رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 25 ابريل 2019

مقالات



استقالة الرئيس بوتفليقة..بداية انفراج أم انطلاق مرحلة حساسة جديدة؟

11-4-2019 | 14:54
رحمونى عبد الرحيم

مثلت الثورة الديمقراطية السلمية فى الجزائر فبراير 2019 حلقة جديدة من مسارات البناء الديمقراطى فى الأقطار العربية، خصوصا أن هذه الحلقة جاءت على غير سابقتها من خلال المعطيات الميدانية والخلفيات المحورية لأى نظام سياسى عربى، والمرتكز بدوره على العديد المتلازمات المحورية ضمن مسار تأسيسه، وإعادة تأسيسه وفق للظروف والمعطيات الجيوبولتيكية المتوفرة.

لم تكن الجزائر يوما فى منأى عما يحدث فى محيطها المغاربى والعربى ككل، بل كانت ضمن خريطة تفاعلية أثرت بدرجة كبيرة على البيئة الأمنية الوطنية والإقليمية، وهو ذات الأمر الذى تكوَّن لدى كل أشكال الطيف السياسى والاجتماعى الرسمى وغير الرسمى فى الجزائر، الوقت الكافى لإعادة النظر فى النظام السياسى الجزائرى، الذى ارتبط بوثاقة بعديد الإنجازات، وفى نفس الوقت طغت على سمائه مجموعة من النكسات أساسها تمثل فى غياب رئيس الجمهورية عن الساحة السياسية الوطنية والإقليمية والعالمية ككل.
 
وهو ذات الأمر الذى شكل الحلقة المحورية فى مسارات الدولة الجزائرية بعد 2010 وإلى 2019، أفاض عديد السيناريوهات، التى كان للقوى غير الدستورية - كما أشار إليها رئيس الأركان - دور بارز فيها، من خلال السيطرة المطلقة لهذه القوى غير الرسمية على دواليب الدولة الجزائرية فى ظل غياب الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة الفعلى منذ 2013، لتحل محله هذه الفواعل غير الرسمية القائمة على البراجماتية الخاصة.
ومن ثم سوف نؤسس هذا التحليل لجس النبض حول واقع الجزائر ما بعد بوتفليقة والمشحونة بعديد الاستفهامات والتساؤلات، إذ أردنا اختيار التساؤل القائم على ماذا بعد استقالة الرئيس، هل هى بداية الانفراج أم بداية أزمة جديدة؟ وهل يعيد النظام إنتاج نفسه؟
 
 استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة...
 الخلفيات والدلالات
مثل الثلاثاء 2 إبريل 2019 تاريخا بارزا وحدثا مهما ضمن مسارات الدولة الجزائرية تمثل فى استقالة رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة بفعل الضغط الشعبى المناوئ لبقائه على رأس السلطة، وبضغط محورى من قيادة أركان الجيش الوطنى الشعبى الذى حافظ بجدية على مهامه الدستورية، التى أوكلها الدستور للجيش، ولم يتعد الحدود الدستورية، بل كان فى موقع الفاعل المحورى الإيجابى فى هذه الثورة.
حيث مثلت المادة 102 التى تحوى فى طياتها شغور منصب رئيس الجمهورية، إحدى أبرز القضايا التى طغت على الساحة السياسية منذ 2013 بعد مرض الرئيس واختفائه عن الخطابات السياسية، خصوصا أن المرحلة الراهنة والمعطيات المتوفرة بالإضافة إلى موقع قيادة الأركان وموقفها من الثورة السلمية، كل هذه المنطلقات أسهمت فى تفعيل هذه المادة الأساسية فى الدستور الجزائري.
ليتم الضغط وفق هذه المعطيات على جناح الرئاسة الذى وصفه البعض بأنه أصبح تحت سيطرة قوى غير دستورية تتحكم فى منطلقاته وتؤسس لتحركاته، وهو ذات الأمر الذى أعلنت من خلاله قيادة الأركان الفرصة السانحة للضغط على هذا الجناح بعد فشل مخططاته التى خططت لها لتحافظ بذلك على النظام، ووفق القوة المهمة لقيادة الأركان، فإنه تم الضغط على جناح الرئاسة لإعلان استقالة رئيس الجمهورية، وتفتح بذلك صفحة جديدة فى تاريخ الجزائر الحديث.
 
ووفقا لهذه المعطيات عقد المجلس الدستورى اجتماعه يوم 4 أبريل 2019 لإعلان حالة الشغور النهائى لمنصب رئيس الجمهورية، ويتم بذلك تفعيل المادة 102، حيث إن الجزء المتعلق بالشغور النهائى جاء كالتالي:
“ فى حالة استقالة رئيس الجمهوريّة أو وفاته يجتمع المجلس الدّستوريّ وجوبا ويُثبِت الشّغور النّهائيّ لرئاسة الجمهوريّة، وتُبلّغ فورا شهادة التّصريح بالشّغور النّهائيّ إلى البرلمان الّذى يجتمع وجوبا، ويتولّى رئيس مجلس الأمّة مهام رئيس الدّولة لمدّة أقصاها تسعون (90) يوما، تنظّم خلالها انتخابات رئاسيّة ، ولا يَحِقّ لرئيس الدّولة المعيّن بهذه الطّريقة أن يترشّح لرئاسة الجمهوريّة ،وإذا اقترنت استقالة رئيس الجمهوريّة أو وفاته بشغور رئاسة مجلس الأمّة لأيّ سبب كان، يجتمع المجلس الدّستوريّ وجوبا، ويثبت بالإجماع الشّغور النّهائيّ لرئاسة الجمهوريّة وحصول المانع لرئيس مجلس الأمّة. وفى هذه الحالة، يتولّى رئيس المجلس الدّستوريّ مهام رئيس الدّولة.  يضطلع رئيس الدولة المعين حسب الشروط المبيّنة أعلاه بمهمة رئيس الدولة طبقا للشّروط المحدّدة فى الفقرات السّابقة وفى المادّة104 من الدّستور “
 
لكن يبقى الأمر شائكا ومعقدا نوعا ما، كل هذا فى ظل الرفض الشعبى الواسع من كل أطياف الشعب الجزائرى لتولى كل من عبد القادر بن صالح، رئيس مجلس الأمة الرئاسة، ولا حتى الطيب بلعيز ولا أى رمز من رموز النظام السابق الذى أصبح محل سخط من طرف الشعب الجزائري
 إقالة رئيس المخابرات وإلحاق المخابرات بقيادة الأركان بعد أن كانت تابعة مباشرة للرئاسة
 
  قبل الحديث عن هذا المستوى، لا بد من أن نشير إلى أن جهاز المخابرات فى الجزائر قبل 2015، كان تابعا ومنضويا تحت قيادة أركان الجيش الوطنى الشعبى برئاسة الفريق أحمد قايد صالح، إذ كان مُكوِّنا بارزا ضمن هذه القيادة، إلا أنه وفى سنة 2015 قامت الرئاسة بإلحاق هذا الجهاز الحساس والمحورى برئاسة الجمهورية ليكون رئيس الجمهورية هو من يعين ويقيل رئيس المخابرات، لكن فى مساء 4 إبريل 2019 أكد مصدر من قيادة الأركان إقالة اللواء عثمان طرطاق المدعو البشير من على رأس المخابرات وإلغاء منصب المنسق الأمنى العام للرئاسة.
 
وهنا يبقى السؤال محل الشكوك، إذا كان رئيس الجمهورية هو من عيَّن رئيس المخابرات، فمن أقاله علماً أن الرئيس قد استقال منذ أربعة أيام؟ والإجابة تحمل عديد الشقوق المحورية إلا أننا نغلب الشق القائل بأنه فور استقالة رئيس الجمهورية، فإن سلطته الفعلية على جهاز المخابرات تسقط، وتلتحق آليا بقيادة الأركان، وهو ما يمكن إرجاعه إلى الوزن الكبير لجهاز المخابرات.
تجدر الإشارة هنا بالقول: إن الجيش الوطنى الشعبى كجيش وطن، وليس جيش نظام لعب الدور البارز والمحورى فى هذه الحلقات المهمة من تاريخ الجزائر الحديث، حيث يؤكد عديد المختصين فى الدراسات العسكرية وفقهاء القانون على أنه لو لا تدخل الجيش فى اجتماعه الأخير يوم 2 إبريل 2019، من منطلق أن الجيش هو الفاعل الأكثر قوة، الذى يملك فاعلية التأثير فى المشهد.
 
 النخبة المثقفة ودورها فى مرحلة ما بعد بوتفليقة
تعد النخبة فى أى نظام سياسى وحتى اجتماعى شامل على قدر كبير من الأهمية بمكان، ذلك أنها مكون أساسى ضمن البناء الشامل للمجتمعات، وهو ذات الأمر الذى يؤكد على مركزية هذا المكون وأنه فاعل محورى وأساسى لأى انتقال ديمقراطي، وهو ذات الأمر الذى يمكن إسقاطه على الجزائر ودور النخبة المثقفة ضمن مسارات هذه المرحلة.
لا بد من الإشارة إلى أن النخبة المثقفة فى الجزائر والوطن العربى ككل، عانت ولاتزال تعانى من تضييق الخناق عليها والتأثير فى تكويناتها، بل وصلت الحال إلى أن الأنظمة العربية كونت نخبة ثقافية تعمل على خدمة هذه الأنظمة، متنصلة بذلك من المهام التى يجب أن تؤديها ضمن حلقات مهمة من مسارات الدولة الوطنية العربية، خصوصا أن المنطقة تزخر بعديد من النخب المهمة ضمن الساحة العالمية.
 
وهو نفس ما حدث فى الجزائر فى ظل الضغط على النخبة المثقفة بل إن البعض الكثير من هذه النخب هاجرت إلى الخارج بسبب التضييق عليها والتدخل فى أعمالها، ما أدى إلى بروز  سيطرة النظام على النخب المثقفة، وهنا وبعد بداية انفراج الأزمة يبقى على عاتق النخبة المثقفة لعب الدور المركزى فى إعادة بناء الدولة الجزائر ما بعد بوتفليقة.
 هل يعيد النظام إنتاج نفسه... فتح المجال أمام نشأة أحزاب جديدة؟
من بين الإشكاليات البارزة التى بدأت تطغى على الساحة السياسة فى الجزائر هى هل يعيد النظام بناء نفسه؟ يبقى الجواب رهين الوقائع والمعطيات المستقبلية التى تشهدها الجزائر، وعلى مدى نضج النخبة السياسة التى تدير المرحلة الانتقالية، حيث إن هذه النخبة تقع على عاتقها مسئولية الحفاظ على الدولة فى ظل التأسيس لنظام سياسى ديمقراطي.
لكن الأمر المضاد بدأ من أيام، عندما أعلن الوزير الأول نور الدين بدوى فى برقية وجهها إلى جميع الولايات وإلى الشعب الجزائرى، التى جاء فى فحواها على فتح المجال وتسهيل إنشاء أحزاب سياسية جديدة، وهو ما يؤكد الحرص الكبير للنظام السابق على إعادة إنتاج ذواته من جديد.
 
إلا أن هذه المقترحات لاقت ولا تزال رفضا شعبيا بل طالبت بالتنحى الفورى لبدوى من على رأس الوزير الأول حفاظا على استقرار الجزائر، ولإعادة بناء الدولة وفق أسس أكثر ديمقراطية، وما ستسفر عليه الأيام المقبلة كفيل بفتح صفحات جديدة من نضال الشعب الجزائرى لحماية وطنه فى ظل التأسيس لنظام ديمقراطى تشاركى يقوم على الأسس المحورية الراقية، فى ظل الحفاظ على وحدة أبناء الشعب الواحد.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg