رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 26 ابريل 2019

مقالات



المادة 19

20-3-2019 | 16:18
د. إيمان طاهر

منذ أن وطأت قدم الإنسان هذه الأرض وهو يبحث عن السعادة بكل تشابكاتها المرتبطة بفضائل أو رذائل، وكل غاياته فى أن يتمتع بالحرية والكرامة والأمان والمساواة وحقه فى الاختيار، مصطلحات ظلت تلاصق الوجود الإنسانى معقدة ومبهمة، وكم خضعت لتغييرات وتلاعبت بها عقول ودول لتنقلها من سياق إلى آخر فى ظل السياسات والأنظمة المتغيرة.
قد نرى عنفا هنا وقتلا هناك وأعمالا همجية تأذى منها الضمير الإنسانى كثيراً، وكان وقع الظلم والاستبداد هو الغالب فيها!!
فى عام 1948 تحديداً 10 يناير، تم وضع وثيقة اشترك فى صياغتها ممثلون من جميع دول العالم ومن أعظم الأساتذة المتخصصين قانونيا وثقافياً وفنياً لتحديد ماهية حقوق الإنسان وسبل تحقيقها.
لتقدم للعالم أسس ثابتة ومبادئ يجمعها القانون وتذيب فيها الفروقات بين البشر ليتساوى الجميع فى الحقوق والحريات.
هناك مادة فى تلك الوثيقة وهى المادة (19) “ لكلِ شخص حقُّ التمتُّع بحرِّية الرأى والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته فى اعتناق الآراء دون مضايقة، وفى التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأى وسيلة ودونما اعتبار للحدود”.
بالطبع استقبلت كل الشعوب تلك الوثيقة بحفاوة بالغة، ظناً منهم أن إرادة الشعوب ستكون هى الأساس لسلطة أى دولة، ولكن ماذا حدث على الأرض فعلياً من تطبيق؟
طوال السنين الماضية وصفحات التاريخ حافلة بالعديد والعديد من الأمثلة على قلب تلك المواد التى حفلت بها الوثيقة من قبل القوى المسيطرة عن طريق استخدام تلك المادة الخطيرة فى الوثيقة، فقد تمكنت أقلية على قدر كبير من الذكاء والعلم والثروة من تشكيل عقول الشعوب وتوجيهها وحشدها عبر وسائل الإعلام، وتم استخدام التعليم أيضاً كوسيلتين دائمتين للسيطرة المباشرة والمستمرة.
فمعركة الوعى عن طريق تبادل المعلومات والأفكار وهى الأخطر، والتى تعتبرها الدول الصناعية مثلاً هى أهم الحقوق، فالوكالات الخاصة التى تتحكم بثروتها ونفوذها فى وسائل الإعلام الكبرى تشكل انتهاكات مستمرة على الصحافة عن طريق فرض معتقدات زائفة لتتيح لهم نشر مشاريعهم التجارية وسلعهم، وسيطروا على تلك الوكالات، ومن ثم على معظم وسائل الإعلام لتطويق عقول الناس وحصرها فى زاوية ما يقدمونه فقط لهم.
من استهلاك ورغبات جامحة فى الامتلاك وهكذا يتم تغيير العادات والتقاليد، وخلق مفاهيم جديدة للحياة تقوم فقط على إشباع حاجاتهم المستمرة إزاء العروض التى تحاصرهم فى كل وقت ومكان.
فى إحدى الدراسات الأكاديمية رصد أحد الباحثين كيف استطاعت أمريكا أن تتلاعب بحقوق الإنسان بوضعها احتياطات بعيدة المدى، لتضمن أن تظل صناعة الاتصالات تحت أعينها، وكشف الخلاف بينها وبين منظمة اليونسكو التى طالبت بتحويل الإعلام الدولى إلى نظام ديمقراطى ليتم تطبيقه فى كل دول العالم عن الوجه الحقيقى لأمريكا التى اتهمت اليونسكو بالغش والكذب!! فكيف لتلك الدولة القوية بكل أدواتها وطغاتها أن تسمح بأن يمتلك الآخرون نفس قواها!!
هنا سقط أمام أعيننا جميعاً بند (19) وهكذا فوثيقة حقوق الإنسان بكل ما شملته من قيم وهمية كان يجرى فى الفناء الخلفى أبشع الجرائم الوحشية، وتتم السيطرة على الوعى وتغييره عن طريق تلك المادة التى ظلت وما زالت تحت أيدى أمريكا، لتبقى انتهاكات حقوق الإنسان طى الكتمان، وترفع عبء الضمير وتخلص الذاكرة من الحقائق التى لا يجب أن يعرفها أحد، فمولت حكومات أمريكا اللاتينية التى استخدمت ذلك التدفق المالى فى تعذيب واضطهاد مواطنيها، واغتالت رجال دين وأعضاء لاتحادات عمال هنا وهناك، وأدباء وصحفيين، ورفضت مطالبات الدول الأخرى باحترام الفروق الثقافية بين الدول وقدمت على طبق من ذهب تجارة الموت ونشرت سلاحها هى وحلفائها، انظر إلى الأسواق الجديدة التى تقدر بعشرة مليارات دولار للطائرات المقاتلة، والتى تستخدم فيها تقنية الأجهزة الإليكترونية وأنظمة الاتصالات الحديثة ودعم الصادرات للأسلحة بمنح وقروض لتحويل الأموال العامة إلى أرباح خاصة، وتوجيه اقتصاديات الدول لمزيد من الإنفاق العسكرى وليس الاجتماعي.
واستخدامها لحق الفيتو فى كل قرار لمجلس الأمن حينما تستغيث الدول من وقع حروبها الإرهابية المصدرة لها.
كم تلطخت تلك الوثيقة بدماء الإنسان بشكل يقترب من الإبادة من منطقة لأخرى أمام تعطش تلك الدول الكبرى للدماء.
والغريب والعجيب فى ظل تلك الهيمنة الاستعمارية والعنصرية، تظل تدفع بوجوه من النشطاء والخبراء والمحامين وتدربهم على إعداد تقارير للانتهاكات فى كل أنحاء العالم، ليثبت أمامنا بشكل صريح ومباشر أن قادة العالم الحر الليبرالى يديرون العالم بنظام السوق فى استخدام الشعوب والضعفاء لتحقيق أكبر فائدة لهم.
يريدون أن يفرضوا علينا واقعاً مغايراً للحقائق بشكل جبان، ومن خلال منظورهم الخاص المعتمد على مبدأ فجوة الذاكرة المتعمد عن طريق إعلامهم.
هذه مادة من ضمن عدة مواد تم انتهاكها بشكل فاضح للغاية، فالمسألة ليست وثيقة ورعاية وإيهاما بأنهم أصحاب المميزات فى تطبيق تلك الحقوق الديمقراطية الإنسانية، هل نستطيع أن نرفض عبر إجماع الشعوب القادرة على التحليل والفهم، أن نؤثر من خلال تكتلاتنا الإنسانية ونمارس ضغطاً لنجعل تلك الوثيقة واقعية؟!
وننجو من فخ المادة (19) وغيرها؟

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg