رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 25 ابريل 2019

مقالات



أصالة الرياض تعانق حضارة بغداد

11-4-2019 | 00:04
د. هادى اليامى

حظيت الزيارة التى قام بها وفد سعودى كبير قوامه 100 شخصية بينها 9 وزراء إلى العراق باهتمام إعلامى ورسمى وشعبى ضخم، لا سيما أنها أتت فى سياق أعمال الدورة الثانية لمجلس التنسيق السعودى العراقي، وركزت على تطوير العلاقات والتعاون الاقتصادي، وتفعيل دور السعودية فى مرحلة الاستثمار وإعادة العراق للعب دوره القديم، والتعاون فى مختلف المجالات، كما تزامنت مع فترة بالغة الأهمية فى تاريخ العراق بعد إعلان هزيمة تنظيم داعش الإرهابي، وهو ما دعا المملكة إلى المسارعة فى أعمال إعادة إعمار ما دمرته الحرب.
 
وإن كانت الزيارة، وما تمخض عنها من نتائج هائلة بمقياس الاتفاقيات التى تم توقيعها والدعم الذى قدمته الرياض لبغداد قد لفت انتباه المتابعين والمحللين على المستويين الاقتصادى والسياسي، فإن ذلك لم يكن مفاجئا لمن يدركون حقيقة العلاقة المتأصلة بين الشعبين الشقيقين وما يجمع بينهما من سمات وصلات، قلَّ أن توجد بين دولتين أخريين، فالعراق ظل على مدار تاريخه هو المدخل الشرقى للعرب، الذى يحتضن التاريخ العربى الضارب بجذوره فى القدم، وهو أرض الدولة العباسية والحضارة الإنسانية والإسلامية، التى ازدهرت ونمت فى وقت كانت فيه ما تعرف فى الوقت الحالى بدول العالم المتحضر تغط فى سبات عميق، وتعانى التخلف والتراجع. لذلك كله ظلت نظرة المملكة للعراق ثابتة، وتؤكد أنه أرض العروبة، وامتدادها التاريخي، وأن أى وضع له خلاف ذلك هو وضع شاذ لا ينسجم مع معطيات التاريخ والجغرافيا، ويناقض المنطق وحقائق الأشياء، وبالتالى فإن مآله إلى الزوال. كما اشتهر الإنسان العراقى دوما بفخره بنسبه العربي، وتجسيده لصفات العروبة الأصيلة بما فيها النخوة والشهامة والكرم، وظل متمسكا بانتمائه العربي، واعتزازه بقوميته، وعدم تسامحه مع من يسيء إلى قضايا ومصالح أمته. لذلك بقيت القواسم المشتركة التى تجمع بين الرياض وبغداد شامخة باقية، مثل الجوار الرابط، والانتماء العربي، والدين الواحد، والمصالح المشتركة، والعدو المعروف.
 
فى أرض الرافدين، وعلى جنبات شارع المتنبي، وصدى أشعاره الخالدة التقى الوفد السعودى بكل مكونات الشعب العراقي، حكومة وشعبا، ففاحت ذكريات الماضى وعبق التاريخ، وسالت دموع الشوق وطغت مشاعر الإخاء الصادق على كل ما سواها. كانت المشاعر جياشة جارفة، والحب يغلب على كل ما سواه، لذلك كانت ردود الفعل الشعبية منسجمة تماما مع معطيات الواقع. فى تلك الأجواء المفعمة بالمشاعر دارت أعمال الدورة الثانية لمجلس التنسيق، فكانت النتائج مذهلة، ففى الوقت الذى تم فيه الإعلان عن هدية الملك سلمان لشعب العراق ببناء مدينة رياضية، ودعم العراق بمليار دولار، وإنشاء أربع قنصليات فى ثلاث مدن عراقية، تم كذلك التوقيع على ثلاث عشرة اتفاقية ومذكرة تفاهم بين الجانبين، وإتاحة الفرصة للسعوديين للاستثمار فى العراق بما يبلغ عدده 189 فرصة استثمارية.
 
ولمن لا يقرأون التاريخ ولا يجيدون النظر إلى حقيقة الأشياء، ولا يعترفون بالواقع ويحاولون إنكار ضوء الشمس من رمد، فإن هذه سياسة المملكة التى عرفت بها على الدوام، وأفعالها التى تتحدث عن نفسها ولا تحتاج لمن يشير إليها، وهى سياسة واضحة قائمة على ما بات يعرف باقتصاد الإنسانية والحب، المبنى على الرغبة فى مد يد العون والدعم، مع اقتصاد الأرقام القائم على المصالح المتبادلة والحرص على تطوير الواقع وتعزيز قيم الاعتماد على الذات، وتقديم كافة أشكال الدعم، سياسيا واقتصاديا ولوجستيا، ونقل الخبرات، وهى سياسة تترجم منتهى العقلانية، وتعكس الإصرار على استدامة التنمية. ليس هذا فحسب فعلاقات الرياض وبغداد لم تركز فقط على الجانب الاقتصادي، بل إن الجانب الأمنى كان حاضرا على الدوام، لأن أمن أى منهما واستقراره مرتبط أشد الارتباط بالآخر، لاسيما فى هذا الوقت الذى منى فيه الدواعش بهزيمة مفصلية، لذلك كان التنسيق ضرورة ملحة لضمان عدم عودة التطرف والإرهاب مرة أخرى، تحت أى شكل وبأى مسمى.
 
على الجانب الآخر أبدت حكومة الملالى فى طهران – كعادتها– انزعاجا شديدا من الزيارة، وقلقا كبيرا من نتائجها، لدرجة أن مرشدها على خامنئى تخطى كافة الأعراف الدبلوماسية وتخلى عن كل وقار وهو يطلق تصريحه الذى أثار سخرية الآخرين وتندرهم، عندما قال إن “التقارب السعودى العراقى لا يعكس حقيقة موقف الرياض”، وهو لا يرمى من وراء هذا التصريح الملغوم إلا  لإبقاء العراق بعيدا عن حضنه العربي، وأن يظل سوقا لمنتجات طهران الراكدة وبضائعها الكاسدة، لأنه يعلم علم اليقين أن إعادة افتتاح معبر عرعر الحدودى بين البلدين، سيجعل بغداد فى غنى عن أى تعاون اقتصادى مع طهران. كما يريد فى ذات الوقت أن تبقى أرض الرافدين ومهد الحضارة الإسلامية العريقة أسيرة سياساته المدمرة، وملعبا تعيث فيه ميليشياته الطائفية فسادا، لا لشيء إلا تحقيقا لأوهامه المتمثلة فى خرافات الإمبراطورية الفارسية التى غربت عنها الشمس ولن تجد سبيلا للعودة على أرض الواقع.
 
هذه هى علة النظام الإيراني، فهو لا يجيد قراءة الواقع، ولا يريد الاعتراف بالحقيقة المريرة التى تعيشها بلاده ، ولا التماهى مع معطيات الحقائق التى تشير بوضوح إلى أننا نحيا عصر الإنجاز والإنتاج، وأنه لا مكان فى عالم اليوم لمن لا يجيد سوى تقديم أدوات الموت والدمار من بنادق ورصاص وألغام وميليشيات تقتل الأبرياء وتقتلع الأشجار، ويسارع فى إنشاء السجون والمعتقلات، ويغل يده فى ذات الوقت عن تقديم وسائل الحياة ويمسكها عن دعم افتتاح المدارس والجامعات، لذلك لم يعرف عنه المسارعة والمشاركة فى مؤتمرات دعم العراق، وآخرها ذلك الذى عقد فى الكويت وتجاوبت فيه جميع الدول العربية، فيما اكتفى هو بموقف المتفرج. وهذا هو الفرق بينه وبين المخلصين الذين يقفون مع إخوتهم فى أوقات الشدائد وأزمان المحنة.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg