رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 20 مايو 2019

مقالات



هذا.. وقد أبدى زعماء العالم أسفهم!

24-4-2019 | 20:00
د. إيمان طاهر

ليس من السهل ولا الطبيعى على الإنسان أى إنسان أن يتحلى بالهدوء والتجرد العاطفى ونتمتم بشكل غامض زائف خال من أى أحاسيس أمام كل المذابح والجرائم التى تحدث فينا وأمام أعيننا مذاعة على الهواء مباشرةً كلمات تعبر عن الحزن والأسى ونشيح بوجوهنا وأيدينا بعيداً عن الصورة المؤلمة وبشكل يومى أصبح مألوفاً للعديد منا، وذلك التفاوت فى ردود الأفعال ما بين امتزاج الرعب بالخجل والعجز عن التصدى ومواجهة المسئولية الأخلاقية لإنقاذ على الأقل ما تبقى بداخلنا من إنسانية.
 
فى سلسلة انفجارات متتالية تم تفجير ثلاث كنائس بالتزامن مع ثلاثة فنادق، وقد قتل فيها ما يقرب من 300 وأصيب أكثر من 500 بسيريلانكا.
ولمن لا يعرف فلسيريلانكا تاريخ طويل من التعصب والإرهاب وعلاقات معقدة مع الهند وباكستان ما هى إلا ظلال للاعبين الرئيسيين فى تحريك تلك الدول.. وإضعافها وإغراقها فى الفوضى وتفكيكها وجعلها خارج سيطرة حكوماتها بتوسيع نطاق الصراعات القبلية والعرقية والدينية ونشر الإرهاب وتفشى المذابح والرهان الدائم على الصراعات الأهلية.. فعن طريقها يحدث أكثر الاحتمالات إنجازاً لمصلحة الدول الكبرى ألا وهو الإبادة الجماعية.. فالحروب لم تعد بين دول بشكل واضح صريح كجيوش متقابلة، بل تحولت لأشكال من الصراعات العنيفة ما بين جماعات وحكوماتها أو صراعات جماعات ممتزجة جغرافياً بشكل مستمر كما فى الهند بين المسلمين والهندوس، وماليزيا لتقسيم الشعوب، والسيطرة عليهم، وقد تدخل فى صراعات للسيطرة على الأرض بالتطهير العرقى عبر مجازر، تتم بمنتهى العنف مثل ما حدث فى فلسطين وكوسوفو وكشمير.. ذلك التفكير الإستراتيجى بقدرته على تحليل ودراسة البيئات الخارجية والداخلية لأى دولة ووضع سياسة مستقبلية تتنبأ بكل التحولات واضعاً خطوات لكل رد فعل وغايات بعيدة المدى للأهداف التى يريد الوصول إليها فى النهاية.
فلنعد بالذاكرة لسنة 1983 ونشأة جماعة أو حركة “التاميل” أو ما يطلق عليها نمور التحرير. ظلت لــ 25 عاماً مشتعلة ما بينها وبين الحكومة لمطالبتها بإنشاء دولة خاصة بها فى شمال وشرق جزيرة سيريلانكا قتل فيها ما لا يقل عن 40.000 وقيل تجاوز 100.000 من المواطنين.. وبعد عدة محاولات لفرض السلام وتدخلات كانت فيها محاولة فاشلة للجيش الهندى وبالطبع كان لابد بأن تكون محاولة فاشلة للجيش الهندي، فالحكومة الهندية هى من كانت تقدم الدعم للمتمردين التاميل الأطفال!! هى من دربتهم فى جنوب الهند وزودتهم بالمال والسلاح. ومما تذكره أوراق التاريخ عام 1987 كانت الحكومة السيريلانكية على وشك أن تقضى عليهم وحاصرتهم، فإن الحكومة الهندية قامت بنقل المعونات الغذائية والسلاح عن طريق الجو.. من يقف مع وضد الهند؟!! بريطانيا .. لا تتعجب عزيزى القارئ، فبريطانيا هى من استعمرت الهند الكنز التجارى والثقافي، وقسمتها على أساس ديني، وأوجدت باكستان وسلحتها ودربتها وخلقت وأشعلت الصراع فيما بينهما ومن ثم فى باقى المنطقة.
 
تم توقيع اتفاقية لوقف إطلاق النار فى 2001 واستعادة الأماكن التى سيطروا عليها، وبرغم الانسحاب فإن نمور التحرير أعلنت أنها مازالت متمسكة بنضالها من أجل تأسيس دولتها.. لم يقدم فرد من تلك الحركة للعدالة حتى الآن، استغلت القوى الاستعمارية التى تريد الهيمنة على العالم نظرية نسبية تحققها علمياً تكاد تتخطى الثمانين بالمائة، وهى نسبة عالية فى العلم تسمى بــ “نرجسية الاختلافات الصغيرة” لعالم النفس الشهير “فرويد” تثبت فيها “أن الدين ليس اختلافاً صغيراً بل لعله أعمق اختلاف يمكن أن يوجد بين البشر”.. وهو ما أثبته بالفعل التاريخ سنجد أن هناك 32 صراعاً أثنياً ما بين العرب والإسرائيليين واللبنانيين الشيعة والمارون والسيريلانكيين البوذيين والتاميل والشيعة والسنة والمسلمين والبوذيين فى ميانمار.. ومما يستحق التأمل كثيراً أن معظم تلك الصراعات والحروب الوحشية الأهلية قد وقعت فى الأربعينيات والخمسينيات، لكنها ظلت كالنار فى الهشيم قد تبدو خامدة، ولكن سهولة إشعالها مرة أخرى مرعبة.
فتلك الجنة الاستوائية كما يصفها العالم كانت أيضاً ملعباً كبيراً لمزارع بيع الأطفال، وتقول التقارير إن النمور جندوا فى سن الحادية عشرة ودخلوا تلك الحروب العنيفة مع دولتهم وهم لم يتخطوا الثالثة عشرة بعد!! وهكذا يتم وضع جدول الأعمال والأولويات بتحريك الأطراف المختلفة فى كل مكان وبكل دقة وكفاءة حتى يتسنى لتلك القوة الاستحواذ على تلك الرقع الممزقة.
كل تلك التراكمات من الصراعات تأخذ شكلها الخاص وتتطور بتطور الفعل ورد الفعل وتتعمق لتظل الحاجة إلى اللجوء للقوة الغربية بحثاً عن السلام والحل والوساطة والاحتواء!! كمن يطلب من الذئب حماية القطيع!!.
 
ومن مزارع لبيع وتجنيد الأطفال وتعصب ما بين فصائل الشعب الواحد تم زرعها منذ سنوات طويلة لأشلاء الأطفال التى تاهت وامتزجت دماؤها ولحمها بأجساد أبويهم فى الكنائس والشوارع.
تتم هزيمة وسحق الإنسانية كل يوم على مدى عقود، تارة فى إرادته الحرة وأخرى فى دينه وهويته ومستقبله وإفقاره لإجباره على الانحناء والطاعة!!.
فلمن حقوق الإنسان إذن ؟!
إن الحقيقة الاقتصادية تقول: إن تحرير تدفق رؤوس الأموال يعمل كأبشع سلاح للقضاء على العدالة الاجتماعية والممارسات الديمقراطية، وقد استفادت أيما استفادة تلك القوى من تلك القاعدة لتجعل الوضع الإنسانى أكثر مأساوية وبغض النظر عن الكم فى من يقتلون ويشردون من الشعوب، فإن أولوياتهم أعلى بكثير من وهم حقوق أى إنسان على الأرض قد صدروه لكم.
فتلك الحقوق كانت أهم ركائز النظام الدولى الجديد الذى أسسه المنتصرون من بعد الحرب العالمية الثانية.. لا تنظروا لتلك العبارات الإنشائية فى ميثاقهم بل انظروا إلى تجاربهم العلمية والبحثية على شعوب الأرض فالقيم الأخلاقية ليست نسبية على الإطلاق.
 
تطاردنى المذابح ليل نهار هنا وهناك.. أطفال كانت مازالت يحبون فى طريق الأحلام البريئة... أسر تفككت وتدمرت وتشتت ومن تبقى منهم على قيد الحياة تشوهت ذكرياته وأصبح الموت ملاذاً يتمناه فى كل وقت.... ماتت أحلام الناس.... ولكن الأمم المتحدة ورئيس أمريكا وفرنسا ورئيسة وزراء إنجلترا ومستشارة ألمانيا قد أعلنوا رفضهم لهذا التعصب والعنف والقتل والخراب!! وتعاطفوا مع الضحايا!!!
هذا وقت أبدى زعماء العالم أسفهم!!!!... وصمت الضمير.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg