رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الخميس 25 ابريل 2019

المجلة



مرحلة جديدة فى العلاقات المصرية - الأمريكية.. شراكة الكبار

10-4-2019 | 16:51
د. أيمن سمير

دعم كامل للرؤية المصرية لمكافحة الإرهاب
 
ترامب يرى فى مصر محور التفاعلات والاستقرار فى الشرق الأوسط
 
استثمارات أمريكية بـ23.7 مليار دولار والتجارة البينية تتجاوز 8 مليارات دولار
 
«الأرقام لا بد أن تترك لك علامة على الباب»، هذا هو عنوان أشهر أغانى المغنى الأمريكى الشهير بول سيمون، ومن المؤكد أن اللقاء السادس بين الرئيس عبد الفتاح السيسى والرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى استضافته العاصمة الأمريكية واشنطن، يدلل على عمق العلاقات المصرية على جميع المسارات السياسية والاقتصادية والأمنية، وقال الرئيس ترامب للصحفيين قبل أن يبدأ قمته مع الرئيس السيسى: «إن العلاقات المصرية - الأمريكية فى أفضل حالتها فكيف نجح الرئيس السيسى فى الارتقاء بالعلاقات المصرية الأمريكية؟ وما محددات العلاقة بين واشنطن والقاهرة؟ ولماذا تنظر الإدارة الأمريكية لمصر – السيسى بهذه النظرة التى تدل على شموخ الموقف المصرى؟ وما آفاق هذه العلاقات، فى ظل ما تشهده المنطقة العربية والشرق أوسطية من تحديات ونزاعات حالية ومستقبلية؟
 
أولاً: تنظر الإدارة الأمريكية والرئيس ترامب للرئيس السيسى نظرة إعجاب وتقدير كبيرين، نظراً لما قام به خلال السنوات الماضية فى الحفاظ على مصر من الانزلاق إلى الفوضى التى عمت - ولا تزال - المنطقة العربية والشرق أوسطية، ويدرك الرئيس ترامب أن الرئيس السيسى استطاع أن يحافظ على استقرار وبقاء أكبر الدول العربية، التى تشكل ربع سكان العالم العربى، وأن القرارات السياسية للرئيس السيسى أسهمت فى الحفاظ على الدولة الوطنية المصرية، وأن حكمة الرئيس السيسى لعبت الدور الأهم فى الاستقرار السياسى والاقتصادى والأمنى الذى تعيشه مصر حالياً، فمصر والولايات المتحدة الأمريكية ارتبطتا بعلاقات إستراتيجية وثيقة استمرت على مدى العقود الأربعة الماضية، وأخذت فى الاعتبار الدور المؤثر للولايات المتحدة فى جميع القضايا العالمية والإقليمية، وكذلك الدور المحورى لمصر فى منطقة الشرق الأوسط، وإفريقيا، والعالم الإسلامي.
 
ثانياً: تنظر الإدارة الأمريكية للمرحلة الماضية، التى تولى فيها الرئيس السيسى حكم البلاد، باعتبارها «نموذجا للتحول الناجح» من فترة صعبة عاشت فيها مصر مرحلة من «الشك وعدم اليقين السياسى والاقتصادى والأمنى» قبل 30 يونيو 2013 إلى مرحلة من الإنجاز، فمصر قبل تولى الرئيس السيسى كانت تعانى النقص فى كل شىء، فالكهرباء والطاقة كانت تعانى من شح كبير، والرصيد الدولارى فى البنك المركزى لا يتجاوز 15 مليار دولار، ومعدلات التضخم والفقر والضغوط الاقتصادية وصلت للسقف الأعلى، ومع هذه الصعوبات بدأ الرئيس السيسى مرحلة إنجاز المشروعات الكبرى بشبكة طرق عالمية عملاقة، وتحولت مصر من دولة تنقطع فيها الكهرباء يومياً إلى دولة مصدرة للغاز والكهرباء، وتتحول تدريجياً لمركز إقليمى للطاقة فى جنوب وجنوب شرق البحر الأبيض المتوسط، كما نجح الرئيس السيسى فى تحرير سعر الصرف وحماية الطبقات الأقل دخلاً من خلال برامج تكافل وكرامة، وتراجعت البطالة لأدنى مستوياتها منذ سنوات، وسجلت الميزانية المصرية لأول مرة منذ 50 عاماً فائضاً أوليا فى عام 2019-2020، وزادت تحويلات المصريين فى الخارج لمستوى قياسى فى آخر 10 أشهر من 2018، وصلت إلى 24 مليار دولار، وتراجع التضخم بشكل كبير وتحسن ميزان المدفوعات، وحققت مصر فائضا فى الميزان التجارى مع أكثر من 25 دولة، كل هذه النجاحات بجانب المشروعات العملاقة فى العاصمة الإدارية الجديدة ومحور قناة السويس، وبناء 18 مدينة جديدة ذكية، كل ذلك جعل الرئيس ترامب يشعر بأن مصر شريك جدير بالثقة والتعاون معه خلال الفترة المقبلة.
 
ثالثاً: نجاح مصر فى مكافحة الإرهاب من خلال طرح مقاربة مصرية شاملة تبدأ بمكافحة الفكر المتطرف، لأن الإرهابى قبل أن يحمل بندقية أو قنبلة هو يحمل فكرة خاطئة، ولذلك تبنى الرئيس السيسى الدعوة لعمل «ثورة دينية» ضد المفاهيم الخاطئة التى يحاول البعض إلصاقها بالإسلام، وتقوم المقاربة المصرية على معاقبة الدول التى تمول الإرهاب والجماعات الإرهابية، بالإضافة إلى التعاون المصرى القوى فى مجال مكافحة الإرهاب، ونجاح العملية الشاملة سيناء 2018  فى تجفيف منابع الإرهاب، ودعوة القاهرة لتعاون دولى وعالمى لمكافحة الإرهاب العابر للحدود.
رابعاً: نجحت القاهرة فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى، فى الحصول على ثقة الإدارة الأمريكية، نتيجة للأفكار والرؤى التى قدمتها فى مختلف القضايا والأزمات الإقليمية، فمصر تفضل «الحلول السياسية» والسلمية فى جميع الصراعات على لغة البندقية والرصاص، كما أن القاهرة لا تتدخل فى الشئون الداخلية للدول الأخرى، وتتعاون من أجل الحفاظ على مؤسسات الدول الوطنية، وترفض القاهرة أى محاولات للمساس بسلامة ووحدة الدول، وهو ما جعل العالم ينظر للقاهرة كعنصر إيجابى فى المنطقة والعالم، من خلال ما تطرحه لدعم دور الأمم المتحدة، وتطوير أداء قوات حفظ السلام، وانتهاج سياسة جديدة ومعايير مختلفة حول العقوبات، ودعوتها الدائمة لنزع كل أسلحة الدمار الشامل من كل منطقة الشرق الأوسط.
 
خامساً: شكل السلوك المصرى فى المنطقة عامل استقرار ومحفز للتعاون، ودرء المخاطر ووقف الصراعات من خلال الجهد المصرى لتثبيت الهدنة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية فى قطاع غزة، والتقريب بين حماس وفتح، ودعم الحوار بين الفرقاء الليبيين، ودعم الحل السياسى فى اليمن، مع قدرة القاهرة على شرح موقفها من قرارات الولايات المتحدة، فيما يتعلق بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس، ونقل السيادة الإسرائيلية للجولان، وهو ما جعل القاهرة ناصحا أمينا للإدارة الأمريكية، وأن حل القضية الفلسطينية كفيل بنزع فتيل الصراعات فى كل المنطقة، وأن الحل يجب أن يقوم على أساس الدولتين والمبادرة العربية، وقيام دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ورفض أى حلول من جانب واحد.
 
سادساً: أشاد الرئيس ترامب والإدارة الأمريكية بالمصداقية التى تتمتع بها القيادة المصرية، فما تقوله القاهرة فى العلن، هو ما تتحدث عنه فى السر، ودائما ما تلتزم القاهرة بكل ما تقوله، هذه الصورة الإيجابية عن القاهرة لدى واشنطن، عززها الموقف الأوروبى الذى أبلغ واشنطن أكثر من مرة، أن تعاون مصر فى قضايا الإرهاب والهجرة غير الشرعية تعاون كامل وغير منقوص، وأن ما تقوله القاهرة تلتزم به وتعمل على تطبيقه. 
 
سابعاً: كشفت قمة البيت الأبيض بين الرئيس ترامب والرئيس السيسى، حرص مصر على تدعيم وتعميق الشراكة الإستراتيجية الممتدة مع الولايات المتحدة الأمريكية، التى تمثل ركيزة مهمة للحفاظ على الأمن والاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط، والتطلع لتعظيم التنسيق والتشاور مع الجانبين خلال الفترة المقبلة، بشأن مختلف الملفات السياسية والأمنية ذات الاهتمام المشترك، وأن مباحثات الرئيسين - المصرى والأمريكى - ستدعم مسيرة العلاقات بين البلدين على نحو بناء وإيجابي، خصوصا فى ظل التزام الإدارة الأمريكية بتعزيز أطر التعاون المشترك مع مصر فى مختلف المجالات، ودور مصر فى مكافحة الإرهاب وتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة فى مصر والمنطقة بأسرها، كما كشفت القمة السادسة اهتمام البلدين بالتباحث حول عدد من الملفات الإقليمية، لا سيما تطورات الأوضاع فى كلٍ من ليبيا وسوريا واليمن، وتوفير الأساس الأمنى لمكافحة التنظيمات الإرهابية ومحاصرة عناصرها للحيلولة دون انتقالهم إلى دول أخرى بالمنطقة، وتطلع الولايات المتحدة لتكثيف التنسيق المشترك مع مصر حول قضايا الشرق الأوسط، وذلك فى ضوء الثقل السياسى المصرى فى محيطها الإقليمي، والجهود التى تبذلها مصر لدعم مساعى التوصل إلى حلول سياسية للأزمات.
 
حوار إستراتيجى
ترتكز السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية على عدد من الدول المحورية بمناطق مختلفة من العالم، ومصر من هذه الدول، التى حاول صانع السياسة الخارجية الأمريكية الاستفادة من موقعها الجغرافى العبقرى، وتاريخ شعبها العريق ، حيث تنظر الولايات المتحدة والبنتاجون الأمريكى بوجه خاص، إلى أهمية الجيش المصرى، الذى يعد عامل الاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط منذ ثورة 23 يوليو حتى الآن، وتزايدت هذه الأهمية بعد ربيع الثورات العربية وانهيار الجيوش ببعض الدول العربية التى شهدت هذه الثورات مثل سوريا وليبيا، وكذلك ظهور الجماعات المتطرفة فى هذه الدول، فكان من الأهمية بمكان بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية توثيق علاقاتها مع المؤسسة العسكرية الوحيدة المتماسكة فى المنطقة العربية، لمساعدتها فى الحفاظ على الاستقرار ومكافحة الإرهاب، وتستفيد مصر من خلال علاقاتها مع واشنطن فى الحفاظ على قدر من التوازن الإستراتيجى فى الشرق الأوسط، فمصر هى الضلع العربى الأقوى فى تحقيق توازن إستراتيجى مع الدول الأخرى غير العربية بمنطقة الشرق الأوسط غير العربية، وهى إسرائيل وتركيا وإيران.
 
24 مليارا استثمارات أمريكية
تمتد جذور العلاقات الاقتصادية المصرية - الأمريكية لفترات بعيدة، خصوصا خلال القرن العشرين، وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية من أكبر الشركاء لمصر فى المجال الاقتصادى منذ أواخر السبعينيات من القرن الماضى بـ24 مليار دولار استثمارات، وتبادل تجارى يصل لـ 7.5 مليار دولار.
 
وتحتل مصر المرتبة الـ52 فى قائمة أهم شركاء الولايات المتحدة التجاريين، وقد وصل حجم التبادل التجارى بين البلدين عام 2017 نحو 5.6 مليار دولار ليحتل المرتبة السادسة على مستوى الشرق الأوسط، والأول فى قارة إفريقيا وبزيادة 13 % على عام 2016 الذى بلغ فيه حجم التجارة 4 مليارات و974 مليون دولار.
كما شكلت الاستثمارات المباشرة لأمريكا فى مصر جانبا مهما فى هذه العلاقة، حيث تعد مصر أكبر مستقبل للاستثمارات الأمريكية المباشرة فى إفريقيا بنسبة 38 % من الاستثمارات الأمريكية المباشرة فى القارة فى عام 2016، كما احتلت المرتبة الثانية بين الدول الأكثر استقبالاً لتلك الاستثمارات فى الشرق الأوسط بعد الإمارات، وهو ما يعكس متانة العلاقات بين البلدين، وتبلغ الاستثمارات الأمريكية فى مصر 23.7 مليار دولار تتنوع ما بين استثمارات صناعية وخدمية وإنشائية وزراعية وتمويلية وتكنولوجية منها نحو مليار دولار تدفقات جديدة دخلت إلى مصر خلال عام 2017-2018 كاستثمارات جديدة وتوسيع نشاط لبعض الشركات الأمريكية.
 
ويمثل قطاع السياحة أهمية كبيرة لمصر، وكان عام 2010 أفضل السنوات التى تدفق فيها السائحون الأمريكيون لمصر، حيث تجاوز عددهم نصف مليون سائح، لكن نسبتهم من إجمالى عدد السائحين لمصر فى نفس العام بلغت 3.8 %، وقد تراجعت أعداد السائحين الأمريكيين بعد عام 2010، وكانت فى عام 2015 بحدود 294 ألف سائح، وبنسبة تصل إلى 3.2 % من إجمالى السائحين الوافدين لمصر فى العام نفسه، ويعمل البلدان على تعزيز تدفق السائحين الأمريكيين إلى مصر، وبلغ حجم التبادل التجارى بين مصر وأمريكا 8 مليارات دولار، موزعة بين 6 مليارات دولار صادرات أمريكية لمصر، ومليارى دولار صادرات مصرية لأمريكا.
 
علاقات عسكرية متميزة
 
وبدأ التقارب المصرى  - الأمريكى عام 1974، وتعود العلاقات العسكرية بين مصر والولايات المتحدة فى شكلها الحالى إلى عام 1976، وتطورت سريعاً، وأصبحت مصر تحتل المركز الثانى فى قائمة الدول التى تتلقى معونات عسكرية أمريكية، بعد التوصل إلى اتفاق بين البلدين يتم بمقتضاه تنفيذ خطة تطوير القوات المسلحة المصرية، الذى أصبحت مصر بموجبه من بين الدول التى تستطيع الحصول على قروض أمريكية لشراء سلاح أمريكى، وهى القروض المعروفة باسم قروض المبيعات العسكرية الأجنبية، ويأخذ التعاون العسكرى بين مصر والولايات المتحدة عدة صور، تتمثل فى مبيعات السلاح، ونقل التكنولوجيا العسكرية، والمناورات والتدريبات العسكرية المشتركة، وتأتى معظم مبيعات السلاح من خلال المساعدات العسكرية السنوية، التى تبلغ نحو 1.2 مليار دولار، وشمل التعاون العسكرى أيضاً تصنيع وتجميع بعض الأسلحة الأمريكية فى مصر.
 
وفى إطار هذه العلاقات بدأت منذ عام 1994 المناورات العسكرية المشتركة المعروفة باسم «النجم الساطع»  التى لا تزال تتم من فترة لأخرى حتى الآن، حيث كانت آخر مناورات «النجم الساطع 2018» التى جرت بقاعدة محمد نجيب العسكرية بالإسكندرية فى الفترة من 8 إلى 20 سبتمبر 2018، بمشاركة قوات من مصر والولايات المتحدة الأمريكية والأردن والإمارات والسعودية وفرنسا وبريطانيا واليونان وإيطاليا و16 دولة أخرى بصفة مراقب، كما انطلق فى 25يوليو 2018 التدريب البحرى المشترك «استجابة النسر 2018» الذى تجريه وحدات من القوات الخاصة البحرية لكل من مصر وأمريكا والسعودية والإمارات.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg