رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 25 ابريل 2019

المجلة



الوجه الآخر لداعش وخطاب الكراهية والاحتقار بداية الأزمة.. مدابح اليمين المتطرف

4-4-2019 | 21:00
د. أيمن سمير

تقوية جبهة المعتدلين ومحاصرة المتطرفين وتعزيز المشتركات بداية الحل

جماعات مسيحية ويهودية ولا دينية قامت بعمليات إرهابية على مدار السنوات الماضية
 
الاستعلاء يقود إلى الاستحلال، بمعنى أن شعور شخص أو جماعة أو قومية، بأنها أفضل من الآخرين، سيقود فى النهاية إلى القتل والذبح تحت راية التفوق والشموخ والنرجسية ضد الآخرين، شعور موسيلينى ومن بعده هتلر بالتفوق كان البداية العملية لاندلاع الحرب العالمية الثانية التى قادها هتلر تحت زعم تفوق الجنس الآرى على بقية أجناس الأرض، وهى نفس المعانى التى تطرحها جماعات مثل داعش وجماعة الإخوان المسلمين، التى لا ترى مسلمين إلا أعضاء جماعتها، وترفض مصاهرة الآخرين باعتبارهم أقل إسلاماً من الإخوان، فكيف دفع الاستعلاء الجماعات والأحزاب شديدة التطرف إلى احتقار وكراهية الآخرين، وهل من روشتة لوقف صعود التطرف الفكرى والسياسى فى العالم فى ضوء المؤشرات التى تقول: إن الأحزاب المتطرفة الأوروبية ستسيطر على البرلمان الأوروبى فى انتخابات مايو المقبل؟
المؤكد أن المتطرفين والإرهابيين من كل الجنسيات، لهم نفس المنطق وذات التوجه، من خلال الاستعلاء الذى يقود لاستحلال دماء وأموال الآخرين، فاليمين المتطرف يعتقد أن قتل غير البيض خدمة للبشرية، كما ترى داعش أن قتل غير الدواعش واجب دينى، وما كتبه إرهابى نيوزيلندا فى الوثيقة المكونة من 16 ألف كلمة ليس جديدا، فالأفكار والأيديولوجيات، نشرتها جماعات اليمين المتطرف ورموزه عبر الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا وأوروبا من قبل، وظهرت جماعة "هوية الجيل" أو Generation Identity بالمملكة المتحدة عام 2017، وكانت ترسل أعضاءها إلى مخيمات فى فرنسا، أثناء القيام بعمليات الدعاية المثيرة فى الجامعات والاحتجاجات، وعلى الرغم من أن عدد أعضاء هذه الجماعة فى بريطانيا ما زال صغيرا،  فقد تم تضخيمه على الإنترنت من قبل شخصيات، بما فى ذلك المناهض للإسلام تومى روبنسون.
وتستخدم العديد من هذه المنظمات المتطرفة إحصاءات عدد المواليد، للزعم بأن البيض يواجهون تهديد الانقراض فى القارة، وتشير البحوث إلى أن معدلات المواليد المرتفعة ترتبط بالعوامل الثقافية والاجتماعية الاقتصادية فى أسر المهاجرين الجدد، وتتقارب مع السكان المحليين مع مرور الوقت.
 
ولا يوجد دليل على أن البيض فى طريقهم إلى الانقراض، كما لا يوجد أى دليل على أن هناك عملية إزاحة جارية للعرق الأبيض، كما انتشرت فى بريطانيا دعوة تحث المواطنين على التخلص من المسلمين، فى إطار حملة تضمنت توجيها بأن تكون هذه الأعمال على شكل ضرب مباشر، أو رمى المسلم بالأحماض الحارقة، أو تفجير مسجد، ودائما ما تكون هذه الدعوات مجهولة المصدر تنتشر بسرعة، وتنتقل عبر وسائل التواصل الاجتماعى إلى أوروبا كلها، وتصل إلى أمريكا، ثم تتبناها الحركات العنصرية، وتعتبرها نوعا من التضامن العالمى ضد المهاجرين، والسؤال الأبرز: كيف يمكن التخلص من اليمين المتطرف وفضح ادعاءاته؟
 
أولاً : لا بد من عزل المتطرفين من جميع الأديان والأعراق، حتى يظهر اليمين المتطرف فى حجمه الحقيقي، فمنفذ مذبحة نيوزيلندا ليس له علاقة بالدين، قدر علاقته بالمتطرفين البيض، فاليمين المتطرف ضد كل السود والملونين والآسيويين واللاتينيين، وضد كثير من الأوروبيين جنوب القارة الأوروبية، باعتبارهم ليسوا على درجة النقاء الأبيض الذى عليه المتطرفون، وبالتالى جبهة الأصدقاء مع المسلمين ضد المتطرفين اليمينيين واسعة، وتضم شعوبا ودولا من كل من إفريقيا وآسيا وجنوب وشرق أوروبا وأمريكا اللاتينية، كما يتعاطف مع المسلمين كل من لا ينتمى لأفكار حركات مثل بيفيدا، وكوكلوكس كلان وغيرها، وحتى الآن يمكن هزيمة أفكار اليمين المتطرف بسهولة إذا ما نجحت جبهة الاعتدال والوسطية فى العالم فى التوحد وعزل المتطرفين.
 
ثانيا: المؤكد أن المنتمين لليمين المتطرف لا يمكن قصرهم على دين أو لون أو جنسية ما، فـ"جماعة جيش الله"، وهى جماعة مسيحية بدأت نشاطها فى أمريكا منذ عام 1980 تحت إشراف قائد ظاهر للحركة، وهو الكاهن والقائد الدينى دونالد سبيتز، وكان هدف هذه الجماعة فى البداية قتل كل الأطباء والممرضين العاملين على تقديم خدمة الإجهاض، وكذلك حرق جميع العيادات العامة والخاصة التى تقدم هذه الخدمة، كما أن جماعة  "جيش الرب للمقاومة" قامت بقتل ما يزيد على 200 ألف مدنى، وقد بدأت بمجموعة من المسحيين الأصوليين، فى أوغندا عام 1987، وقامت بخطف وقتل وتهديد المدنيين فى شمال أوغندا، والتفنن فى تعذيبهم؛ وارتكبت آلاف الانتهاكات بين القتل والاختطاف والترهيب وتهديد الآمنين بجيش قوامه الآلاف، ويهودياً كانت حركة "كاخ اليهودية" التى تم تصنيفها كمنظمة إرهابية، تأسست فى أواخر الستينيات، وتهدف للانتقام من العرب والتنكيل بهم، من خلال ممارسة العنف والتمييز تجاههم، كما تضم عددا لا بأس به من الأعضاء النشطين ممن لديهم تاريخ حافل بأعمال العنف والإرهاب، بالإضافة إلى جماعة "فرسان الهيكل" التى ينتمى إليها "أندريس بريفيك"، المدان بقتل 77 شخصا فى هجومين منفصلين بالنرويج.
 
ثالثا : ما قامت به رئيسة الوزراء النيوزيلندية جاسيندا أردن، يؤكد أن دعاة السلام والتقارب بين الشعوب لهم صوت وتأثير، مهما كانت أصوات "جرار المتطرفين الفارغة " من التسامح والاعتدال وقبول الآخر.
 
رابعاً: إن زمن " الاستبدال الكبير " البديل العظيم "The Great Replacement"، الذى حاولت فيه ألمانيا النازية استبدال شعب كامل مثل اليهود، بجنسيات أخرى فى الحرب العالمية الثانية، عبر حرقهم فى أفران النازية، لم يعد مقبولاً فى عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.
خامساً: لا بد من مكافحة الأفكار العنصرية الموجودة فى بطون الكتب، حيث تأثرت أوروبا خلال الفترة الأخيرة بأفكار كثير من المتطرفين، أمثال المثقف الفرنسى رونو كامو، الذى خاف من المهاجرين غير البيض وتأثر به برنت تارانت، منفذ الهجوم على المسجدين فى نيوزيلندا، حيث وصف تارانت نفسه بأنه رجل أبيض عادى من عائلة عادية، ومن يقرأ ما كتبه تارانت عن الأفكار التى ألهمته للقيام بالهجوم، يتأكد أنه "يستدعى التاريخ" وعلامات من عهد ما قبل الأديان، ليبرر قتل 49 شخصاً أثناء صلاة الجمعة، خصوصا أن هذا المتطرف قام بزيارة إلى فرنسا عام 2017، قال بعدها إن فرنسا تواجه غزواً من غير البيض"، حيث قال فى 87 صفحة نشرها قبل تنفيذ الجريمة " سمعت وقرأت لسنوات عن غزو لفرنسا من غير البيض، الذى اعتقدت أنه مبالغ فيه… عندما وصلت إلى فرنسا وجدت أن القصص ليست صحيحة فقط، لكن يتم التقليل منها بقدر كبير، كما أن هذا المتطرف تحدث بالنص عن " الاستبدال العظيم "، فى إشارة واضحة إلى كتاب نشره المثقف الفرنسى رونود كامو، الذى قدم فى ذلك الكتاب نظرية تحدث فيها عن وضع يتم فيه استبدال الغالبية البيضاء بغير البيض القادمين من شمال إفريقيا والصحراء الإفريقية، وعدد كبير منهم من المسلمين، وقد ظل كتاب رونو لسنوات طويلة يشكل الصوت الذى يتجمع حوله اليمين المتطرف فى فرنسا، وحتى بعد تراجع نسبة المهاجرين إلى أوروبا منذ عام 2015، وهى نفس الأفكار التى يرددها قادة الأحزاب المتطرفة فى أوروبا أمثال ماريان لوبن التى قالت " اليوم أصبح هناك بديل فى أجزاء من المناطق التى يعيش فيها الفرنسيون الأُصليون، وحل محلهم السكان المهاجرون".
 
سادسا ً: منع دعاة اليمين المتطرف من شن حرب ثقافية تمهد لأنواع أخرى من الحروب، فاليمين هو من روج لنظريات نهاية العالم، وصدام الحضارات، ويتغذى اليمين المتطرف الآن على فكرة "الهجرة الجماعية"، للترويج للصدام الثقافي، بدعوى أن الصدام الثقافى انتقل من اليمين المتطرف الهامشي، وأصبح فى مركز الخطاب السياسي، لا سيما أن المتطرفين يحاولون ترويج الأفكار المتطرفة على أوسع نطاق، ففى تشارلوتسفيل فى فيرجينيا أغسطس 2017، هتف المتظاهرون قائلين:"لن يحل اليهود محلنا"، وفى 2018 أصدر كامو كتابا جديداً بعنوان "لن تحلوا محلنا" ، وكان كامو، البالغ من العمر 72 عاماً يدعو إلى نمو «الثورة المضادة» ضد «استعمار أوروبا اليوم» كما يزعم، فى إشارة إلى زيادة عدد المهاجرين، أو كما يصفهم بغير البيض، ويقول: «آمل أن تصبح قوية»، ويرى أن هذه الموجة الجديدة هى «مهمة أكبر بـ20 مرة من استعمار أوروبا لإفريقيا مثلا» ويزيد كامو فى الأكاذيب حينما يقول: «مقابل كل رجل فرنسى أو امرأة فرنسية هناك ضعفان من الغزاة، وشاهدت ما يكفي، وقررت الخروج من البلدة غاضباً، ورفضت البقاء فى مكان ملعون، وقررت المضى نحو بلدة أخرى».
 
سابعاً: التأكيد على قيم وفوائد التواصل البشرى، وأن المهاجرين هم من بنوا أوروبا بعد خراب الحرب العالمية الثانية، وهو ما يدحض ادعاءات منفذ الهجوم الإرهابى فى نيوزيلندا، وأن أهدافه هى إخلاء المجتمعات الغربية من غير البيض والمهاجرين بغرض حمايتها، وكذلك الانتقام للحوادث الإرهابية والجرائم الجنسية التى يقوم بها مهاجرون حول العالم بحسب أقواله، ومن خلال الوثيقة، وأنه يريد الوقوف بوجه الهجرة إلى العالم الغربى بتخويف المسلمين عن طريق العنف، كما يريد أن ينتقم لما شهدته البلاد الغربية من هجمات إرهابية، وتحدث تحديداً عن هجوم ستوكهولم عام 2017، حيث أراد الأخذ بالثأر لإحدى ضحايا ذاك الهجوم، وكانت طفلة تبلغ من العمر 12 عاماً، كما قال فى الوثيقة إن العمل يأتى ردا على حوادث الاغتصاب التى يشهدها العالم الغربى، كما حصل فى روثرهام فى إنجلترا عندما اعتدى رجال بريطانيون من أصول باكستانية على نحو 1400 طفل خلال 16 عاماً، وعلى حوادث اغتصاب فى سيدنى بقيادة شبان لبنانيين أستراليين ضد نساء وبنات أستراليات عام 2000 ، وأن اختياره نيوزيلندا، جاء ليؤكد أنه لا مكان آمن فى هذا العالم.
 
ثامناً: تطرق المهاجم إلى أسماء كبيرة يريد استهدافها كالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وعمدة لندن صادق خان، كما يدعو لقتل الزعماء الاقتصاديين المعادين للبيض، ويعتبر أن المنظمات غير الحكومية جماعات خائنة، كما ذكر عددا من الأسماء المشهورة بتطرفها اليميني، مثل "إريك زيمور، روبير مينار، نيكولا -دوپون أنيان، مارين لوبان وحزبها "التجمع الوطني، وهذا يؤكد أن الكتلة الرئيسية للعالم الغربى فى مرمى اليمين المتطرف، وأن العالم الغربى هو أول من سيدفع ثمن هذا التطرف إذا تسامح معه.
 
تاسعا: لا يمكن أن توصف مذبحة نيوزيلندا بجريمة كراهية فقط، إنما هى جريمة إرهابية كاملة الأركان، المتسبب فيها هو "خطابات اليمين المتطرف" بسبب ما يعتقده من فكرة "الإثنية المتفوقة"، والتى تحمل مشاعر الكراهية، التى أسهمت بشكل كبير فى تنامى تطرف المجرم، والأدوات التى استخدمها لإظهار ميوله المتعصبة.
عاشرا: برغم أن اليمين المتطرف يستهدف المسلمين وغير المسلمين، فإن هناك دراسة حديثة أجرتها منظمة "هوب نوت هايت"، قالت فيها إن خمسا من أفضل عشر شخصيات يمينية متطرفة مؤثرة على مواقع التواصل فى العالم، يوجهون تركيزهم بصفة أساسية على المسلمين، بالإضافة إلى قنوات اليوتيوب اليمينية، التى ناقشت بشكل إيجابى المجزرة التى ارتكبها الإرهابى "تارانت"، الذى قدم بثا مباشرا لهجومه للآلاف من المشاهدين عبر فيس بوك، وفى أمريكا، فإن نشاط اليمين المتطرف العنيف كانت له علاقة بقتل 50 شخصا على الأقل عام 2018، ويرتبط ذلك بضرورة فضح ازدواجية الإعلام العالمى خصوصا الغربي، حيث ركزت كثير منها على استخدام كلمات "حادث إطلاق نار" لتسمية الحادث الإرهابى الأليم، فى حين لو كان منفذ الهجوم مسلما أو عربيا على الفور تستخدم كلمات هجوم إرهابي، وفى عام 2018 نشرت صحيفة "الجارديان" البريطانية دراسة مثيرة عن الهجمات الإرهابية والتغطية الإعلامية الغربية لهذه الهجمات، كشفت عن أن الهجمات الإرهابية التى ينفذها مسلمون تحظى بتغطية إعلامية تتجاوز ٪357 عن نظيرتها المرتكبة على يد غير المسلمين، والتى تحظى بتغطية إعلامية وصحفية لا تتجاوز ٪15، وحظيت الهجمات الإرهابية التى ارتكبها غير المسلمين، أو حيث كان الدين غير معروف ما متوسطه 15 عنوانا، فى حين حصدت الهجمات المرتكبة على أيدى متطرفين مسلمين، أكثر من 105 عناوين مختلفة فى الصحف الأمريكية.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg