رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 20 مايو 2019

فنون



لؤى الداوود فنان أردنى تربى على الفن المصرى: أتمنى وجود متحف خاص لوجوه الفيوم

2-5-2019 | 19:28
حوار أجراه : مصطفى عبادة

«رواق البلقاء» هو مدرستى الأولى للتعرف على الفن المصرى

تعلمت أصول الفن على يد الفنانين المصريين
 
«البلد الوحيد الذى لا تعرف شعورك تجاهه، هى مصر، أم الدنيا، وأتوقع أنها سميت بهذا الاسم لأنك لا تستطيع التمرد عليها، لأن شعورك تجاهها يمنحك يقينا بأنها موجودة فى داخلك بالفطرة، إنها تهذبك وتعطيك أكثر مما تعطيها، مصر ليست بلدك، بل هى هويتك، خشونة فى طبيعة الحياة، ناعمة الأثر، تحاول أن ترفضها لكن لا تستطيع، تستفزك فى الشعور بها، تحبها بالفطرة، وتشبه الإنسان فى تصرفاته، وشعبها يعطيك ما يحتاجه».
 
بهذه الكلمات بدأ الفنان الأردنى لؤى الداوود حواره مع «الأهرام العربى» وهو فنان تخصص فى «وجوه الفيوم» رسما ودراسة، فضلا عن أنه شرب الفن من خلال الفنانين المصريين مثل حسين بيكار، وجورج البهجورى، وبهجت عثمان، وفرغلى عبد الحفيظ، والذين كانوا ضيوفا مقيمين فى «رواق البلقاء» الذى أسسه والده الفنان خلدون الداوود، وفى هذا الحوار نتعرف معه، على أهمية وفلسفة وجوه الفيوم، وموقفها فى الفن العالمى، وكيف استفاد فن البورتريه فى العالم من هذه الوجوه، وكيف أنها كانت البذرة التى نشأ منها فن الأيقونة فى الحضارة المسيحية، وإلى تفاصيل الحوار.
 
< كيف بدأت علاقتك بالفن؟
أولا اسمى: لؤى الداوود، من الأردن مدينة الفحيص مواليد 1990، مدرس الفنون الجميلة فى الجامعة الأردنية، لكن الأهم هو أننى ولدت وتربيت بين أيدى فنانين مصريين منهم جورج البهجورى، وفرغلى عبد الحفيظ ومجموعة فنانين آخرين منهم بيكار، وأحمد نوار وبهجت عثمان وأحمد صقر، وكانت بدايتى لحب الفن بسبب هؤلاء الفنانين الذين كانوا ضيوف رواق البلقاء، وهو مؤسسة فنية عائلية تستضيف الفنانين، وتقوم بجميع الأنشطة الفنية والمعارض، وأنا نشأت فى هذه البيئة، وكنت مساعدا لهؤلاء الفنانين أثناء استضافتهم فى رواق البلقاء، أنظف الفرشاة، وأحضر الفرشاة وأحضر الألوان، وبعضهم كان يشركنى فى رسم لوحته فى أشياء بسيطة جدا، وفى هذا المناخ تكون وعى الفنى، وأدركت أهمية الفن فى حياة الإنسان، وكذلك تكونت لدى ذائقة فنية خاصة سواء فى قراءة اللوحة أو تحليلها، أو آلية الرسم الفنى والتكنيك الذى تقوم عليه اللوحة، ولا تنس أن هؤلاء فنانين عظماء، ولكل منهم طريقته الخاصة فى الرسم فتعرفت مبكرا على أهم المدارس الفنية، وطرق تكوين اللوحة، وأثناء قيام الفنانين بالرسم، حاولت تقليدهم ورسم اللوحة نفسها، لأرى مدى الاختلاف بينى وبينهم، إلى أن صارت لدى الثقة لأرسم لوحتى وحدى، دون تقليد، ولا النظر إلى أى لوحة أخرى.
 
< متى دخلت مجال الاحتراف؟
عندما سألت نفسى سؤالا وهو: كيف أتميز، من هذا السؤال بدأت فى البحث عن نقاط ضعف أى فنان، ونقاط التشابه بين الفنانين الكبار، والمقارنة بينهم، ثم عندما بدأت الدراسة الأكاديمية، التى كنت متمردا عليها، لكن بعد فترة أدركت مدى أهميتها للفنان، وفى مرحلة تدريسى لذوى الاحتياجات الخاصة أيقنت أهمية الفن، على صعيد الحياة وليس فقط على صعيد الإنسان.
 
< ما الذى تعلمته من تدريس الفن لذوى الاحتياجات الخاصة؟
أنه لا حدود لأى شىء، ولا نهاية للخيال البشرى ولا يوجد قانون صارم يحكم الجمال أو يحدد اللون، فذوو الاحتياجات الخاصة منحونى طاقة جبارة لحب الحياة أولا، ثم عشق الفن ثانيا، وأن أرسم ما أشعر به، وما أريد دون التقيد بأية مدرسة فنية، أو القوانين الفنية ذات الصبغة الأكاديمية.
 
< برغم نشأتك الفنية حاولت دراسة المسرح لمدة سنتين، لماذا لم تكمل دراستك، وما الفرق بين الفن المسرحى والرسم؟
فى المسرح أنت تنفذ أفكار الآخرين، وفى الفن التشكيلى أنفذ ما أشعر به، وهناك فرق بين الحالتين، فوجدت حريتى مع «الريشة» واللوحة، وبعد معاناة وصراع، ودراسات مختلفة مثل إدارة الأعمال التى كنت متفوقا فيها ومحبا لها، وكنت الأول على دفعتى، لكننى لم أجد شيئا يعوضنى عن مصداقية الفن، والتوحد مع اللوحة، فرسمت وفق جميع المدارس الفنية مثل الواقعية والانطباعية والتجريدية والكلاسيكية والرمزية والمودرن آرت، وجربت فى كمية هائلة من المواد المختلفة والتقنيات المختلفة، ثم اتجهت إلى تدريس الفن للأيتام فى الأردن، وهنا اكتشفت عالم الفن الحقيقى، ولمست الواقع والأحاسيس المتباينة والمختلفة، والفرق بين الدراسة النظرية والواقع، فالواقع شديد الغنى، خصوصا وأنت تعمل مع الأيتام.
 
< هل غير ذلك نظرتك إلى الفن؟
نعم، منحنى أهمية أن أكون صاحب رسالة فى الفن، وليس فنانا فقط، كما منحنى التوازن العاطفى والإرادة، وأن الفنان ليس كائنا منعزلا عن محيطه الاجتماعى، ولا يجوز له الانعزال، وأن الحياة ليس فيها مستحيل.
 
< لم تحدثنى عن دور الوالد فى مسيرتك الفنية؟
باختصار شديد هو الأساس فى الدائرة الفنية التى عشت فيها، فهو مؤسس رواق البلقاء، فضلا عن أن منزلنا كان مرسما كبيرا للجميع، وبشكل دائم ويومى، وكدلك فإن علاقتى به، علاقة صداقة فنية، ونتبادل يوميا الأفكار والنقاش حول الفن إلى أن وصلت لمرحلة التخصص فى رسم وجوه الفيوم، التى كان والدى أول من عرفنى عليها وأمدنى بالمعلومات الغزيرة حولها، وكذلك الأشخاص الذين على دراية بها.
 
< لماذا وجوه الفيوم؟
أولا وجوه الفيوم كانت السبب وراء تميزى، لأنها أول رسوم بورتريهات فى العالم، ووثقت وجوه الإنسان وكانت مرسومة بطريقة تشبهنى، كما أنها تعبر عن حزن الإنسان البشرى، وفرح وأمل الحياة، كما اكتشفت بعد قليل أن أغلب الفنانين المصريين ـ  دون أن يدركوا ـ  تأثروا بتنقية رسم الفنان المصرى القديم الذى رسم وجوه الفيوم، خصوصا فى ملامح الوجه والعين الدائرية، ذات الملمح القبطى، هذا دفعنى إلى دراسة تفصيلية حول لماذا وكيف وما الهدف وتاريخ هذه الوجوه.
 
< وماذا اكتشفت؟
اكتشفت أنها ذات انطباع واحد، وأرجح أن سبب هذا الانطباع، فى الوجوه هو لمسة وبصمة الفنان نفسه، وهى الفكرة التى لم تذكر سابقا فى أية دراسة، فهناك تكنيك معين اعتمد عليه من رسم وجوه الفيوم وهو ثبات النظرة، وزاوية الوجه، ولم يسأل أى دارس نفسه، لماذا تتميز وجوه الفيوم بالتشابة، وتفسيرى أنا كان هو رؤية الفنان نفسه، وهو فنان مجهول الهوية حتى الآن، برغم أن هناك بعض الباحثين يقولون إنه فنان رومانى، والبعض يقول إغريقى، لكنه فى رأيى فنان مصرى فطرى، كان على علاقة بطبقة النبلاء، وهو فنان واحد قام برسم المئات من الوجوه، حسب المذكور فى الدراسات، وهناك آخرون أكملوا المهمة بعده.
 
< لماذا نسبت الوجوه إلى الفيوم وحدها؟
الوجوه المرسومة بهذه الكيفية موجودة فى مختلف المناطق المصرية، لكنها نسبت إلى الفيوم لأنها المنطقة الأولى التى تم اكتشاف الوجوه فيها، وكذلك وجد فيها أكبر عدد من الأعمال الفنية فى فن البورتريه، وتوجد كذلك وجوه أخرى فى مناطق «الهوارة».
 
< ما الذى دفعك إلى القول بأنه فنان واحد وليس مجموعة فنانين؟
لسبب أن تقنية رسم الوجوه واحدة، كما تتميز الوجوه حتى الآن بنفس نضارة اللون وجودة العمل، ووحدة المنظور، كما ذكرت لك فى العين الدائرية، فهى واحدة فى كل الوجوه، وتعبيرات الوجه واحدة، وكذلك المواد المستخدمة واحدة فى كل ما عثر عليه من وجوه الفيوم.
 
< هل وجوه الفيوم مرسومة من عامة الشعب وقتها، يعنى هل تعبر عن سمات الوجوه فى زمن معين؟
الدراسات تقول إنها مرتبطة بالنبلاء وعلية القوم، وأصحاب النفوذ، وليس من بينها وجوه من عامة الشعب، فهذه الطبقة من علية القوم هى التى تملك ما تدفعه للفنان، وهذا ما أختلف معه، ففلسفة وجوه الفيوم تعبر عن معتقد الخلود، أى لكى تتعرف الروح إلى صاحبها بعد الوفاة، وهذا الاعتقاد لا يخص طبقة معينة، بل هو معتقد سائد فى هذه الفترة التى رسمت فيها وجوه الفيوم، وأيضا هناك ما يقارب المئات من هذه الوجوه لا يمكن أن تكون مقتصرة على طبقة معينة.
 
< ما الذى تمثله وجوه الفيوم فى تاريخ الفن فى العالم؟
هى نقطة أساسية فى توثيق مرحلة تاريخية فى عالم الفن، خصوصا فى فن البورتريه، أو رسم الوجوه، لأنها أول رسم واقعى للوجوه فى العالم، وأول بدايات الفن الاحترافى، قبل أن يعرف الفن الحديث تقنية البورتريه،  أو مزج الألوان بهذه الكيفية المحترفة، إنها بداية الوعى الحقيقى بالفن فى العالم، ومنها تطور فن البورتريه لدى كل الفنانين، فمثلما تعتبر مصر رائدة الحضارة النحتية فى العالم تمتاز أيضا بأنها من قدمت فن رسم الوجوه لهذا العالم.
 
< هل يعتبر فن الأيقونات القبطى نابعا من وجوه الفيوم؟
نعم، فن الأيقونات هو التطور الطبيعى من وجوه الفيوم، فالأيقونة اتبعت التقنية الفنية نفسها فى البداية، من حيث الألوان، وزاوية الرؤية، ثم من حيث الفكرة الكاملة لتوثيق الوجوه الدينية للقديسين والشخصيات الدينية، ولدينا فى طقوس الدفن فى بعض الدول العربية، يقوم أهل المتوفى بوضع صورته فوق القبر، وهو تقليد يرجع إلى فلسفة وجوه الفيوم، دون وعى بذلك، وأتمنى أن تقوم مصر، بتجميع كل وجوه الفيوم الموجودة فى المتاحف العالمية المختلفة، وتقوم بتخصيص مجموعة من العلماء المختصين بالتحليل التاريخى لفن البورتريه، ودراسة أهمية وجوه الفيوم زمنيا وحضاريا وفنيا، لأنها سوف تضيف شيئا مهما لتاريخ الفن، لم يكتشف حتى الآن، ثم تقوم مصر بتخصيص متحف فنى خاص بهذه الوجوه، لتكون مرجعا أساسيا للفنانين، وتوضع على خريطة السياحة العالمية التاريخية والفنية، وأثق أن كل فنانى العالم سيقومون بزيارة هذا المتحف حال إقامته، لأن كل فنانى العالم، يدركون أنه لولا حضارة الفيوم فى فن البورتريه، لما كان هناك فن من هذا النوع، فالفن قبل وجوه الفيوم، كان يرسم على الجدران وبشكل انطباعى، ويعتمد على رسم الحيوانات والرموز وتوثيق الحياة اليومية بشكل عام، وليس توثيق الوجوه، كما فعل الفنان الذى رسم وجوه الفيوم.
 
< وما الذى أضفته أنت إلى وجوه الفيوم حين قمت برسمها؟
تخيلت أنه لو أن الفنان الذى رسم هذه الوجوه، كان يعيش بيننا الآن، وفى هذا العصر تحديدا، ما الذى كان سوف يرسمه، قمت أنا برسم الوجوه المصرية المعاصرة والموجودة بيننا، واستخدمت الطريقة الفنية التى اتبعها فنان وجوه الفيوم، وأتمنى أن أكمل أنا مسيرته برسم وتوثيق وجوه المصريين من كل الطبقات ومن كل المناطق، والأطياف، فليس هناك أصدق من الوجه فى التعبير عن ظروف زمنه.
 
< هل تمثل وجوه الفيوم لغزا إلى الآن؟
نعم، وما زال كل فنانى العالم يحارون فى طريقة مزج الألوان، وأهم مجموعة من وجوه الفيوم توجد فى متحف اللوفر، ومتحف تورينو، والبعض يرجح أن أيقونات السيد المسيح مرسومة على طريقة وجوه الفيوم.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg