رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 25 ابريل 2019

مقالات



باريس تحترق

20-3-2019 | 16:14
عبدالله حسن

مدينة النور التى طالما تغنى بها الشعراء، وكانت ملهمة للعديد من الأدباء والفنانين، الذين كتبوا الروايات الخالدة، وكانت مقصدا للسياح من مختلف أنحاء العالم لزيارة معالمها الشهيرة، تتعرض حاليا لمظاهرات حاشدة، تحولت إلى عمليات حرق وتدمير وسرقة ونهب، لم تشهدها طوال تاريخها منذ اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789، والتى كانت ملهمة للعديد من الثورات فى العديد من البلدان، كانت البداية منذ أربعة أشهر مظاهرات سلمية فى باريس وعدد من المدن الفرنسية، ارتدى المتظاهرون فيها السترات الصفراء التى تعتبرها الشرطة ضرورية عند ترخيص السيارات، لضمان سلامة أصحاب السيارات عندما تتعرض سياراتهم لأية أعطال أو حوادث، يرتدونها طلبا للنجدة وتلفت الأنظار إليهم بألوانها الفوسفورية، تفتق ذهن المتظاهرين إلى استخدام هذه السترات للتعبير عن سلمية المظاهرات، وطلبهم للنجدة المتمثّلة فى مطالبهم  بتخفيف الضرائب، وعدم رفع أسعار المحروقات، والتى تشمل البنزين والغاز والسولار والكهرباء وزيادة إعانات التضامن الاجتماعى، وأطلق الإعلام على هذه المظاهرات اسم مظاهرات السترات الصفراء، وتحولت الشعارات تدريجيا إلى المطالبة بإقالة الرئيس والحكومة، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وتطورت تلك المظاهرات إلى أعمال عنف وحرق وتخريب وتدخلت الشرطة للحد منها، وظهر أن هناك تخطيطا محكما، شاركت فيه قوى اليمين واليسار المتطرفين، والمعروفين بمعاداتهم للأجانب وللحكومة الحالية، حيث شاركوا فى الانتخابات الرئاسية والبلدية، ولم يحققوا أحلامهم فى الوصول إلى السلطة، وانتهزوا هذه المظاهرات وخططوا لها أن تكون فى أيام عطلة نهاية الأسبوع يومى السبت والأحد من كل أسبوع، حتى يوهموا المواطنين بأنهم لن يؤثروا على النشاط الاقتصادى والتجارى فى البلاد، وعلى الرغم من استجابة الحكومة لمطالبهم، فإنهم استمروا فى تنظيم المظاهرات الأسبوعية فى باريس وضواحيها، وكان من الطبيعى أن يستغل البعض هذه المظاهرات للقيام بعمليات تخريب للممتلكات والمنشآت العامة، وظهرت عناصر ملثمة تحطم واجهات المحلات وتسرق محتوياتها، وتحرق وتدمر السيارات والمحلات، وحاولت الحكومة احتواء الموقف، ودخلت فى مفاوضات مع بعض المتظاهرين واستجابت لمطالبهم لتهدئة الأوضاع، خصوصا مع قرب احتفالات الأعياد التى تستعد لها السلطات كل عام، وتكون باريس مقصدا لملايين الزائرين للاحتفال بهذه المناسبة، وأدت المظاهرات إلى انخفاض السياحة التى تعتبر أحد المصادر الرئيسية للدخل القومى، وتحملت ميزانية الدولة مليارات اليوروهات خسائر بسبب هذه المظاهرات، ويوم الأحد الماضى كانت ذروة المأساة، حيث اقتحمت عناصر إرهابية ملثمة المحلات الشهيرة فى شارع الشانزليزيه فى قلب باريس، وأشعلت النيران فى مقهى الفوكيتس الشهير، الذى كان يرتاده أثرياء العالم من كل مكان، وكان يعتبر أشهر مقهى فى العالم، كما حطموا محلات كارتييه وبوس وسيليو ودراج ستور وغيرها من المحلات الشهيرة، ونهبوا محتوياتها الثمينة وأشعلوا النيران فيها، وأثارت هذه المشاهد المؤلمة ملايين الفرنسيين الذين خرجوا فى مظاهرات تندد بعمليات التخريب والنهب التى تتعرض لها بلادهم، ووجهوا اللوم الشديد للرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، وحملوه المسئولية الكاملة فى عدم استخدام الجيش والشرطة لحماية البلاد من هؤلاء المخربين، وأخيرا أعلن إدوارد فيليب رئيس وزراء فرنسا قرار الحكومة بحظر هذه المظاهرات فورا، وأقال قائد شرطة باريس لتقصيره فى حماية البلاد والمنشآت العامة والخاصة من الحرق والنهب، وعدم القبض على المجرمين الذين ارتكبوا هذه الجرائم، ووضع حد لها قبل أن تتفاقم بهذه الصورة البشعة، وبدأت فرنسا فى اتخاذ إجراءات صارمة، تشارك فيها قوات الجيش والشرطة، لتأمين البلاد وحمايتها من الإرهابيين .
 
وقد أعادت أحداث باريس إلى الأذهان ما حدث فى مصر يوم 25 يناير عام 2011، حين تطورت المظاهرات إلى أحداث عنف وقتل وتخريب، وكان جيش مصر وشرطتها هما الملاذ الأخير، لحماية البلاد وأمنها وأمن المواطنين من خطة التدمير والتخريب التى تقودها قوى الشر، ولتؤكد أحداث فرنسا أن الجيش القوى تعاونه الشرطة الوطنية هما الضمان الوحيد لأمن البلاد، وحمايتها من كل سوء، ولا مجال لمن يتشدقون بحقوق الإنسان ويتخذونها ذريعة لتنفيذ مخططات بعيدة المدى، دون أن يضعوا فى اعتبارهم حقوق المواطنين فى العيش فى بلادهم فى أمن وسلام .
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg