رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 25 ابريل 2019

مقالات



الإسلاموفوبيا.. المؤامرة الكبرى على الإسلام والمسلمين

20-3-2019 | 16:13
د. حسن أبوطالب

على الرغم من تعرض جاليات مسلمة تعيش فى الغرب لأعمال قتل إرهابية جماعية فى السنوات القليلة الماضية، كالمجزرة التى جرت فى النرويج 2011 على يد المتطرف اليمينى أندرس بريفيك، وخلفت 77 قتيلاً من المسلمين، فإن حادثة قتل المسلمين فى مسجديْن بإحدى المدن فى نيوزيلندا أثناء صلاة الجمعة الخامس عشر من مارس الجارى، تمثل أكبر دليل على مدى تعمق ظاهرة كراهية المسلمين فى الكثير من المجتمعات الغربية، وأن المدى قد وصل إلى نقطة الخطر الداهم، الذى ينذر بمواجهات ذات طابع  حضارى ودينى على المستوى العالمى.

هذه الحوادث الإرهابية هى نتاج مباشر لظاهرة “الإسلاموفوبيا” التى تغذيها جماعات من السياسيين اليمنيين والإعلاميين وباحثين متطرفين، يحشدون كثيرا من الجهلاء والغوغاء وراء فكرة قوامها، أن مشكلاتهم الحياتية ليست سوى نتاج الغزو الإسلامى لبلادكم، والحل يكمن فى التخلص من هؤلاء المسلمين، واستنادا إلى تلك المقولة الزائفة، والتى تدفع الغرب للتنصل من مسئوليته تجاه نفسه وتجاه الغير، يتم تشويه متعمد للمسلمين وتصويرهم نمطيا باعتبارهم مصدر العنف العالمى، وأن دينهم هو الخطر الأكبر على هوية الغرب الديمقراطى، والصراع معهم هو المصير المحتوم للحفاظ على نقاء المجتمعات الغربية، وعلى نمط حياتها التعددى الديمقراطى والحصرى للغربيين البيض دون غيرهم. 
 
وفى الأدبيات التى يصدرها اليمين سواء فى أوروبا أو فى الولايات المتحدة توجد ثلاثة عناصر تمثل العصب الفكرى لكراهية الإسلام والمسلمين، أولها استدعاء التاريخ، لاسيما لحظات الصدام العسكرى، باعتبارها دليلا على عنف المسلمين قديما وحديثا، ومن ثم خلق صورة ذهنية بأن المسلمين هم قوة غزو سواء فى صورة حملات عسكرية أم فى صورة تسرب لمجموعات تحت مسمى لاجئين أم مهاجرين من أجل السيطرة على المجتمعات الغربية تدريجيا، ثانيها أن الغرب الأبيض مهدد وواقع تحت الضغط اليومى والتاريخى معا، من قبل هؤلاء المهاجرين من الدول المسلمة وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، لاسيما استقبال مهاجرين من دول مسلمة فسوف تندثر الحضارة الغربية. وثالثا أن الدين الإسلامى ليس مجرد دين بل هو سياسة وثقافة تؤصل للعنف واعتبار الغرب ومعتقداته كفرا يجب القضاء عليه.
 
وانطلاقا من هذه العناصر يتم تسويق صورة ذهنية عن المسلم سواء فى بلاده أم فى بلدان المهجر باعتباره مشروعا إرهابيا يمكن أن يقتل فى أى لحظة وفى أى مكان، وبالتالى فإن السبيل الوحيدة هى إما استبعاده تماما عن المجتمعات الغربية ومنع قدومه إليها، أو المبادرة بالتخلص منه عضويا سحقا أو قتلا، وفى كل الأحوال تجب إهانته شخصيا وازدراء معتقداته.
خطورة هذه الأفكار العنصرية، التى هى ليست حديثة بل لها عمق زمنى يزيد على خمسة عقود، أن تنشأ لها الجماعات اليمينية المهووسة والأحزاب الشعبوية التى تعمل على جذب المؤيدين، من خلال سياسات ازدراء الغير وبث مشاعر الكراهية، وأن يُعبر عنها سياسيون يكون لكلماتهم تأثير مباشر على جموع من المتلقين والتابعين لهم، فينظرون إليها باعتبارها دليلا لهم ومنهجا له شأن يجب تحويله إلى واقع يومى. وفى العديد من الدول الأوروبية الآن توجد أحزاب شعبوية ينصب جهدها الأكبر على تكريس كراهية الإسلام والمسلمين ورفض المهاجرين، والعمل على طردهم من البلاد إلى حيث أتوا، واعتبارهم المصدر الأول لكل المتاعب الاقتصادية والاجتماعية التى تمر بها المجتمعات الأوروبية، ومن أبرز تلك الأحزاب المتطرفة، “حزب الجبهة الوطنية” بزعامة مارى لوبان فى فرنسا، وحزب “ لينوسانس” الفرنسى ذو الأفكار العنصرية، وحزب “بريطانيا أولا” التى روجت زعيمته لحملة ضد المساجد فى بريطانيا، وحزب “أمة واحدة” اليمينى فى أستراليا والمؤمن بسياسة أستراليا البيضاء، وحزب “البديل من أجل ألمانيا”، و”حزب  الحرية” النمساوى، و”شبكة الإسلاموفوبيا” الأمريكية، التى تروج لنظرية تطلق عليها “المؤامرة الإسلامية” وتعنى أن المسلمين يعملون سرا على إسقاط الحكومات الديمقراطية الأمريكية، لصالح حكومات استبدادية على نمط ما هو قائم فى البلاد المسلمة.
 
وبشكل عام، فإن القاسم المشترك الأكبر لهذه الأحزاب والكيانات يستند إلى قناعة زائفة، تمجد ما تعتبره “التفوق الأبيض” الذى يواجه خطر التراجع، وهى قناعة تمت بلورتها فلسفيا فيما يعرف بنظرية الاستبدال الكبير، وروجت لها مواقع إلكترونية يمينية متطرفة، مثل “بوابات فيينا” و”فرانس دو سوش” بمعنى أن ترك الأمور على حالها، أى استقبال المهاجرين، لاسيما من الدول المسلمة، فسوف يأتى اليوم الذى تسود فيه ثقافة الإسلام على حساب ثقافة الغرب وهويته، ويحدث الاستبدال المكروه الذى يربطه البعض بإمكانية حدوث إبادة جماعية للعنصر الأبيض، ولمنع هذا الاحتمال فالأولى أن يقوم العنصر الأبيض بإبادة مسبقة للمسلمين والغرباء على وجه العموم.
 
والحقيقة، وكما يعترف شرفاء فى الغرب وفى الولايات المتحدة، أن تولى الرئيس ترامب الرئاسة الأمريكية، قد أعطى زخما كبيرا لأفكار اليمين الأوروبى المتعصب، ذلك أن الجذر الفكرى واحد، وهو أن الأولوية للتفوق الغربى على ما عداه، فضلا عن أن سياسة ترامب المناهضة للمهاجرين بوجه عام، والقادمين من دول مسلمة بوجه خاص، التى تبدت فى قراره الصادر فى يناير 2017 بمنع سفر مواطنى سبع دول مسلمة إلى الأراضى الأمريكية لمدة 3 أشهر ومنع دائم للاجئين من سوريا ضد المهاجرين، بما يعكس قناعاته التى رددها كثيرا باعتبار أن مواطنى بعض الدول المسلمة إرهابيون محتملون على الأقل، وأنهم خطر فى كل الأحوال يُعرض الأمن القومى الأمريكى لتهديدات كبرى، ما أدى عمليا إلى تأجيج مشاعر الكراهية للجاليات المسلمة فى الداخل الأمريكى، وهو ما تم رصده فى العديد من التقارير واستطلاعات الرأى، وبعض تغريداته وتصريحاته باتت أيقونات لدى اليمين المتعصب، مثل تصريحه الشهير “الإسلام يكرهنا” التى غرد بها فى 9 مارس 2017 على خلفية إصراره على منع دخول مواطنى سبع دول مسلمة إلى الأراضى الأمريكية.
 
الرئيس ترامب ليس وحده فى هذا السياق العدائى، فكثير من أركان إدارته يؤمنون بنظرية الخطر الإسلامى، وفى مقال نشرته “الواشنطن بوست” بعد يومين من مذبحة كريشت تشيرش، اعتبر الكاتب أن الرئيس ترامب مسئول عن ارتفاع حدة الكراهية للمسلمين فى العالم، وأنه أصبح ملهما لليمين الأوروبى والأمريكى المتعصب، وأن أركان إدارته مسئولون أيضا عن هذا النهج الخطير، فمستشاره للأمن القومى السابق مايك فين، يرى أن “الخوف من المسلمين شعور عقلانى”، وكبير المحللين الإستراتيجيين السابق ستيفن بانون يعتبر أن “الغرب يواجه حربا عالمية ضد الإسلام”، وفرانك جافنى، أحد كبار المسئولين الإداريين فى البيت الأبيض يصف المسلمين فى أمريكا، باعتبارهم نوعا من “النمل الأبيض”، وآخرون وصفوا الإسلام بالسرطان، وهى أوصاف تستدعى لدى اليمين المتعصب القيام بكل عمل يؤدى إلى سحق هذه المخاطر وتطهير البلاد منها.
 
هذه المواقف التى لا تحتمل لدى اليمين المتعصب أى تأويل سوى المواجهة، تبرر  لهم الاعتداء على الرموز الدينية للمسلمين مثل المساجد أو المقابر أو المراكز الثقافية، و توجيه الإهانات للمسلمات المرتديات الحجاب، أو رفض التعامل مع المسلمين أو توظيفهم، لاسيما فى القطاع الخاص، فضلا عن تمجيد هؤلاء الذين يقومون بأعمال إرهابية كبرى ضد التجمعات المسلمة، ومحاولة التشبه بهم، وفى البيان الذى بثه الإرهابى الأسترالى كثير من الإشارات التى تمجد يمينيين أوروبيين متطرفين اعتدوا على الجاليات المسلمة فى بلدانهم، معتبرا أن قتله للمصلين امتداد لهذه البطولات الدموية.
وقد رأينا مثل هذا التأثير، فعلى الرغم من بشاعة مذبحة المسجديْن فى كريست تشيرش بنيوزيلندا، فقد رصد البوليس البريطانى، حسب تقرير للبى بى سى عربى، خلال يومين فقط بعد هذه المذبحة ارتفاعا فى حوادث الكراهية ضد المسلمين فى بريطانيا، فيما يكشف حجم تغلغل ظاهرة كراهية المسلمين والنظر إليهم باعتبارهم غير مرغوب فيهم، وفى أحد التفسيرات لطبيعة هذا العمل الإرهابى، تم ربطه بتأثير الاتصالات الحديثة، والتى تسمح بانتشار الأفكار والمعلومات بدون رقابة أو تمحيص على مجموعات واسعة من الناس وفى مجتمعات متباعدة، وبالتالى يصبح أثر التشبه العملى أمرا تلقائيا لدى الذين يحملون المعتقدات الفكرية ذاتها، ولدى هؤلاء فإن التوجه اليمينى الصاعد أوروبيا وعالميا ليس قوميا متعصبا، لكنه من تأثير محتوى الإنترنت. ومثل هذا التفسير، وإن كان صحيحا من حيث تأثير محتوى الشبكة الدولية للمعلومات على توجهات البعض، فإن الواقع يثبت أن اليمين الأوروبى والغربى المتعصب ينطلق أساسا من منطلقات عنصرية قومية، والإنترنت ليس منشئا لهذه الحالة بل عنصر محفز على مزيد من الانتشار وجذب الأنصار.
 
وعلى الرغم من هذه التوجهات العدائية الموجودة فى الغرب، فمن المهم للمسلمين عامة والعرب خاصة، ألا ينجرفوا وراء أفكار المواجهة والرد على العنف بعنف مماثل، والتورط فى حرب حضارية كالتى يرغبها المتطرفون الكارهون للحياة البشرية بتنوعها الفطرى والطبيعى، فالغرب كله ليس عنصريا وليس كارها للمسلمين، فهناك حجم معتبر من السياسيين والمفكرين الذين يرون المسلمين جزءا أصيلا من المجتمع الغربى، وأن الحضارة الإسلامية والعلماء المسلمين الأوائل لهم فضل كبير على التقدم الغربى، ووجود بعض عناصر متطرفة فى العالم الإسلامى لا يعنى أن كل المجتمعات المسلمة متطرفة أو إرهابية، لكن صوتهم يبدو أقل تأثيراً من صخب اليمين المتطرف، وهؤلاء العقلاء مطلوب مساندتهم والوقوف معهم ودعمهم فى مساعيهم، لتصحيح الأفكار الخاطئة المنتشرة بين الأوساط الغربية عن الإسلام والمسلمين، وكما يثبت التاريخ الإنسانى فإن الدعوات إلى العنف والتعصب والحروب والدماء تأخذ بعض الوقت وتنتشر قليلا، لكنها ككل شر مستطير سرعان ما تموت وتندثر. وليس علينا سوى أن نضع أيدينا فى أيدى كل العقلاء، للإسراع فى إنهاء تلك الحالة البائسة التى تمر بها البشرية.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg