رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 20 مايو 2019

المجلة



عملية الاستفتاء على التعديلات الدستورية.. مشاهد لافتة ومؤشرات واضحة

24-4-2019 | 20:02
د.أبو الفضل الإسناوى - تصوير - محمود شعبان

إقبال كثيف من المواطنين على صناديق الاقتراع فى جميع المحافظات خلال الاستفتاء 
 
شهدت لجان المصريين فى الخارج كثافة بسبب قيام الهيئة العليا للانتخابات بتحديث بياناتهم 
 
المرأة فى جميع المناطق الحضرية والريفية كانت فاعلاً رئيسياً فى المشاركة 
 
كشفت فاعليات الاستفتاء على التعديلات الدستورية التى انتهت الأسبوع الماضي، عن واقع جديد شهدته عملية المشاركة السياسية فى مصر منذ عام 2011، تمثلت أهم ملامحه فى تنوع الفئات المشاركة من حيث النوع ( ذكور وإناث) ومن حيث العمر ( شباب وكبار السن)، هذا بالإضافة إلى حدوث تغير ملحوظ فى شكل الخريطة التصويتية فى مصر، أهم مظاهره، هو تصاعد معدل المشاركة فى محافظات جنوب مصر عن الفترات السابقة.
دلالات عديدة يعكسها ارتفاع معدل المشاركة، لعل أهمها، هو: غياب الفاعلين ذوى التأثير السلبى على توجهات الناخبين، الذين كانوا يمثلون الظاهرة الأقوى قبل عام 2014، وهولاء كانوا يحسمون النتائج الانتخابية قبل أن تبدأ عملية الاقتراع. كما أن هذا الاقتراع كشف قوة وأهمية صوت المواطن، الذى أصبح هو السيد والمتحكم فى شكل ونتيجة العملية الانتخابية مهما حاول البعض الترويج بأنه تم توجيه المواطنين من خلال توزيع بعض الهبات الانتخابية عليهم.
على خلفية ما سبق، تشير عملية المشاركة فى الاستفتاء على التعديلات الدستورية فى إبريل 2019، إلى مشاهد لافتة للنظر ومؤشرات واضحة، تؤكد فى مجملها على إدراك المواطن المصرى لطبيعة الدعوة له، وأهمية التوقيت.
لقد تمثل المشهد الأول، فى الإقبال الكثيف من المواطنين على صناديق الاقتراع فى كثير من المحافظات خلال الثلاثة أيام التى حددتها الهيئة العليا للانتخابات فى مصر. وقد كانت المدن السياحية بمحافظات البحر الأحمر وجنوب سيناء، المثال الواضح على هذا المشهد، حيث تلاحظ كثافة الإقبال فى شرم الشيخ بحنوب سيناء والغردقة بالبحر الأحمر. كما يعد الإقبال الكثيف فى اليومين الثانى والثالث من عمال المناطق الصناعية، سواء فى السويس أو الإسماعيلية أو السادس من أكتوبر أو العاشر من رمضان، مثالا آخر يؤكد صحة هذا المشهد.
أما المشهد الثانى اللافت للنظر، فقد أكده التحرك الجماعى والأسرى إلى مقار اللجان، بالإضافة إلى سعادة المواطنيين بالمشاركة، التى تم التعبير عنه بوسائل متنوعة دون قصد بوسائل متنوعه تؤكد مصداقية المصريين الذين خرجوا إلى صناديق الاقتراع. وكان المثال الأوضح على هذا المشهد ما قام به سكان حى الأسمرات وبشاير الخير بغيط العنب، حيث تلاحظ كثافة عالية طوال الأيام الثلاثة المحددة للاستفتاء الثلاثة، ربما كانت تعبير عن رد الجميل للرئيس عبد الفتاح السيسى على ما قدمه لسكان العشوائيات، وربما للتعبير عن فرحتهم بواقعهم السكنى الجديد. 
وجاء المشهد الثالث، واضحا فى كثافة مشاركة المصريين بالخارج، حيث شهدت لجان المصريين فى البلاد العربية والأجنبية كثافة ملحوظة منذ الساعات الأولى، كان سببها قيام الهيئة العليا للانتخابات بتحديث بيانات هؤلاء الناخبين، طبقا لعنوان أقرب أفراد الأسرة المقيم بداخل جمهورية مصر العربية، إن لم يكن له محل إقامة دائم فى مصر، هذا بالإضافة إلى الدور الفاعل الذى قامت به وزارة الهجرة، وقيامها بالإجابة عن جميع الاستفسارات التى بلغت خلال الثلاثة أيام 1250 أستفساراً حول كيفية التصويت، وأماكن اللجان، فقد أدت تلك التسهيلات إلى حدوث ارتفاع  فى نسبة المشاركة لم تحدث من قبل، فلم تزد نسبة مشاركة المصريين بالخارج فى الاستفتاء على الدستور الذى أعدته جماعة الإخوان الإرهابية فى عام 2012  على 12%،  بعد خصم نسبة التصويت البريدى الذى تجاوز 30% من عدد المصريين المسجلين، البالغ عددهم فى تلك الفترة 586.419. وقد بلغت نسبة مشاركة المصريين فى الخارج على  التعديلات الدستورية التى تلت ثورة 30 من يونيو 15%، بواقع 107 آلاف ناخب من عدد المسجلين البالغ 681.346.
ويأتى المشهد الرابع والأهم، فى لجان الوافدين، التى تعد الظاهرة اللافتة للنظر خلال عملية الاستفتاء على التعديلات الدستورية فى 2019، حيث أدى القرار الصائب من الهيئة العليا للانتخابات بإلغاء التسجيل المسبق للوافدين، وتخصيص صندوق للوافدين فى كل لجنة انتخابية إلى تصويت يعد الأعلى للوافدين منذ عام 2011، خاصة فى الثلاث محافظات ذات الكثافة العالية، وهى القاهرة والجيزة والإسكندرية، بالإضافة إلى البحر الأحمر وجنوب سيناء، والسويس والإسماعيلية. فقد شوهد كثافة عالية أمام اللجان، تسببت فى إصدار الهيئة العليا للانتخابات لقرار ألغى ساعة الراحة المخصصة للقضاة، بل تم دعم تلك اللجان بأعداد إضافية من المشرفين والأفراد.
وتمثلت الظاهرة الخامسة، فى إقبال كثيف من الفئات ذات التمييز الإيجابي، فقد كانت المرأة فى جميع المناطق الحضرية والريفية، هى الفاعل الرئيسى فى عملية المشاركة خلال الثلاثة أيام، بل والجديد الذى لم تشهده مصر من قبل، هو كثافة مشاركة السيدات فى محافظات صعيد مصر، خصوصا المناطق ذات التركيبة الاجتماعية الصلبة، حتى إنه لوحظ إقبال كثيف من السيدات دون الخامسة والثلاثين، وهذا لم يحدث من قبل فى صعيد مصر. كما لوحظ  أيضا  كثافة فى حضور ذوى القدرات الخاصة، الذين قدرت منظمة الصحة العالمية عددهم فى عام 2015 ما بين 10-15% من إجمالى عدد سكان مصر، وقد يكون الدافع الرئيسى وراء خروج هؤلاء بكثافة للمشاركة فى عملية الاستفتاء، هو رغبتهم فى الحصول على مزيد من التمكين، والحفاظ على مكتسباتهم التى يكفلها لهم الدستور، التى أهمها تمثيلهم على الأقل بعدد ثمانية مقاعد فى مجلس النواب، بل شمولهم فى برنامج كرامة وتكافل، وتفعيل نسبة الـ 5% فى التعيينات، كما أنه قد يكون حضورهم المكثف أمام اللجان ردا للجميل، خصوصا وأن الرئيس عبد الفتاح السيسى كان دائم اللقاء ببعضهم خلال الثلاث سنوات السابقة.
وكانت الملاحظة اللافتة للنظر، هى أن الصور التى قام حزب النور بنشرها فى صفحات التواصل الاجتماعى الخاصة به، التى تظهر كثافة فى حضور أعضائه أمام لجان الاقتراع، انعكست سلبيا على عملية المشاركة، حيث حاولت بعض القنوات الفضائية المعادية، الترويج لها، واستغلالها فى أن الحزب تعرض لضغوط، خصوصا إن كان يرفض بعض التعديلات، ثم وافق عليها. كما أن اقتصار طوابير حزب النور أمام اللجان فى معاقله القديمة فقط الإسكندرية، والبحيرة، والقاهرة، واختفاء فى جميع المحافظات الأخري، يشير  إلى انتهاء ما يعرف بالأحزاب الدينية فى مصر، وأن طوابير الحزب التى حاول الترويج لها لم تؤثر كثيرا فى نسبة المشاركة.
ومثلت المشهد السادس، الأرقام ودلالاتها التى أظهرتها نتائج الاستفتاء، حيث تلاحظ زيادة ملحوظة فى نسبة المشاركة منذ عام 2011 فقد بلغت نسبة المشاركة فى هذا الاستفتاء 44٫23% مثلت الأعلى فى تاريخ مصر حيث تخطت نسبة المشاركة 72 مليون ناخباً، حيث بلغت فى الاستفتاء على دستور 2012، ما يقرب من 32.9%، وفى الاستفتاء على دستور 2014، بلغت نسبة المشاركة 38.6%، وفى الانتخابات الرئاسية 2018، كانت 41.05%. وبالإضافة إلى التطور  الواضح فى نسبة المشاركة على المستوى الكلى، تلاحظ أيضا تغير فى نسبة المشاركة على مستوى المحافظات، والمدن، وقد تمثل أهم ملامحه فى أن المشاركة السياسية فى الانتخابات أو الاستفتاءات تشهد تحسنا ملحوظا فى محافظات الصعيد منذ عام 2011، فقد كانت محافظة بنى سويف الأعلى بنسبة 32.6%، وكانت محافظة سوهاج الأقل مشاركة فى هذا الاقتراع بنسبة 23.8%، وكانت النسبة فى الأقصر 30.6، وفى أسوان 28.2، وتزايدت تلك النسب فى عام 2018، حيث بلغت نسبة مشاركة محافظة بنى سويف فى الانتخابات الرئاسية 47.4%، والأقصر ارتفعت لتصل إلى 32.9%، وارتفعت النسبة أيضا فى محافظات أسوان فبلغت 29.8%، وفى أسيوط 46.4%، وفى قنا 29.4%.
ويتبلور المشهد السابع  والأخير فى تزايد نسبة المشاركة فى المحافظات االأكثر حضرية، حيث تشير الأرقام إلى تزايد ملحوظ فى نسبة المشاركة فى محافظات القاهرة والإسكندرية والجيزة، فقد  اقتربت نسبة المشاركة فى محافظة القاهرة عام 2012، من 34.5%، وتزايدات إلى 40.3% فى الاستفتاء على دستور 2014، وظلت فى زيادة مستمرة حتى استفتاء 2019. وأيضا تلاحظ تزايد مستمر فى نسبة المشاركة بمحافظة الإسكندرية، فقد بلغت 36.2% فى الاستفتاء على دستور 2012، وارتفعت إلى 38.3% فى عام 2014، وتزايدت إلى42.2% فى الانتخابات الرئاسية عام 2018. وارتفعت نسبة المشاركة أيضا فى الجيزة من 34.6% عام 2012 إلى 35.3% فى الانتخابات الرئاسية عام 2018.
من المشاهد السابقة، يمكن استنباط عدة مؤشرات، تؤكد فى مجملها ملامح جديدة قد تحدث فى شكل الحياة السياسية المصرية، وسمح الدكتور على عبد العال، رئيس مجلس النواب بالحديث لفترة طويلة لبعض النواب الرافضين للتعديلات رغم أن مبرراتهم لرفضها كانت صارخة وتجاوزت حدود الدور البرلمانى للنائب مهما كانت درجة معارضته.
وبالإضافة إلى المؤشر السابق، هناك دلالة أخرى تؤكدها نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية الأخيرة، هى تقلص ظاهرة التصويت الاستقطابي، وعودة الالتزام العائلى فى عملية الإقبال والتصويت، فقد تنافست العائلات للمرة الأولى منذ عام 2011، على تحقيق النسبة الأكبر فى المشاركة، وهو ما يشير إلى أن انتخابات مجلس الشورى المقبلة ستشهد استقطابا عائليا ومناطقى نظرا لمحدودية عدد المقاعد التى قد لا تزيد على 150 مقعدا، وهو ما يزيد من نسبة المشاركة فى تلك المناطق، ويؤسس إلى حالة صحية جديدة.
فى النهاية يمكن القول: إن عملية المشاركة السياسية فى هذا الاستفتاء تمثل مرحلة بناء تقاليد جديدة، سواء كانت فى استقلال رأى الكتلة الناخبة، وعدم توجيه إرادة المشاركين، واقتصار دور الجهات الأمنية والتنفيذية على تأمين اللجان فقط من الخارج ، وحرص الهيئة العليا للانتخابات على توضيح كل الأمور المتعلقة بالعملية أمام جميع المنظمات المحلية والأجنبية، لذا، يجب على الجميع الحفاظ على هذه المكتسبات، بل تنميتها لدعم عملية المشاركة السياسية فى المستقبل.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg