السكان بسبب وقوف المسيحيين مع محمد على باشا بمشروعه لتوحيد الشام ومصر والاستقلال عن العثمانيين، وفى دمشق تم قتل 15 ألفا من السكان من قبل مواطنيهم فى تلك الأعمال وبتحريض ومساعدة الجيش العثمانى ونهبت بيوتهم وتشردوا وقتلوا وهدمت بيوتهم واستولوا على أراضيهم وبيعت ممتلكاتهم.
1895 مجازر ديار بكر وطور عابدين وماردين، حيث استشهد أكثر من 15 ألفا من الأرمن والسريان والآشوريين.
1909 استشهاد 30 ألف أرمنى فى أضنة على يد جيش العثمانيين.
1914 - 1916 استشهاد 600 ألف من السريان والكلدان والآشوريين فى منطقة جبال طوروس وجبل آزل وماردين والهاكاري.
1915 - 1916 انتهاء مجازر الأرمن باستشهاد مليون وربع المليون أرمنى فى منطقة ديار بكر - أرمينيا - أذربيجان - شمال العراق - شمالى حلب - الشدادة  الحسكة ودير الزور - الأناضول - أضنة - طور عابدين ـ  طوروس.
الباحث والأكاديمى العراقى الدكتور صادق إطيمش، يرى أن المآسى والجرائم التى اقترفها العثمانيون فى العراق لا تختلف عن الجرائم التى ارتكبوها فى المناطق الأخرى التى تحكموا برقاب أهلها، وكانت كذلك أيضاً الدولة العثمانية بسلاطينها وجرائمها التى تمارسها ضد القسم الآخر من الشعب العراقى الذى لا ترى إسلامها فى إسلامه ولا قوميتها فى قوميته.
لم تفرق الدولة العثمانية فى تنفيذ جرائمها ضد العراقيين المسلمين من العرب والكرد أو من تابعى الإثنيات الأخرى، إن وجدت ما يشبع غليل جريمتها فى طائفة إسلامية أخرى غير طائفتها أو فى قومية أخرى غير قوميتها. وشواهد التاريخ كثيرة على ذلك وموثقة توثيقاً علمياً يستطيع كل باحث كشف ما أُخفى منه إلى الآن، وأبعد بذلك ورثة الدولة العثمانية عن حساب الشعوب التى اقترفت هذه الدولة الجرائم بحقها بالأمس والجرائم التى يقترفها الورثة تحت نفس الغطاء العثمانى الأسود اليوم.
أما الجرائم الكبرى التى ارتكبها العثمانيون فى العراق التى لابد من الاستمرار بالتحرى عن أحداثها وسبل تنفيذها وعدد مرات تكرارها وبشاعة وبدائية القائمين بها، فهى تلك الجرائم التى ارتكبتها الدولة العثمانية ضد الطائفة الإيزيدية، التى تكررت فى حملات إبادة جماعية قاد معظمها والى الموصل العثماني.
 
ولعل هذا العداء الجنونى ضد الإيزيديين لم يكن مرده دينياً فقط، بل وقومياً أيضاً. ومن خلال المسعى العدائى الذى اتخذته الدولة العثمانية، عانت الشعوب التى وقعت تحت نير التسلط العثمانى الأهوج من ويلات سياسة التتريك التى اتبعها هذا النظام ضد الشعوب غير التركية، محاولا مسح قوميتها وقطع صلتها بتراثها وتاريخها الفكري، استعدادا لإذابتها فى أتون التعصب القومى التركى الذى أراد له العثمانيون أن يكون العلامة المميزة لجبروتهم وتسلطهم على الشعوب المظلومة التى خضعت لمئات من السنين تحت نير هذه الأفكار الشوفينية السوداء. ونظرا للشعور بالنقص الثقافى والجدب التاريخى الفكرى الذى تولد لدى العثمانيين بالأمس تجاه القوميات التى أخضعتها بالقوة لتقبل الفكر العنصرى التركي، حاول سلاطين آل عثمان أن يجعلوا من الثقافة العثمانية، التى لا تساوى شيئا فى حساب الزمن، الثقافة السائدة لدى الشعوب التى استعمرتها باسم الإسلام، التى أفقرت بلدانها وسخرت كل ما فيها من الموارد والطاقات البشرية والمادية لخدمة الباب العالى العثماني.
 
لذلك لم يفلت الشعب الكردى أيضاً من هذا التوجه العنصرى المقيت الذى استمر حتى بعد انهيار الدولة العثمانية الذى مهدت له الحرب العالمية الأولى التى قادت نهايتها إلى تحرر بعض الشعوب من التسلط العثمانى الأهوج . فإن السيطرة التركية الجديدة لدولة أتاتورك استمرت بالتحكم بمقدرات الشعب الكردى الذى وضعته سياسة المحاصصات الدولية آنذاك تحت رحمة القوميات الكبيرة فى المنطقة، والمتمثلة بالعربية والفارسية والتركية.
 
ومنذ نشوء الدولة الكمالية، التى سوقت نفسها كدولة عصرية، ظلت الممارسة العنصرية ضد الشعب الكردى فى تركيا السمة البارزة للعنصرية الشوفينية الرجعية للدولة الجديدة. ولم تتوقف هذه السياسة الرعناء ضد الشعب الكردى فى تركيا، حتى بعد أن توالت على الحكم الأحزاب السياسية ذات التوجهات المختلفة فى كثير من القضايا التى تواجه الدولة التركية الجديدة، فإنها متفقة جميعا على العداء للشعب الكردى والوقوف ضد التوجهات القومية التحررية والحقوق المشروعة لهذا الشعب، تلك الحقوق التى نصت عليها المواثيق والأعراف الدولية القاضية بحق الأمم والشعوب بتقرير مصيرها والعيش ضمن الكيانات السياسية والوطنية والقومية التى تمثلها حقا، وظل الشعب الكردى المقطع الأوصال بين حكومات أنكرت حقوقه القومية وتصدت بالعنف لتوجهاته التحررية، ظل يعانى من ويلات هذه السياسة القمعية التى تمارسها الشوفينية التركية اليوم على أبشع صورها من خلال الحرب الهمجية الوحشية على معظم أجزاء كردستان، التى سوقتها السياسة العسكرية والقيادات العنصرية التركية على أنها حرب ضد المقاتلين الكرد من حزب العمال الكردستاني، وليس ضد الشعب الكردي، كما تزعم أبواقهم الدعائية والأبواق المطبلة لهم إقليميا وعالميا.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg