رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 25 ابريل 2019

المجلة



العثمانيون العرب والحنين إلى الاستعباد والتخلف.. تركيا الحالية لم تكن أرض الأتراك

16-3-2019 | 16:08
موفق محادين

الترك جزء من الأقوام البدائية الوثنية الفقيرة لم يعرفوا الحضارة إلا بعد احتكاكهم بالفرس والعرب
 
تركيا ليست (دولة سنية) بالمعنى الذى يتوق إليه العثمانيون العرب 
 
فى ذكرى المشانق العثمانية فى دمشق وعالية، إلى ماذا يحن العثمانيون العرب، وهم ينكرون هويتهم العربية وقرون الاستعباد والإقطاع العثمانية التركية، ويتوقون إلى استعادة ما لا يستعاد من نظام الملك والإقطاع والعبودية فى (ولايات عثمانية جديدة)؟ ناهيك عن الانطباعات العالمية المعادية للعرب، والناجمة عن الخلط بيننا وبين العثمانيين، على نحو ما كتبه هيجل وميشيل بوديه وبرتر أندرسل.
 نعرف ويعرف العثمانيون القدامى والجدد، أن تركيا الحالية لم تكن أبدا أرض الأتراك حتى القرن التاسع الميلادى، وأنهم حالة من الغزو الاستيطانى الإحلالى، تماما كما أى غزو استعمارى استيطانى.
 
فتركيا، كانت أرضا لشعوب عديدة من العرب واليونان والأرمن وبقايا الحثيين والأكراد وغيرهم، إلا أن الأتراك، وهم بدو تنقلوا بين الوثنية واليهودية والإسلام وكانوا يستوطنون طوران من شمال آسيا الوسطى، بل إن اسم (طوران) نفسه (حسب كتاب القطسطنينية الجزء الثانى ص191) اسم فارسي، وتعود أصول الترك إلى مجموعات متناثرة من القبائل البدوية متعالقة مع أجناس مختلفة من المغول والتتار (نعيم شقير، تاريخ سيناء).
 
ويشار هنا إلى أن البداوة لا تقتصر على الصحراء، فهناك حسب جون روبرت مكنيل فى كتاب (الشبكة الإنسانية) الفايكنج (بدو البحر) وبدو السهوب والجبال (الأتراك والشركس والشيشان والقوزاق)، وكانوا يتخذون من ذيول البقر والخيل رايات لهم.
 
وحسب ابن فضلان، الذى سجل تاريخ رحلة الوفد الإسلامى بتكليف من الخليفة المقتدر عبر أرض فارس وشمال آسيا الوسطى وصولا إلى أرض البلغار، فقد كان الترك جزءا من الأقوام البدائية الوثنية الفقيرة، لم يعرفوا الحضارة إلا بعد احتكاكهم بالفرس والعرب فى الأزمنة العباسية.
وقد ظهر الترك على مسرح التاريخ عبر ثلاث محطات:
الأولى، حسب المؤرخ أرثركوستلر (اليهودى المرتد وفق الروايات اليهودية) كانت إمبراطورية الخزر، وهى قبائل تركية اعتنقت اليهودية فى القرن السابع الميلادي، وأقامت دولة لها فى منطقة الخزر على طريق التجارة الدولية، واصطدمت مع جيرانها المسلمين والمسيحيين فى بيزنطة (أسطنبول لاحقا)، ومع الأمراء الروس والموجات المغولية، التى حطمتها وشتت اليهود الخزر فى كل أنحاء روسيا، وأوروبا الشرقية والغربية، فيما عرف لاحقا بالأشكنازيم، العنصر الأساسى فى المشروع الصهيوني.
 
الثانية، السلاجقة، نسبة إلى سلجوق بن دقاق من قبائل الغز، حسب (مروان مدور، الأرمن عبر التاريخ) وفى مصدر آخر من القبائل الخزرية المتهودة (كوستلر).
ومن اللافت للانتباه حسب كتاب (دماء على جدار السلطة) لرجائى عطية، الأسماء اليهودية لشجرة دقاق سلجوق ومنهم إسرائيل وموسى، بالإضافة إلى ينال وأرسلان. وقد عملا فى بداية ظهورهما مع الدولة الغزنوية، قبل أن يرتدا عليها ويحاربوها، شأنهم فى ذلك شأن تاريخهم الطويل مع تحالفاتهم.
 
وكان من أبرز قادتهما، أرطغرل وسلالته ألب أرسلان وملك شاه (معاصر الوزير نظام الملك) وقد انتهوا على يد الخوارزمية فى إيران، لكن تاريخ السلاجقة فى العهد العباسى كان حافلا، منذ الخليفة المعتصم ثم المتوكل، ثم القائم بأمر الله الذى استعان بهم ضد الديلم والبويهيين، وقد حولوا الخلفاء إلى دمى بأيديهم وقتلوا كل من يخالفهم، مثل المتوكل نفسه بالتواطؤ مع ابنه المنتصر، كما عرفوا بسمل عيون الخلفاء العرب والحكم باسمهم ومنهم القاهر والراضى والمستكفي.
الثالثة، العثمانيون، وتختلف الروايات حول الأصل الحقيقى لجدهم الأول سليمان الذى يعيده كتاب (تاريخ سلاطين آل عثمان) إلى إسحق بن فطورة، ومن عثمان، وقد ظهر سليمان شاه فى القرن الثالث عشر الذى توفى غرقا فى شمال الفرات، وخلفه أرطغرل ثم عثمان، الذى اتخذ من بورصة مركزا له، وأقام عهدا مع اده بالى، شيخ طريقة، فيما يشبه عهد آل سعود ومحمد بن عبد الوهاب. 
ويشار هنا إلى أنه بالرغم من حملة الترويج الواسعة لإعلام أردوغان، والنسخة الإخوانية الحاكمة فى تركيا للمسلسل العثمانى أرطغرل، فإن المسلسل لا يستطيع إنكار الظروف الملتبسة التى أحاطت بهذه الشخصية، وبنسبها كما بقبيلة القايى التى يتحدر منها العثمانيون والإمبراطورية الإقطاعية، التى أقاموها على مدار قرون من الظلام والجوارى والخصيان والفساد والاستبداد.
بل إن واحدا من الكتب التى استكملت العمل الدرامى بطبيعة ورقية لمزيد من الترويج، تشاركنا هذه الالتباسات، كما وردت فى الكتاب المذكور، وهو كتاب أرطغرل لمؤلفه موسى إبراهيم الصادر عن دار الإسراء فى عمان 2018:
 
- حسب الكتاب، فإن المصادر المعاصرة فى مرحلة أرطغرل، وهى مصادر إسلامية وبيزنطية، لم تأت على ذكره بتاتا بما يؤكد أنه شخصية مختلقة، ويضيف الكتاب أن المصادر اللاحقة، ومنها ابن بطوطة وكتاب الإمبراطور المؤرخ، يوحنا السادس لم تذكره كذلك – ص7.
ويرى الكتاب أن قبيلة القايى نفسها قبيلة يكتنفها الغموض، وهى أقرب إلى الأساطير منها إلى الحقيقة –ص10.
ويذهب الكتاب أبعد من ذلك بالقول: إن نسب أرطغرل نفسه غير مؤكد إن كان ابن سليمان شاه أم ابن قندوز ألب، المفترض أنه جده – ص29.
أيضا ومقابل ترويج أرطغرل كواحد من أبطال أهل السنة والجماعة فى التاريخ الإسلامي، ينقل الكتاب روايات متعددة حول وضعه ابنه، عثمان، تحت وصاية رجل الدين الصوفى – الشيخ إده بالي، وهو شيخ طريقة لا تعترف بها معظم الفرق السنية، مقابل ما ذكره الكتاب حول تأثر أرطغرل نفسه بالمتصوف الكبير، ابن عربى –ص305 وهو المتصوف الذى كفرته أيضا تيارات عديدة من أهل السنة والجماعة.
ولم يستقر العثمانيون بسهولة، فقد لاقوا مشقة من مقاومة العرب وقتلهم مراد الثاني، وفى تحالفاتهم المتقلبة مع بيزنطة تارة (بايزيد)، ومع تيمور لنك تارة أخرى، الذى وضعهم تحت جناحه.
لكن الأكيد أن بيزنطة الأرثوذكسية، هى التى استدعت قبيلة قايى التركية وزعيمها أرطغرل، ووعدته بتوطين هذه القبيلة فى بورصة وأراض أخرى من الأراضى التى عرفت لاحقا بتركيا، وذلك مقابل مشاركتهم بالقتال ضد الحملات الكاثوليكية وفرسان الصليب المقدس، كما ضد المغول.
وسيمر وقت طويل قبل أن يستفيدوا من الحروب الداخلية للمغول، ومن تآكل بيزنطة وانهيار الدولة العباسية، ومن موجات الطاعون التى أبادت جماعات وجيوشا كاملة فى الأراضى التى استولوا عليها لاحقا، وظلوا يستولون على المزيد من الأراضى فيما يعرف بتركيا الحالية ويعطونها أسماء تركية .
واللافت للانتباه فى تأصيل الأتراك لأنفسهم فى طوران البعيدة عن تركيا وغيرها، أن غالبية المفكرين الذين اهتموا بتأصيل (القومية الطورانية التركية) ليسوا أتراكا، حسب العديد من المرجعيات ومنها دراسات: جعفر هادى حسن، حسان الحلاق، صالح زهر الدين، فيليب ما نسيل و منصور عبد الحكيم و(وطسون)، إذ نجد مفكرين من أصول كردية مثل ضياء كوك ألب، ومن أصول ألبانية مثل فؤاد كوبرولو (مانسيل، تاريخ القسطنطينية الجزء الثاني)، كما نجد مفكرين من أصول يهودية، مثل ألبرت كوهين، وقسطنطين بروجتسكيو بوزوسكى المعروف باسم (مصطفى جلال الدين). 
والجدير ذكره على هذا الصعيد، أن الثلاثى الذى قاد حزب الاتحاد والترقى الماسونى زمن السلطان محمد رشاد الخامس، واشتهر بالتتريك بالقوة لبقية الشعوب المغلوبة ومنهم العرب والألبان، لم يكن أى منهم من أصول تركية، وهم طلعت باشا (غجري) وأنور باشا (بولندي) وجمال باشا (لا يعرف أصله بالضبط) ويشار هنا إلى أن كلمة باشا قد تكون كلمة فارسية (با-شاه) أى قدم السلطان أو الملك.
وفى كل الأحوال، فإن الفيسفساء التركية حتى اليوم لا تؤكد التأصيل التركى المزعوم، فهى خليط من مجموعة أقوام وعرقيات وسلالات والثقافات، يشكل الترك الخلَّص، فيها أقل من ربع السكان، بل إن مانسيل فى كتابه تاريخ القسطنطينية ص 290-300 (أسطنبول )، يشير إلى أن سكان هذه المدينة قبل تتريكها على يد حزب الاتحاد والترقى الماسونى، كانوا قبل الحرب العالمية الأولى على النحو التالي:
%25 من الأرمن (قبل المذبحة المليونية)، و22% من الأرثودكس (اليونان خصوصا)، و4% من اليهود، والبقية من الأتراك.
ويذهب ماركس فى (رسائل النيويورك التريبيون 1853)، إلى أن تركيا فى الواقع ثلاث تركيات، الأوروبية والآسيوية والإفريقية (مصر وشمال إفريقيا)
- على خلاف ما يروج العثمانيون العرب، والأتراك الجدد حول تركيبة الحكم السلطان ويشتد حنينهم إليها، فقد كانت قصور السلاطين مرتعا للمحظيات والقيان (الجوارى المغنيات) والخصيان والطواشية، ومنها قصور دولمة بهجت، توكابى وقصر السلطان عبد الحميد، قصر يلدز. وقد عرف سلاطين الترك بظاهرة (أمهات الأولاد). فمعظمهم من أبناء الجوارى والقيان.
ومما يذكره الدكتور حسين مؤنس عن هذه القصور، أنها كانت تضم نحو خمسة آلاف جارية وخصى، وتستهلك سنويا نحو 60 ألف رأس غنم و 20 ألف عجل و 100 ألف حمامة، وبراميل من النبيذ (اليوناني).
ومن المعروف كذلك، أن البلاط السلطانى كان يضم بالإضافة لدائرة السلطان، الباب العالى والصدر الأعظم (رئيس الوزراء) أو الوزير الأول، وقاضى عسكر (شيخ الإسلام) والدفتر دار (ناظر المالية) والطواشية السود (داخل البلاط) والسباهية والانكشارية والبستنجية، وجماعات أخرى تشبه القوزاق والزيبقة (مانسيل تاريخ القسطنطينية الجزء الثانى ص119/125).
وقد اصطدم الحكم نفسه مع السباهية والانكشارية، السباهية بعد أن نقل منهم نهب الضرائب المفروضة على الفلاحين والشعوب المغلوبة، والانكشارية الذين اصطدموا مع السلطان محمود الثانى بعد تحديث الجيش على يد الإنجليز والفرنسيين، فقتل معظمهم فى ميدان الخيل، وظل السلاطين يعتمدون على الألبان وليس الأتراك فى الحرس السلطانى (مانسيل الجزء الثانى ص 138).
ولمن لا يعرف فالانكشارية هم حصيلة ما عرف بضريبة الأطفال، التى كان الأتراك يفرضونها على الشعوب المغلوبة ويجبرونهم على التخلى عن أحد أطفالهم، ويعطى اسما تركيا.
وفى الحقيقة فإن قضية القتل فى البلاط السلطانى لم تقتصر على ظواهر كهذه، بل إن قتل الآباء والأبناء والأشقاء كان ظاهرة ملازمة للحكم، فالسلطان مراد الأول فقأ عين ابنه تم قتله، وبايزيد الأول قتل أخاه مصطفى، ومحمد الثانى الفاتح قتل شقيقه الصغير حتى لا ينافس ابنه، والسلطان سليم قتل والده بايزيد وشقيقه أحمد، والسلطان سليمان القانونى قتل ولديه مصطفى وبايزيد وأولاده والسلطان مراد الثالث قتل إخوته الخمسة، والسلطان محمد الثالث خنق إخوته التسعة عشر، كما قتل الانكشارية والسلاطين عثمان وإبراهيم الأول محمد الرابع، كما قتل سلاطين مثل عبد العزيز ومراد فى ظروف (غامضة)، بل إن السلطان محمود الثانى الذى أباد الانكشارية، أمر بإغراق 200 جارية من (حرملك) مصطفى الرابع (مانسيل الجزء الثاني).
ويبدو أن السياسات السابقة أسست لتقاليد (ثابتة) فى القتل الجماعى، كما حدث لاحقا فى المذابح التى استهدفت الأرمن وقتل فيها مليون مدنى أرميني.
3 - امتداداً لما سبق فإن أسطنبول حاضرة السلطنة العثمانية، كانت محصلة تمازج كل الحضارات الوافدة إليها كما هى حال أى عاصمة، فهى مدينة فى عمرانها وملابسها وموائدها ومطبخها وثقافتها لهذا التمازج، خصوصا أهل الشام وحلب وجنوى والبندقية والأرمن واليونان وغيرهم.
ومن ذلك توزع اللغات (الفرنسية والفارسية لدى النخبة، السلافية فى القصور نتيجة سيطرة الجوارى والقيان والسلطانات من أصول سلافية، والعربية فى المساجد، ومن ذلك نسب توزع الأطباء والمهندسين والكتاب والنقاشين بواقع أكثر من الثلثين لليونان والأرمن وللشوام والحلبية..
كما نعرف أن السلطنة ظلت لفترة طويلة تمنع الطباعة والتبغ ورفضت إضاءة أسطنبول بالكهرباء، وأسس الأرمن أول مطبعة، واستورد السوريون القهوة من اليمن، وكان أول عمل للاتحاديين بعد الإطاحة بالسلطان عبد الحميد الثانى، هو إدخال الكهرباء وسن قوانين جديدة حول المرأة.
ولعل أهم مؤشر على التخلف العثمانى، هو أن تركيا من الإمبراطوريات القليلة التى لم تنتشر لغتها فى أرجاء إمبراطوريتها، بل إن البلاط العثمانى كان خليطا من لغات الشعوب المغلوبة الأكثر تطورا منه، مثل السلافية والفارسية والعربية.
- أما عن السياسات الاقتصادية للسلطنة العثمانية، فقد عكست شكلا من الإقطاع الشرقى الذى ترافق ما بات يعرف في (الأدب) الاقتصادى بالركود الآسيوى فى (نموذجه) العثماني، وكان هذا الإقطاع يتسلسل من الخاص الهاميونى للسلطان ومستحقاته من الضرائب 100 ألف أقجة، ومن الأراضي (عشرات الآلاف من الدونمات المخصصة للسلطان، عبد الحميد باسم الجفتلك).
ومن مخصصات الفرسان (الزعامت) ما فوق 20 ألف أقجة، والتيمار أقل من ذلك، ومن مخصصات الوكلاء ثم المخاتير الذين كانوا يقومون بإحصاء الماشية والأراضى لغايات الاقتطاعات المذكورة، بالإضافة لإحصاء النفوس، إما لغايات التجنيد الإجبارى بالنسبة للمسلمين، وإما لغايات (ضريبة الأطفال) المفروضة على كل عائلة مسيحية. 
ويشار هنا إلى أن مفهوم البلاد المفتوحة فى العرف العثمانى، امتداد لمفهوم وثنى بدائى قبل دخول الإسلام إليهم، وكانت تعد بالنسبة لهم بلادا تشبه فكرة الغوييما والأغيار، الذين يساوون البهائم فى التوراة اليهودية.
كما يشار إلى نظام «السرجون»، وهو نظام الترانسفير العثمانى للجماعات الوظيفية، إما لحماية مصالح عثمانية وإما للقتال وإما كوكلاء للنهب وتحصيل الضرائب، ومن هذه الجماعات،كما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيرى فى كتابه دفاع عن الإنسان، المماليك بعد إخضاعهم والشركس واليهود.
أما عن السياسات الاقتصادية فى الحقبة الرأسمالية وما رافقها من (مراسيم) وخطوط سلطانية (مراسم التنظيمات والخط الهمايونى وغيرها)، فقد بدأت مع السلطان محمود الثانى وابنه عبد المجيد، ولم تكن استجابة لتطورات داخلية بقدر ما كانت إملاءات من القناصل الأجانب مقابل تقسيط الديون الناجمة عن الفساد والهزائم المتلاحقة أمام جيوش القيصر الروسى وجيوش محمد على فى مصر، ولم تنعكس على شكل برجوازية وطنية جديدة، بل على شكل امتيازات للأجانب وإجراءات شكلية داخل البلاط مثل السروال والطربوش الأحمر والأثاث الأوروبى، ووضع الشمبانيا على طاولات العشاء فى المناسبات السلطانية، ومثل ذلك زواج الكابينة (العقد العابر) الذى تطور من البيوتات اليونانية الأوساط (الأرستقراطية) السلطانية.
5- فيما يخص العثمانيين العرب وحنينهم المذهبى إلى الاستعباد التركى، فإن تركيا ليست (دولة سنية) بالمعنى الذى يتوقون إليه، فمنذ عهد عثمان مع شيخ الطريقة إده بالي، وهم يطعمون الزوايا والتكايا الصوفية المختلفة، مثل البكتاشية (أيديولوجيا الانكشارية) والمولوية (نسبة إلى جلال الدين الرومي) والنقشبندية وغيرها، بشيء من (أبو حنيفة) انطلاقا من اعتبارات سياسية لا مذهبية، إذ كان أبو حنيفة الإمام الوحيد من الأئمة الأربعة، الذى لم يربط الخلافة بالعروبة وبقريش خصوصا.
ومن المدهش هنا أن العثمانيين حطموا وأنهوا آخر دولة للسنة فى التاريخ، وهى دولة المماليك البرجية - الشراكسة فى مرج دابق 1516.
وقامت بصلب آخر سلاطينها طومان باى على باب زويلة فى القاهرة، أما الإسلام السياسى التركى الحديث، كإسلام طورانى فى الوقت نفسه فدونه الوقائع والمعطيات التالية:
الأولى، خلال الحرب العالمية الأولى ومقابل ميليشيا (جيش الخلافة الإسلامي) الذى أسسته المخابرات البريطانية لدعم السلطان ضد الجيش التركى، بعد أن أصبح فى قبضة العلمانيين من جماعة الاتحاد والترقى (مانسيل، القسطنطينية الجزء الثانى ص236)، ومقابل جيش محمد الذى رعته المخابرات الإيطالية، فقد أظهر إمبراطور ألمانيا، فيلهلم الثانى (ويليام الثاني) اهتماما كبيرا بتركيا والتحالف معها، وراح يمزج اهتمامه باليهود وتوطينهم فى فلسطين، حتى إنهم لقبوه بـ (حامى اليهود)مع اهتمامه بإعلان الجهاد الإسلامى ضد الروس والإنجليز، وكلف مستفيدا من تجربة لورنس الإنجليزى المؤرخ والجاسوس وعالم الآثار الألمانى ماكس أوبنهايم (مؤلف كتاب البدو) بهذه المهمة، حيث نظم مع شعبة الاستخبارات فى الجيش الألمانى عدة جماعات إسلامية مدربة ومسلحة، أشهرها جيش الشام الإسلامي، (مانسيل، ألمانيا والشرق، ص26-31).
7- فى السياسة الخارجية التركية: لم يستقر الأتراك منذ حضورهم فى التاريخ، على تحالف معين، سواء مع أولاد عمومتهم من المغول والصفويين (أتراك من أذربيجان) أم مع الأوروبيين ثم مع الأمريكيين.
فمن التحالف مع الإنجليز إلى التحالف مع فرنسا فيما عرف بتحالف الهلال والزنبق ضد روسيا والنمسا، إلى حروب مع روسيا غالبا ما أعقبتها تحالفات معها فى عهد السلطان عبد العزيز ثم فى عهد أتاتورك، الذى اعتمد على روسيا كثيرا فى شطب معاهدة سيفر، واستبدالها بمعاهدة لوزان، ولا تزال أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم الحليف الأساسى للأتراك بكل تياراتهم العلمانية والإسلاموية، وبوسع المهتمين بذلك العودة إلى كتابات بريجنسكى وضابط الاستخبارات الأمريكى الأسبق، جراهام فولر، أحد رجال (إسرائيل) السابقين فى الإدارة الأمريكية ومؤسسة راند، راعية التحالف المدنى فى الوطن العربي.
بيد إنما يهمنا هنا، بالدرجة الأولى، العلاقات التركية مع اليهود والعرب:-
أولا، يرى المفكر المصرى سمير أمين أن صعود القبيلة العثمانية ألحق ضررا فادحا بالأمة العربية وكان على حسابها .
فحسب سمير أمين ونظريته المخالفة للتحقيب الماركسى التقليدى لأنماط الإنتاج ظل المشرق العربى بكل تنويعاته على رأس النمط المركزى، غرب آسيا وشمال إفريقيا، وهو النمط الخراجى الإيلافى القائم على تحالف المدن السنية العربية مع القبائل البدوية، سواء كانت عربية أم وافدة، وكانت تتولى حماية القوافل والتجارة الطويلة، وعندما تحولت طرق التجارة شمالا، انتقلت الزعامة العربية إلى تحالف جديد هو تحالف المدن الإيطالية مع القبيلة البدوية الصاعدة، القبيلة العثمانية.
 قد لا يعرف كثيرون أن أوساطا تركية عديدة تربط بين الشتيمة وبين كلمة عربى وعرب، كما كان الأوروبيون يفعلون ذلك فى القرون الوسطى مع اليهود، وتعنى الكلمة المذكورة بالتركى ما معناه (الكلب)، والأخطر من ذلك سياسيا، هو انتزاع المرجعية السياسية من العرب، عندما قام السلطان سليم الأول باعتقال آخر الخلفاء العباسيين (الشكليين)، بعد سقوط مصر تحت الاحتلال العثمانى وإجباره على التنازل عن (الخلافة العربية)، وتسليمه البيرق والسيف والبردة والخاتم. وعلى مدار قرون السلاطين العثمانيين لم يقترب أى عربى واحد من مرتبة الصدر الأعظم (الوزير الأول) ومن بين 131 من شيوخ الإسلام فى الإمبراطورية العثمانية، تولى هذا المنصب شيخ واحد من حلب، هو الشيخ علاء الدين العربى وذلك فى عهد بايزيد الثانى (أحمد شقيرات، شيوخ الإسلام، ص287).
كما خضع العرب كغيرهم لضرائب الإقطاع وللتجنيد الإجبارى والمعاملة المهينة والحط من الكرامة، ومن المحطات الأخرى دور الجند الترك فى قمع العديد من الثورات العربية، مثل ثورة المبرقع اليمانى جنوب بلاد الشام ضد السياسات الإقطاعية وضد استحواذ الترك على مقاليد الخلافة .
ومن ذلك أيضا على ما يذكره رجائى عطية فى كتابه (دماء على جدار السلطة) تواطؤ سلاطين الترك مع الاحتلال الفرنسى ثم البريطانى لمصر، وقمع ثورة أحمد عرابي، وذلك برغم أن الجيش المصرى المكون من الفلاحين العرب هو الذى أنقذ السلطنة العثمانية  ثورة الجزيرة العربية، ومن ثورة اليونان وكريت، أما فى الأزمنة الحديثة، قد بدأت تركيا هذه الأزمنة بشطب الأبجدية العربية (لا تزال مستخدمة فى إيران والباكستان وأفغانستان)، كما ظلت الموصل وحلب موضعا للأطماع التركية ويشار لهما فى الخرائط وموازنات الدولة التركية، وذلك فضلا عن اقتطاع الإسكندر ونو كليكيا وأورفا وماردين من سوريا بدعم الاستعمار الفرنسى عشية الحرب الثانية، ومن الحروب التركية (الناعمة) ضد العرب حرب المياه وأشهرها الناجمة عن سد أتاتورك.
ثانيا، ليس التحالف الأمنى العسكرى والاقتصادى فى إطار حلف الأطلسى الجنوبى هو ما يربط تركيا مع العدو الصهيونى، وحسب، فثمة ما هو أعمق وأبعد من ذلك:
- إن الطرفين حالة من حالات الغزو الاستيطانى الإحلالى، ووضع اليد على أرض محتلة والسعى إلى تأصيل ذلك (دينيا)، فلا فلسطين أرض اليهود ولا تركيا الحالية أرض الأتراك القادمين من شمال آسيا الوسطى، وبالرغم من كل ما يقال عن مواقف للسلطان العثمانى عبد الحميد من الاستيطان اليهودي، فالمستوطنات الكبيرة الأولى قامت فى عهده، بل إن السلطنة اخترعت مواسم دينية فى فلسطين بأسماء يهودية أشهرها (موسم النبى روبين).
- الحضور اليهودى اللافت للانتباه فى قائمة مؤسسى الفكر الطورانى، مثل بورونسكى وألبرت كوهين.
- دور الصيارفة اليهود فى إقراض السلاطين وإدارة استثماراتهم، كما يذهب (ألبرت حورانى فى دراسته (الهلال الخصيب).
- دور المحظيات والجاريات اليهوديات فى البلاط العثمانى، ومنهن والدات للعديد من السلاطين، وحسب كتاب (مانسيل، القسطنطينية الجزء الثاني)، فإن معظم (الكراء) اللواتى كن يشرفن على تزويد الحرملك بالجوارى والقيان، كن يهوديات.
- محطات اليهود الخزر ،ويهود الدونمة فى التاريخ العثمانى، فاليهود هم أول ظهور للأتراك على مسرح التاريخ، وهم اليوم قوام المشروع الصهيونى فى فلسطين المحتلة، وبالتالى جزء من الطورانية التوسعية العنصرية التركية، ويرى المؤرخ اليهودى كوستلر أن سلجوق نفسه كان يهوديا، أما يهود الدونمة وقسم منهم من يهود الأندلس فقد تمكنوا عبر التظاهر بالإسلام من اختراق الباب العالى طولا وعرضا، وتقديم أكثر من وزير أول ومسئول خلال السلطنة وفى العهد الجمهوري.
- أخيرا، فإن الشعوب التى وقعت تحت الاستعمار العثمانى الإقطاعى لم تتوقف عن الثورة حتى نالت استقلالها، وأكملت معركتها ضد الاستعمار الأوروبى الرأسمالى، ومنها العرب والألبان والبوسنة والصرب والبلغار والأرمن والكرد وغيرهم، وقد تركت ملاحم وأعمالا أدبية تؤرخ لذلك، مثل العديد من الروايات العربية والأرمينية ومثل رواية جسر على نهر درينا للبوسنى إيفو اندريتش ورواية الحصن للألبانى، إسماعيل كادريه.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg