رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 25 ابريل 2019

مقالات



رسالة «نبيل» إلى بلاد الأبقار

20-3-2019 | 16:17
أسامة سرايا

رحم الله زميلنا الراحل نبيل زكى، الصحفى والسياسى الكبير من العيار الثقيل.. وقد انتقل إلى جوار ربه فى أسبوع الآلام..
 
وله من اسمه نصيب كبير.. فهو نبيل وهو ذكى، لامع، وقوى.. عاش حياته المهنية والإنسانية يحمل رسالة ومعنى وقيمة لوطنه، طبعا ولأهله، بل وللإنسانية جميعا..
 
نبيل كان يساريا مصريا حتى النخاع، دخل اليسار من باب النبل، وحب الفقراء، والمساواة بين الناس.
 
وفى المهنة جمع بين حرفية الكتابة وجمال وقوة الجملة، وبين الترجمة الرفيعة بين الثقافات العربية والأجنبية.. وفى حياته الأسرية كان نموذجا، جمع بين الإسلام والمسيحية معا، حتى وصل إلى قمة
حزب اليسار (حزب خالد محيى الدين) أحد ضباط ثورة 1952 الذى حمل مبادئه حتى رحيله، لم تستهوه المناصب، وتحمل نتيجة اختياراته إلى النهاية..
 
يساريون كثر تدفقوا على عقلى، برغم أننى لم أكن يساريا، لكن ظللت معتقدا أن المكون الاشتراكى ضرورى للمجتمعات الرأسمالية، لضمان حقوق العمل. وحياة ملؤها الكرامة لمختلف فئات الشعب، وأن هذا المكون يزيد أو ينقص بدرجة التحول الاقتصادى والنمو، وتدفق مصالح الشعب فى التفاعل الاقتصادي، ولذلك ظلت تجمعنى باليساريين لغة المودة والاحترام..
 
أتذكر جيدا فيليب جلاب، النقابى ورئيس تحرير جريدة (الأهالي) وكذلك نبيل زكى الذى سيعيش معى إنسانا أحترمه، وأجله إلى أن نلقى جميعا ربا كريما سوف يقدر أعمالنا، ويحاسبنا عما أعطانا.. وعما فعلنا به ؟
 
وسيكون لزميلنا نبيل زكى نصيب كبير فى ذلك، وهو الوطنى المصرى الذى لم يفرّق بين الأديان.. كان مسيحيا، وظل يحترم ذلك حتى آخر يوم فى حياته، برغم أنه أصبح مسلما، وتزوج حبيبته المسلمة، حيث جمعه الحب بالإسلام، ثم بالاقتناع والإيمان.
 
قصة حياة نبيل زكى أسطورية، تصلح لأن تكتب فى الدراما أو السينما، فكلها عظات وعبر، ليس لنا فقط، ولكن للأجيال القادمة كذلك.. 
 
تذكرتها وعاشت معى، وأنا أتابع قصة التطرف القادمة من بلاد أوروبية بعيدة، لم تكن فى ذهننا أبدا أن تكون أرضا للتعصب، والجاهلية، والكراهية التى يفجرها الرجل الأبيض ضد أقلية مسلمة تعيش هناك.
 
هذه البلاد التى ظللنا دائما نتذكرها بأنها أرض أو مزرعة الأبقار، أو ما تعرف “بنيوزيلندا” فهى بلد الخير واللبن للعالم .. نستورد منها الجبن والبقر، فإذا بها فى عام 2019 تصدر لنا الخوف والكراهية..
 
لكم أن تفكروا كيف أربط بين القصتين.. نبيل زكى من أسرة مسيحية مصرية دخل الإسلام .. وتزوج مرتين.. وأنجب البنات وعاش فى تسامح أسرى أخاذ فى بلاد الشرق التى ظلوا ينعتونها بالتطرف والإرهاب، صحيح ظهر بين أجنحتنا متطرفون .. يكرهون كل الأديان، لكنهم لم يكونوا أبدا يؤمنون بالأديان.. فهؤلاء فى عرفنا إرهابيون نحاكمهم ونقتص منهم..
 
لم يكن نبيل زكى الراحل الكريم نموذجا وحده لهذا التعايش الكريم، فهناك كثيرون لديهم قصص سعيدة فى عالمنا ..
 
لكننا نذكر البابا المصرى تواضروس الذى حمى الوطن المصرى عند هجمة التيار المتطرف الذى ظهر فى مصر وحكم لمدة عام، ثم خلعه المصريون.. فخرج أبناء هذا التيار يحرقون الكنائس والوطن معا، لا يفرقون بين مسلم ومسيحى.
 
قصة مذهلة كيف تقتل فئة باغية أغلبية الناس من أجل حكم عارض؟ ولماذا يريدون الحكم إذا كانوا يقتلون أهله؟
 
فخرج البابا النبيل تواضروس لكى يشيد بالوطن، ويقول: وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن.
 
ونذكر قصة البابا الراحل شنودة الثالث الذى قال: ”مصر وطن يعيش فينا ولا نعيش فيه”.. هكذا يظل الشرق مصدرا للقيم ولحقوق الإنسان الحقيقية بلا تزيد ولا كراهية وسيظل الشرق والأديان كلها إسلاما ومسيحية ويهودية ، مصدرا للخير والحب والسلام.
 
ما أبشع الجريمة التى ارتكبت فى بلاد مزرعة الأبقار ضد مجموعة من المسلمين الذين يؤدون الصلاة فى رحاب مسجد أو مسجدين صغيرين، صورة دامية عكست الشر الذى يتربص بعالمنا ..
 
والكراهية التى سوف تقتلنا.. لكننا فى تلك اللحظات نتذكر رموزنا من نبيل زكى إلى فيليب جلاب، ومن تواضروس إلى البابا شنودة فنقول إن فى مصر مصريين فقط، فهم مسلمون يصلون فى المساجد، ومسيحيون يصلون فى الكنائس.
 
وفى آخر اليوم يجلسون معا.. ويفكرون .. ويبنون وطنا متحدا.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg