رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 25 مارس 2019

المجلة



قتلوا الأرمن وضموا أراضيهم بموجب اتفاقية لوزان.. سلسال الدم من عبد الحميد إلى أردوغان

7-3-2019 | 17:32
أ.د.محمد رفعت الإمام

قتل ثلث سكان سوريا و 100 ألف فى لبنان وعشرات الآلاف فى العراق
 
تعتبر مذابح الأرمن التي بدأت في 24 إبريل 1915 علامة فارقة فى تاريخ الجالية الأرمينية فى مصر
 
منذ أن تأسست دولة السلاطين الأتراك، وقد اتسمت دولتهم بإراقة الدماء دون النظر إلى العرق أو الدين أو المذهب، وفى مصر، احتل التركى مكانة سيئة فى وجدان المصريين الذين كانوا يخرجون فى جماعات ويرددون «يا رب يا متجلى اهلك العثمانلى» لأنهم شعروا بأن التركى المتصلف المتعجرف أهان دولتهم وأمتهم العريقة، وحتى السلطان عبد الحميد الثانى (1876 – 1909) أسهم مع الإنجليز والخديو توفيق (1879 - 1892) فى ضرب ثورة عرابى التى تُعد أول ثورة مصرية شعبية ودستورية فى التاريخ الحديث.
السجل الدموى التركى ممتد منذ تأسيس السلطنة وحتى الآن، لدرجة أن معظم المنظومة السكانية العثمانية لم تنج من الاضطهادات والملاحقات والمذابح والإبادات الجماعية، وخلال الحرب العالمية الأولى ( 1914 – 1918 ) ، اقترف الأتراك إبادات ومذابح جماعية بحق الأرمن والسريان والكلدان والعرب وغيرهم.
 
مرت الإبادة الأرمينية فى الدولة العثمانية بثلاث مراحل متميزة، وإن كانت متكاملة. الأولى: زمن السلطان عبد الحميد الثانى (1876 ـ 1908 )، والثانية إبان الحكم الاتحادى (1909 ـ 1918) والثالثة خلال الحكم الكمالى (1919 ـ 1923). ومنذ تركيا الكمالية وحتى تركيا الأردوغانية، لا تزال الحكومات التركية المتعاقبة تستميت فى إنكار جرائمها برغم الاعترافات الدولية بالإبادة الأرمنية.
 
المذابح الأرمينية
وفيما يخص المرحلة الأولى ، فالثابت تاريخياً أن الأرمن العثمانيين لم يسعوا إلى الانفصال أو الاستقلال عن الدولة العثمانية، بل طالبوا بإجراء إصلاحات داخلية فى الولايات الأرمينية الست: بيتليس، أرضروم، ڤان، خربوط، سيواس، جزء من ديار بكر فى نطاق بقائهم ضمن رعاياها. وهنا، أهملت السلطات العثمانية حل المسألة الأرمينية، ما حدا بمثقفى الأرمن وزعمائهم بالأستانة إلى مناشدة الروس لتبنى مستقبل الأرمن العثمانيين فى مباحثات السلام إثر الحرب الروسية ـ العثمانية 1877– 1878. وفعلاً، نجحت المساعى الأرمينية جزئياً، إذ تضمنت معاهدة «سان إستيفانو» المبرمة فى 3 مارس 1878 بين الدولتين الروسية والعثمانية المادة «16» الخاصة بمسألة الإصلاحات الأرمينية، وهى نفس المادة التى عُدلت إلى المادة “61” من معاهدة برلين المبرمة فى 13 يوليو سنتئذٍ.
وهكذا، تصاعدت المسألة الأرمينية عقب معاهدة برلين  1878 من كونها مشكلة محلية عثمانية إلى كونها قضية دولية، بيد أن مراوغات تركيا العثمانية عن تنفيذ الإصلاحات وانشغال الجماعة الدولية عن متابعة القضية الأرمينية، انزلق بالتوجه الأرمنى العام إلى المسار الثورى لحل القضية بعد فشل تسويتها سلمياً.
وبذلك، تبلورت الطاقات الأرمينية فى هيكليات حزبية ثورية سرية وعلنية جيّشت قواها داخلياً وخارجياً لمزاولة ممارستها الدعائية والثورية. هذا، وقد تمخض عن تنامى المد الثورى الأرمنى وانتهاج السلطات العثمانية سياسة قمعية صوبه، اندلاع سلسلة من الاضطرابات والقلاقل والمذابح ضد الأرمن بين عاميّ 1894-1896 راح ضحيتها عدة آلاف من الأرمن، وهاجرت عدة آلاف أخرى منهم إلى البلاد العربية وروسيا القيصرية والبلقان وأوروبا وأمريكا.
وهكذا، غدت «المذبحة» آلية عثمانية رسمية للتخلص من الأرمن حتى لا يتشبثوا بأراضيهم دون مراعاة لأية شرعية دولية أو إنسانية، ولعل ميوعة الموقف الدولى آنذاك قد يسّرت هذه المهمة على النظام العثمانى، ومع هذا، عدّل الأرمن الثوريون إستراتيجيتهم وتحالفوا مع جماعة «تركيا الفتاة» بغية إسقاط النظام الحميدى، وهو ما نجحوا فيه فعلياً إثر انقلاب 24 يوليو 1908. وبذا، أُسدل الستار على المرحلة الأولى من القضية الأرمينية لتبدأ المرحلة الثانية الأكثر دموية بصعود نجم «تركيا الفتاة» ذات النزعة العنصرية المتطرفة؛ الطورانية.
الإبادة الأرمينية  
تمخض عن فاعليات هذه المرحلة أن صار التخلص من الأرمن ضرورة سياسية للاتحاديين بقدر ما هى اقتصادية، وعرقية بقدر ما هى دينية كى تنسجم المنظومة التركية،  ولهذا، استغل النظام الاتحادى الحاكم تقهقر جيوشهم على جبهة القوقاز وألقوا لوم الهزيمة على الأرمن، إذ استغلوا وجود الأرمن الروس المتطوعين الذين يُقاتلون فى الجيش الروسى واتهموا الأرمن العثمانيين بالخيانة العظمى، لأنهم لم يتطوعوا فى جيشهم شأن أقرانهم الروس. وفى هذا المناخ ، قرر الأتراك الاتحاديون فى فبراير 1915 إبادة الأرمن بالدولة العثمانية، ووقعت مهمة تنفيذها على عواتق الدرك والعصابات والتشكيلات المخصوصة. وفى مارس 1915 قررت الحكومة العثمانية تدمير مركزيّ المقاومة الأرمينيين الرئيسيين زيتون وڤان، وفى مساء 24 إبريل 1915 اعتقلت السلطات التركية أكثر من مائتى أرمنى من النخبة المثقفة بالأستانة واغتالوهم جميعاً، ومنذ مايو أبرقت السلطات العثمانية أوامرها الصريحة إلى الحكام والقادة العسكريين بــ “ترحيل” الأرمن عنوة من وطنهم الأم بحجة حماية المدنيين وحماية القوات المسلحة من خيانة متوقعة من الأرمن الممالئين لروسيا. وفعلاً، نفذت الأستانة هذه العملية فى الولايات الأرمينية على مرحلتين: أولاً، قتل كل الرجال الأكفاء، ثم ثانياً، نفى بقية الأرمن. بيد أن النفى لم يكن سوى الفصل الثانى من برنامج الإبادة.
وفى نهاية يوليو 1915 قطع برنامج النفى أشواطاً كبيرة، ولم يعد ثمة أرمن فى تلك الولايات التى كانت أوروبا تُطالب الباب العالى دوماً بإجراء الإصلاحات فيها، بيد أن الأتراك الاتحاديين قلقوا من الأرمن قاطنى الأناضول وقيليقية. ومن ثم، جاء دورهم منذ نهاية يوليو 1915. وبذلك نجح الاتحاديون تماماً فى تصفية الأرمن من أراضيهم التاريخية التى قطنوها منذ ما ينيف على ثلاثة آلاف سنة، وبأفول نجم الأتراك الاتحاديين (1918) يُسدل الستار على المرحلة الثانية من القضية الأرمينية بعد أن نجحوا فى إنجاز الشطر الأكبر من إبادة الأرمن العثمانيين. ويبدأ الفصل الثالث والأخير ببزوغ نجم الكماليين الذين تبنوا مشروع إقامة «وطن قومى لا يقبل التجزئة» مما يعنى رفض قيام دولة أرمينية فى شرق الأناضول تضم الولايات الأرمينية الست وقيليقية. ولكى يُقنع الكماليون المجتمع الدولى والأرمن معاً بجدية نواياهم، صبوا جام غضبهم على قيليقية وراحوا يُطهرونها من الأرمن بهجمات منظمة على المدن والقرى المأهولة بهم تحت بصر فرنسا وسمعها.
وأخيراً، أُبرمت معاهدة لوزان فى 24 يوليو 1923 بشكل يتماشى مع أمانى الأتراك القوميين. إذ أنها اعترفت لتركيا بحدود مستقرة تستوعب تراقيا الشرقية والأراضى المتنازع عليها فى الأناضول، إقليم أزمير، قيليقية، ساحل البحر الأسود ، الولايات الشرقية (أرمينية). وانعكس الانتصار المطلق للأتراك بأنه لم ترد فى بنود لوزان النهائية كلمتا «أرمينية» أو «الأرمن».
 
مصر قبلة اللاجئين والمضطهدين
وإذا كانت تركيا قد ارتكبت مذابح وإبادات بحق رعاياها الأرمن، ففى المقابل، نجد مصر فجر الضمير الإنسانى، تسهم بامتياز فى إنقاذ حياة الآلاف من الأرمن، وتتخذ أقوى وأجرأ مواقف تعكس عبقرية زمانها ومكانها برغم تبعيتها الاسمية للدولة العثمانية.
حتى منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر ، جاء الأرمن إلى مصر مهاجرين فرادى بإرادتهم.
منذ منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر ، جاء الأرمن إلى مصر مهجرين جماعات قسرياً نتيجة المذابح الحميدية والإبادة الاتحادية والحروب الكمالية.
استقبلت مدينتّا الإسكندرية والقاهرة أكثر من ألفّى لاجئ أرمينى جراء مذابح 1894-1896 زمن السلطان عبدالحميد الثانى.
استقبلت مصر بضع مئات من أرمن أضنة فى عام 1909 نتيجة المذابح الاتحادية فى إقليم قيليقية عقب سيطرة جماعة الاتحاد والترقى على الحكم العثمانى .
تعتبر مذابح الأرمن التى بدأت فى 24 إبريل 1915 علامة فارقة فى تاريخ الجالية الأرمينية فى مصر التى تلقت أعدادا كبيرة من اللاجئين من المذابح العرقية التى قام بها جيش العثمانيين، فزادت أعدادهم فى مصر حتى وصلت ذروتها فيما يظهره إحصاء 1927 من أن عددهم كان 18.817 يتركز أغلبهم فى القاهرة والإسكندرية و تمكن الأرمن من التوافق مع حياتهم الجديدة فى مصر إلى حد أن مصر بجاليتها الأرمينية الكبيرة كانت تقود الوجود الأرمنى فى العالم العربى حتى منتصف القرن العشرين.
فى سبتمبر 1915، استقبلت مدينة بورسعيد 4200 لاجئ من أرمن منطقة سيڤيديا، وفى عام 1917 ، استقبلت بورسعيد أيضاً حوالى 4000 لاجئ من أرمن قيليقية، وفى عام 1924 ، سمحت حكومة الشعب بقيادة زعيم الأمة سعد زغلول بإقامة 500 يتيمة أرمنية بمصر. وحتى عام 1927 ، استقبلت مصر 806 يتيمات أرمينيات و300 يتيم أرمينى .
 
القومية العربية
نجم عن دخول تركيا الحرب العالمية الأولى فى نوفمبر 1914، عواقب وخيمة على البلاد العربية لاسيما المشرق العربى، الذى كان خاضعاً بشكل مباشر للسلطة العثمانية، وقد تبوأت سوريا ولبنان وفلسطين والعراق أهمية إستراتيجية لتركيا العثمانية وحليفتها ألمانيا، إذ إنها تُعتبر الظهير الإستراتيجى لهذه الكتلة لتحقيق مخططاتها وأهدافها، وكانت البلاد العربية الأخرى واقعة فى دائرة ونفوذ بريطانيا وفرنسا، تجلى هدف تركيا العثمانية الأكبر فى اتخاذ سوريا ولبنان بمثابة قاعدة عسكرية بغية استرجاع مصر أرض الكنانة من بريطانيا وطردها من المشرق العربى، ثم التغلغل نحو شمال إفريقيا ووسطها . وبعد دخول تركيا الحرب، أعادت بناء قواتها العسكرية فى سوريا ولبنان وفلسطين، وأسست الجيش الرابع ومقر أركانه فى دمشق . وقد تولى أحمد جمال باشا القيادة العامة للجيش الرابع ، وهو أحد أضلاع المثلث الاتحادى البارز : أنور ، جمال ، طلعت . وقد شغل جمال باشا منصب وزير البحرية فى تركيا العثمانية.
هيكلت تركيا العثمانية أوضاع بلاد المشرق العربى، لاسيما سوريا ولبنان لتلبية احتياجاتها، وكذلك احتياجات حليفتها ألمانيا . ولبلوغ هذه الغاية، أجرت الإدارة العثمانية تغييرات فى بنية الإدارة وآلية الحكم فى سوريا ولبنان . ففى نهاية 1914 ، ركزت الإدارة العثمانية جميع السلطات العسكرية والسياسية فى يدىّ جمال باشا . ومن ثم ، غدا حاكم سوريا المطلق بحقوق غير محدَّدة ، وأعلن الأحكام العرفية ، وأدخل كل شىء تحت مراقبة الأتراك العسكريين.
سببت الحرب أوضاعاً اقتصادية قاسية، وثقيلة جداً، وغير محتملة فى سوريا ولبنان وفلسطين والعراق، إذ بأوامر مباشرة من جمال باشا ، صودرت المواد الغذائية والمنتجات الزراعية وعلف الحيوانات لصالح القوات العسكرية التركية وحليفتها ألمانيا، وبأوامر رسمية من القيادة التركية، قُطعت الأشجار المختلفة من أجل استخدامها كوقود. وبذلك ، ارتكبت تركيا العثمانية  إبادة بيئية فى سوريا ولبنان زمن الحرب العالمية الأولى.
 
المشانق التركية
ولم يقف أهالى المشرق العربى بجوار الأترك فى حربهم المقدسة ( الجهاد) . واقتنع الأتراك بأن معظم العرب يأملون نصر دول الوفاق ( الحلفاء) على كتلة الوسط . واعتقدت النُخب السياسية والثقافية العربية بأن انتصار الوفاق سيجلب لهم الحرية من النير التركى الرابض على الصدر العربى منذ أربعة قرون. 
وبرغم الهزائم التركية على جبهة الشام، فقد تشبثت القيادات التركية بسياستها الرامية إلى تتريك العرب  والأرمن والأكراد وغيرهم من منظومة الأعراق فى السلطنة العثمانية، وفى المقابل، استمات المثقفون والسياسيون العرب فى تكريس الهوية العربية والمطالبة بالاستقلال عن دولة الأتراك وخلق كيان أو كيانات عربية. وهكذا لاحت فى الأفق بوادر أزمة تركية ـ عربية أكثر حدة عن سابقاتها.
أدرك جمال باشا – حاكم سوريا المستبد – هذه الأزمة بوضوح شديد . وكان على علم تام بأن التنظيمات العربية القومية – المحظورة رسمياً من السلطات العثمانية – لا تزال تُمارس أنشطتها سراً ، وتُوجه الجماهير العربية فى حلبة الصراع الدائر مع الأتراك . فى هذا المعترك ، نشط زعماء حزب اللامركزية، لاسيما بعد أن فاقوا من وهم تطبيق مبدأ اللامركزية فى الدولة العثمانية، ومنح الولايات العربية حكماً إدارياً ذاتياً.وقد أعاد اللامركزيون العرب تجديد طموحهم، رافعين السقف من حكم ذاتى إلى انفصال واستقلال تام وبلا رجعة لسوريا ولبنان وفلسطين والعراق وغيرها .
قرَّر جمال باشا عدم الانتظار وتوجيه ضربة استباقية قاضية لحركة الاستقلال العربية والداعين لها وأنصارها، بغرض إبقاء الولايات العربية تحت السيطرة التركية. وقد اتسم جمال باشا بتجارب كبيرة فى استخدام السيف والأحمر القانى ( الدم ) لمجابهة معارضيه ومن يعتبرهم خصومه.
فى كلمة:  قام جمال باشا السفاح – صاحب السجل الدموى – بمعاقبة القوميين العرب بمنهجه الإجرامى وخبرته الواسعة فيه، وقد فتح السفاح أبواب السجون ودروب النفى . وألقى عشرات الآلاف فى السجون والمعتقلات، وأرسل آلافا آخرين إلى المنافى ، إلى أقصى بل أقاصى الأناضول، أطفال، نساء ، شيوخ .
ومن المفارقات سارت عمليات تهجير الأرمن من الأناضول الشرقى إلى ولاية حلب العربية. وعلى دروب التهجير ، تجرَّع الأرمن كئوس العذاب والاضطهاد حتى الموت، وعلى الطريق المعاكس، سارت عمليات تهجير العرب من سوريا ولبنان وسائر المشرق إلى الأناضول. وعلى ذات الدروب ، تجَّرع العرب ما تجرَّعه الأرمن على أيادى الأتراك والچراكسة والأكراد وغيرهم.
وضع جمال باشا مراقبة صارمة على النُخب العربية سواء كانوا ساسة أم مفكرين أم ضباطاً فى الجيش التركى . وبأوامر مباشرة، أغلق جمال باشا جميع المنظمات والجمعيات والأندية التى كانت لاتزال تُمارس أنشطتها آنذاك .
وبحركة سريعة، اعتقل جمال باشا الزعامات والقيادات العربية التى بزغت فى الإمبراطورية العثمانية منذ نجاح حركة الجيش العثمانى فى الاستحواذ على السلطة ونقلها إلى حركة تركيا الفتاة 1908، وأسس جمال باشا محكمة عسكرية فى عالية بلبنان، وأصدرت أحكامها غالباً بناءً على تعليمات من الباشا السفاح ، وأحياناً بناءً على أوامر من الأستانة .
تُمثل الأحكام العسكرية التى صدرت ضد النخبة العربية قمة الإجرام التركى ضد العرب، إذ كان من هؤلاء أبرز الوطنيين والمثقفين والبرلمانيين والعسكريين والحزبيين، ومن المفارقات، أصدرت هذه المحاكم أحكامها بالشنق بسرعة مذهلة. ففى أغسطس 1915 ، شُنق العشر الأوائل من القوميين العرب فى ساحة البرج ببيروت . وفى 6 مايو 1916، شُنقت سباعية منهم فى دمشق. وفى نفس اليوم ، 6 مايو ، شُنق آخرون فى ساحة البرچ ببيروت .
وجهَّت المحاكم تهماً مفبركة وهزلية إلى القوميين العرب من قبيل : الخيانة العظمى، الإعداد لثورة، عدم القيام بالواجب إزاء الوطن . وهكذا أصبح النضال من أجل تحرير الوطن العربى من المحتل التركى : جريمة ، بل خيانة عظمى .
بلغ حصاد إعدام القوميين العرب «800» شخصية. وبلغ حصاد العائلات العربية المنفية صوب الأناضول عدة الآلاف، وعلى هذا التوصيف، ارتكب الأتراك الاتحاديون القوميون جريمة «إبادة نوعية» بحق أهالى المشرق العربى.
وبرغم نجاح الأتراك فى إبادة النخبة العربية، فإنهم فشلوا فشلاً ذريعاً فى إبادة الهوية العربية، إذ برغم هذه الضربات الموجعات الأليمات، فقد تعززت الفكرة العربية وتدعمت الهوية العربية . وقد منحت جرائمهم طاقة جديدة لمشاعر العرب المناهضة لهم فسعت بقوة للإطاحة بالهيمنة التركية .
وثمة بديهية مؤداها أن الأتراك القوميين اعتبروا الحرب العالمية الأولى بمثابة «الساعة المناسبة» لإنهاء حركتين قوميتين هما: القومية العربية فى سوريا ولبنان وسائر المشرق العربى، القومية الأرمينية فى الأناضول الشرقى.
خلاصة القول: احتل الأتراك مكانة سلبية وسيئة للغاية ليس فى الذاكرة العربية فقط، ولكن فى مجمل الذاكرة الإنسانية. وظل اسم جمال باشا السفاح رمزاً للإجرام عند العرب ، كما أن طلعت وأنور رمزاً له عند الأرمن وما زال سلسال الدم التركى مستمرا إلى الآن.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg