رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 25 مارس 2019

ثقافة



«دميانة»

12-3-2019 | 22:15
أ. د. عمرو بسطويسى

 

 
طلب الجراح من الفريق أن يشاركوه فى الدعاء إلى الله أن يهيئ لدميانة أسباب الشفاء 
 
كانت دميانة فى منتصف الأربعين وكان صمامها الأورطى هو الضحية للحمى الروماتيزمية 
 
لم يكن الطريق الصحراوى بين القاهرة والإسكندرية، قد اكتمل تجديده فى تلك الفترة، وكان على الدكتور عمار أن يقطعه بصعوبة مرة فى كل أسبوع منطلقاً من منطقة الجيزة، حيث يعيش، إلى الإسكندرية قاصداً أحد المستشفيات التابعة لأمانة المراكز الطبية المتخصصة، حيث يقوم بإجراء حالتين إلى أربع حالات قلب مفتوح على التوالى فى يومٍ واحد، كان الأمر كله بالنسبة له خليطاً من المشاعر والأحاسيس، فمع الإرهاق البدنى والذهنى كان التحدى له كجراح قلب، والإحساس بالإنجاز غير المعتاد حافزاً للاستمرار. 
الاستيقاظ قبل الفجر والسفر بسيارته والعمل طوال اليوم كان عبئاً جسدياً وذهنياً له حلاوته بعد انتهاء العمل بنجاح، وقد اعتاد أن يبيت ليلته فى منزل خاله، وينطلق عائداً فى صباح اليوم التالى بعد أن يطمئن على مرضاه ثم يزور قبر ابنه المدفون فى منطقة المنارة.  
وكان ذلك اليوم مشابها لكل الأيام التى سبقت، فقد اتصل بفريقه فى المستشفى وهو عند بوابات الإسكندرية، ليبدأ فى تحضير الحالات للجراحة توفيراً للوقت. 
وكالمعتاد وصل للمستشفى وقابل مرضاه وتعرف إليهم، وقام بتسجيل بياناتهم الطبية على جهاز الكمبيوتر الخاص به واستعد ليومه الطويل. 
وكانت أولى الحالات لمريضة تدعى «دميانة» التى أصاب قلبَها ما أصاب آلاف المصريين، وهو داء الحمى الروماتيزمية الذى ينتج عن التهابات الجهاز التنفسى العلوى بواسطة بكتيريا يتشابه تركيبُها البروتينى مع ذلك الموجود فى أنسجة القلب، وكذلك المفاصل.
 وعليه، فبعد أن يشفى المريض من الالتهاب التنفسى، يكون جسمه قد كوّن أجساما مضادة للبكتيريا، فتقوم تلك الأجسام خطأً بمهاجمة أنسجة القلب وبالأخص الصمامات، وكذلك غضاريف المفاصل فيما يسمى (الحمى الروماتيزمية)، وتترك هذه الحمى المريض وقد دمرت صمامات قلبه، لكن دون أثر يذكر على المفاصل، مما جعل الأطباء يصفونها بأنها «الحمى التى تلعق المفاصل ولكنها تعض القلب». 
كانت دميانة فى منتصف الأربعين وكان صِمَامها الأورطى هو الضحية للحمى الروماتيزمية، التى عانقت هذا الصمام لسنواتٍ طوال، مما جعل الصمام متكلساً كما لو تم نقعه فى أسمنت مسلح، وكانت معركة الطبيب فى أن يستأصل هذا الصمام بتكلساته الحجرية دون أن يصيب الأجزاء الأخرى السليمة من القلب بضرر، وفى نفس الوقت يتوجب ألا يترك وراءه بقايا من هذه التكلسات التى فى أغلبها لا تكون مرئيّة وتسقط فى أعماق البطين الأيسر بعيدة عن الأعين، مما يستدعى غسل تجويف القلب بالمحلول الملحى لعدة مرات مع وضع شفاط واسع الفوهة لكى يَضمَن الجراح إزالتها جميعاً قبل أن يغلق القلب، وإلا ذهبت كلها مع الدورة الدموية عند أول دقة للقلب مسببة انسدادا بأى شريان، ومن ثم جلطات فى العضو الذى يغذيه ذلك الشريان. 
وعليه فقد قام الطبيب بكل هذه الخطوات وانتهى من تغيير الصمام المريض بآخر صناعي، وقام بإغلاق القلب وتسخينه انتظاراً لأن يدق من جديد.
وصلت حرارة القلب إلى درجتها الطبيعية، وتأكد طبيب التخدير أن كيمياء الدم على ما يرام، لكن طال انتظار الدكتور عمار وفريقه لأن يدق القلب من جديد، لكن هذا لم يحدث، ساد الوجوم على وجوه جميع من بغرفة العمليات، فهذا لا يعنى فى العرف الجراحى إلا شيئاً واحداً وهو أن المريضة لن تخرج حية من الغرفة. 
أدرك الجراح على الفور أن الاحتمال الأكبر هو أن بعض بقايا التكلسات من الصمام قد أفلت من الغسيل، وأنه قد وجد طريقه إلى أحد الشرايين التاجية للقلب وسدها، لم تكن هناك أية طريقة لمعرفة أى الشرايين هو المسدود، بينما المريضة لا تزال فى غرفة العمليات، أحس الجراح بعجزه الشديد وقلة حيلته فلا يوجد فى حياة الطبيب أسوأ من أن يموت مريضه، وهو بين يديه. لم يستحوذ على تفكيره فى تلك اللحظات شيء غير تلك الأسرة التى تنتظر شفاء دميانة أمام غرفة العمليات، وذلك الألم الذى سَيُلِم بهم إن أصابها مكروه. 
طلب الجراح من الفريق أن يشاركوه فى الدعاء إلى الله أن يهيئ لدميانة أسباب الشفاء، وما هى إلا دقائق حتى هداه عقله إلى أن يجرى لها عملية إضافية لتوصيل الشريان التاجى الرئيسى لعله يكون هو الشريان الذى سدته بقايا التكلسات مما منع القلب أن يدق من جديد، طلب عمار من مساعده أن يستخرج وريداً من ساقها وقام بتوصيله. 
كل هذا ولم يتوقف عن الدعاء لمريضته ولم يتوقف عن ذلك أيضاً أعضاء فريقه. 
أتم الطبيب العملية الإضافية وبدأ القلب فى النبض على استحياء، لكن دقاته لم تكن بقوة كافية لأن يأخذ المريضة إلى بر الأمان، ساد الوجوم مرة أخرى على وجوه الجميع فلم تعد فى جعبتهم حيل أخرى لإنقاذ دميانة. طلب الجراح من فريقه أن يهدأوا تماماً وأن يتجهوا مرة أخرى إلى الله بالدعاء أن ينقذ دميانة مما هى فيه، وبعد بضع دقائق فوجئ الجميع بطبيب التخدير ينبه الجميع إلى أن أحد الشفاطات - الخاصة بجهاز القلب الصناعى والموصلة بالشريان الأورطى بالقرب من فتحات الشريان التاجي - سرعة الشفط فيه عالية على غير المعتاد، أدرك الجراح على الفور أن هذا الشفاط قد «يسرق» الدم من الشريان التاجي، بما لا يسمح للقلب بالانقباض، أغلق الطبيب الشفاط وإذا بقلب دميانة يدق وبقوة كما لو كان قلب شاب فى العشرين معلناً نجاح الجراحة وقبول دعاء كل الفريق من أجل دميانة.
ومنذ ذلك اليوم المشهود، وعند أية مشكلة يتعرض لها مريض فى غرفة العمليات، وقبل أن يفكر الدكتور عمار فى حل لها، يجد أحد أعضاء فريقه موجهاً كلامه إلى زملائه قائلاً: «يالا ندعى يا جماعة زى ما كنا بندعى لدميانة». 
«وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» [البقرة : 186].

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg