رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 20 مايو 2019

المجلة



يفتح خزائن الأسرار لـ «الأهرام العربى».. محمد الباز على «باب الله»

15-5-2019 | 01:25
حوار أجراه: أحمد أمين عرفات

 
هيكل فى الصحافة يشبه أم كلثوم فى الغناء
 
عادل حمودة أستاذى وله الفضل الكبير علىّ.. لكنه لا يعرف التسويق لنفسه 
 
محمود عوض كاتب مهم ولكن..
 
التحقت بكلية الطب وتركتها لأنه ليس من المنطقى أن أحقق حلم والدى وأترك حلمى 
 
قابلت فوز مرسى بعنوان.. «الفاشى فى قصر الرئاسة» 
 
صاخب فى هدوئه.. جرئ فى كتاباته.. صادم فى آرائه.. مختلف فيما يقدمه.. نجح فى أن يصنع لنفسه بصمة تميزه عن غيره. اقتحم عالم القراءة والثقافة فى أيامه الأولى، فتسلح بالمعرفة فى مواجهة الآخر. اقترب من فرسان المهنة مبكرا، فاختصر الوقت فى حجز مقعده كواحد من نجوم جيله.
من يدخل مكتبه بجريدة "الدستور" يجد أمامه صورا لشخصيات عديدة تزين جدرانه: صحفية، سياسية، دينية، ثقافية، فنية، بصورة ترسم العديد من علامات الاستفهام، كما يضع أمامه القرآن والإنجيل، عدد الكتب التى أصدرها تتجاوز سنوات عمره، مناوشاته الصحفية أدخلته فى أزمات كثيرة، تعرض لصدمات لكنه كان يتجاوزها، خاض تجربة العمل كإعلامى، ولا يزال لديه الكثير من الأحلام والطموحات.
"الأهرام العربى" التقت الكاتب والصحفى والإعلامى د.محمد الباز فى حوار خاص حول تجربته الإعلامية الصحفية..
< يعرفك جمهورك كصحفى مهتم بالشأن السياسى وصاحب برنامج توك شو شهير هو «90دقيقة» على فضائية المحور.. لكن لماذا «باب الله»؟
«باب الله» برنامج يومى يذاع على فضائية الغد، وهو خلاصة فكرة قديمة تراودنى عن وضعية الأديان، وعلاقة الإنسان بها، فهو ليس برنامجا دينيا كما يحلو للبعض تصويره، لكنه برنامج عن الدين، أدعو من خلاله إلى الالتفاف حول معنى جديد وهو دين الإنسانية، وهو دين يجمع كل أصحاب الأديان تحت مظلة واحدة، هى مظلة الله الواحد، الذى نعبده جميعا، ثم يكون لأصحاب كل دين فرعى أن يعبدوا الله بطريقتهم، دون تضييق من أصحاب أى دين على دين آخر.
وأعرف أنها فكرة مزعجة، لأن أصحاب كل دين يتعاملون على أنهم أصحاب الحق المطلق، والآخرون على باطل تماما، وأتوقع أن يكون هناك هجوم كبير عليه، لأن به تعرية للمتطرفين فى كل الأديان الذين لا يطيقون الخلاف معهم.
أقدم «باب الله» كإنسان بعيدا عن أعين التضنيف الدينى، وأتمنى أن يستقبله المشاهدون بهذه الروح، لأن استقباله بأى تصنيف دينى سيفسده تماما.
< تزين مكتبك بالعديد من الصور منها صورتان لمحمد حسنين هيكل وعادل حمودة.. لماذا؟
فى اعتقادى أن هيكل خارج إطار الأسئلة والمقارنة والتصنيف طوال الوقت، فهو فى الصحافة مثل أم كلثوم فى الغناء، سواء اتفقت أم اختلفت معه، بالتالى وجوده فى مكتبى ضرورة حتمية، أما عادل حمودة فيظل الأستاذ الكبير فى حياتى، الذى أدين له بالفضل مهنيا، حتى لو كانت علاقتنا الإنسانية ليست بهذا القدر .
< لكنك تضع الاثنين فى مواجهة بعضهما بعضا؟
لأننى كنت شاهدا على العلاقة التى كانت تجمعهما، وكثير منها غير قابل للنشر، مثل آراء كل منهما فى الآخر، فهى آراء صعبة . 
< كيف تنظر إلى هذه الآراء؟
من حق كل منهما أن يقول ما يراه فى الآخر ما دام صحيحا، وأذكر أن حمودة عندما أنجز كتاب "خريف هيكل" أعطاه لى لكى أجهزه للنشر فى حلقات بالجريدة، وما إن قرأت مقدمته، حتى قلت له: لقد أعطيتنى الحل إذا ما أردت أن أتحدث عنك أو أهاجمك، فأنت تهاجم أستاذك وأعطيت مبررا لذلك، وبالتالى عندما سأكتشف أننى لم أكن على صواب فى علاقتى بك سأهاجمك . 
< التقيت هيكل عدة مرات.. فكيف كانت علاقتك به؟
لم أتعامل معه كثيرا بحكم الزمن، لكننى فى المرات القليلة التى التقيته فيها ومنها لقاء خاص، عرفت فيها آراءه التى كانت مفاجأة بالنسبة لى فى عادل حمودة، وبعيدا عن هذه الآراء، هما بالنسبة لى نموذجان مشرفان أعتز بهما، لذلك أضعهما فى المواجهة أمام عينى.
< ما ملامح صورة هيكل التى تراها؟
هيكل خادم لمشروع سياسى، ولولاه ما كانت هناك أسطورة عبد الناصر المعرفية، وأعتقد أن الأقدار هى التى جعلته ينصف عبد الناصر، ولو كانت أموره استقرت مع السادات، ما كان قد كتب كل هذه الأمور العظيمة عن عبد الناصر، فماذا لو لم يختلف مع السادات وظل باقيا فى الأهرام ولم يغادرها فى عام 1974 واستكمل مشواره فيها فى عهد مبارك؟ لو حدث هذا لكان مصيره مثل إبراهيم نافع وإبراهيم سعدة وسمير رجب .
< إذن هيكل كان صنيعة القدر؟
القدر له أياد بيضاء على هيكل فى شيئين، أولهما أنه اختلف مع السادات فتفرغ لكتاباته، علاوة على أن عداءه له خلق منه المدافع الأول عن عبد الناصر، ضد رغبة السادات فى هدمه، والشىء الآخر أن القدر أطال فى عمره حتى بلغ 93 سنة، لو كان مات ولديه 60 عاما ما كتب كل هذه الكتب التى أنتجها بعد أن تجاوز الستين وصنعت أسطورته، ولأصبح كل ذلك مخصوما من رصيده لدى الناس، وما وصلت تجربته الحياتية إلى الناس، وما كانت هناك معارك بينه وبين السادات ومبارك، وبالتالى فلولا أن الأقدار منحته عمرا لكان مجرد صحفى عادى له تجربة صحفية مثل مئات غيره، خصوصا أن من يقرأ كتاباته عن عبد الناصر فى "الأهرام" وقتها، لا تفرق كثيرا عن كتابات سمير رجب فى الجمهورية عن مبارك، وإن تميز هيكل بأسلوب أكثر شياكة، لكنه كان مثله، كاتباً يسبح بحمد الرئيس.
< ما الذى تختلف فيه مع هيكل؟
تخليه عن الدقة كثيرا، ليس لدى مشكلة فى أن يكون الكاتب غير موضوعى، لكن المشكلة فى أن يكون غير دقيق، لأنه لا يوجد أحد يكون موضوعيا طوال الوقت، فليس ممكنا مثلا أن أكون موضوعيا فى موقفى السياسى المضاد للإخوان، ومن يعاتبنى أخبره بأنها حريتى، لكنه سيكون لديه الحق فى اللوم إذا نشرت عنهم ما يتضمن تدليسا لكى أثبت وجهة نظرى فيهم، لأننى بذلك أخون مهنتى، فى حين كان هيكل يختلق وقائع وأحداثاً يرويها بروايات مختلفة، بشكل يشكك المتابع له فيها، وهناك رسالة ماجستير نوقشت أخيرا عن "هيكل بين المصداقية والموضوعية"، ولو نشرت هذه الرسالة ولم تتعرض للمحاصرة من تلامذته، سيكون هناك تجريح للتجربة المهنية، بسبب عدم دقته وعدم التزامه بسرد الأحداث التى يسردها لرسم صورة معينة، لكن لا خلاف عليه كصحفى له بصمته الكبيرة على مؤسسة صحفية ضخمة مثل الأهرام .
< طالبت عادل حمودة باعتزال الصحافة، لماذا؟
لأنه لم يعط الفرصة لتلاميذه أن يأخذوا حقهم منه كأستاذ، حيث استمر لفترة طويلة منافسا لهم فى ممارسته للصحافة، ولم يعطهم مساحة لكى ينصبوه أستاذا، وأجبرهم على أن يكونوا منافسين له، فى حين أن تلاميذ هيكل التفوا حوله، لأنه اعتزل الصحافة من 1974 فأصبح بالنسبة لهم الحكم والمقيم لتجاربهم .
< إلى أى مدى يعترف تلاميذ حمودة بفضله؟
هناك من يعترف وهناك من لا يعترف، فمثلا الكاتب الراحل محمود عوض كاتب مهم فى تاريخ الصحافة المصرية، إلا أن تجربته لا تضعه فى مرتبة الأستاذ، ويكفى أنه كان يقلد مصطفى أمين فى كتاباته، وفى اعتقادى أن معظم من جعلوا من عوض أستاذا، كانوا يهربون من أساتذتهم الأصليين، وهو ما جعله أستاذا فى الصحافة دون استحقاق .
< ما مفهوم الأستاذ بالنسبة لك؟
الورشجى الذى يجهز تلامذته فيتعلمون منه كل شيء يتعلق بالصحافة، وهو ما لم يكن متاحا لمحمود عوض.
< هل كانت الأقدار أيضا رحيمة بحمودة؟
من أهم عيوبه التى وضعها القدر فيه، أنه لا يعرف كيف يسوق لنفسه، فهناك صحفيون أقل شأنا منه مهتمون بالتسويق لأنفسهم وعمل جمهور لهم والتواصل معهم، خصوصا بعد ظهور السوشيال ميديا، ويكفى أن نحو 95 % من الأشياء فى مصر تستمد قيمتها حاليا من تسويقها، فمثلا هناك كتاب مستواهم ضعيف لكن التسويق جعلهم مشهورين .
< هل التسويق موهبة شخصية أم يكمن خلفها مؤسسات؟
هى أرزاق، لأن هناك من يتم التسويق لهم ولا ينالون الشهرة المخطط لها، وهذا الأمر من الأمور التى لا تفسير لها .
< هل تدرك عيوبك؟
لدى عيوب عديدة، خصوصا فى علاقاتى الإنسانية، وبرغم أننى فى الصحافة لا أكف عن الشك، لكنى أتعامل فى علاقاتى الإنسانية بحسن النية، ولأننى مدرك ذلك لا أصدم فى أحد . 
< ماذا تعنى بأنك لا تكف عن الشك فى الصحافة؟
أعنى أنى طوال الوقت لا أستسلم للمعلومات التى تصلنى، وأبحث عن صحتها وما يكمن خلفها، وأكرر دائما لطلابى فى الجامعة بأن هناك قيمتين أساسيتين للصحفى، إن لم يتقنها، لا يصبح صحفيا جيدا، وهما قدرته على صياغة السؤال وقدرته على ممارسة الشك فيما يصله من معلومات، لأن اليقين يقتل الصحافة، خصوصا أن هناك مصادر كثيرة تستخدم الصحفيين لخدمتها . 
< هل كنت تسعى لأن تحدث موضوعاتك الصحفية كل هذه الضجة التى تصاحبها؟
تخرجت فى كلية الإعلام سنة 1997 وفى العالم التالى عينت بالكلية معيدا، فى تلك الفترة كنت ومجموعة من الزملاء نتحدث عن أحلامنا، فقلت لهم أحلم بأن أكتب شيئا تتحدث عنه مصر كلها، بعدها خضت العديد من التجارب الصحفية فى "الدستور" و"صباح الخير"، والتى أراها تجارب مراهقة مهنية، حتى عملت فى "صوت الأمة "من عام 2000 فكانت البداية الحقيقية لى، ففى ذلك الوقت لم يكن هناك سوى الجرائد الأسبوعية ذات النفس المختلف التى يذهب الناس لها، ومنها "صوت الأمة"، أيامها كان لدى 28 سنة وأعمل كمدير تحرير مع عادل حمودة، والأمور تسير على أفضل حال، وبالفعل تحقق حلمى، حيث كانت الموضوعات التى أقدمها يهتم الناس بها وتحدث أزمات جعلت اسمى يتردد فى كل مكان .
< لكنك فى عز توهجك تركت العمل مع عادل حمودة؟
 بالفعل، حيث ذهبت للعمل فى صحيفة "الغد" لكننى لم أقدم فيها سوى أربعة أعداد وتركتها، فكان ذلك بمثابة الحفرة التى وقعت فيها، وكنت فى أشد الاحتياج إليها لكى أستفيق وأفكر من جديد، لأن من يحصل على مكاسب سريعة يعتادها ويظل يسير على نفس الرتم دون تقدم، فهذه الواقعة جعلتنى أعيش لمدة 5 أشهر بلا عمل فى أى صحيفة، برغم أنى كنت أمارس عملى فى الجامعة، لكن الصحافة بالنسبة لى المهنة الأساسية التى أحبها ولا أستطيع أن أستغنى عنها، وظللت طوال هذه الفترة لا أعرف كيف أمسك ببداية أخرى فيها، خصوصا أن عادل حمودة قطع على طريق الرجوع إليه مرة أخرى، حيث اعتبر أن تركى له خيانة، فكيف أتركه فجأة وهو الذى علمنى وأعطانى الحماية؟ 
< لكنك بالفعل عدت إليه بعد ذلك؟
رجعت بعد فترة، لكننى ظللت أرى أن ما حدث كان مهما بالنسبة لى حتى أحسب خطواتي، ولا أعتقد أن الدنيا كلها أمان، وأن أعمل بكل ما لدى من جهد، حتى فشلى أو وقوعى أصبح أمرا عاديا، فقد سبق أن وقعت ثم وقفت مرة أخرى .
< إذا كنت تعشق الصحافة.. لماذا التحقت بكلية الطب؟
التحقت بها بابتزاز عاطفى من والدى، حيث كان قد أجرى وقتها جراحة كبيرة وتمنى أن أصبح طبيبا، لكن ما إن دخلت كلية الطب حتى شعرت بأنها ليست مكانى، فلم أستمر فيها سوى شهر، وأدركت أنه ليس من المنطقى أن أحقق حلم غيرى، وأترك حلمى الذى يصاحبنى منذ الطفولة حيث كنت أكتب والمسئول عن الإذاعة المدرسية، ولا أجد نفسى سوى فى الكتابة بمختلف أنواعها، فمعها أشعر براحتى الكاملة، وهى الشىء الوحيد الذى أشعر بأنى أنجزته وليس مثلا شراء منزل أو سيارة .
< مارست الخطابة على المنابر فى مرحلة مبكرة.. لماذا لم تجد نفسك فيها؟
لأننى اكتشفت أن الكلام الذى أقوله بعيد تماما عن المنطق والواقع، وبرغم ذلك يتقبله الناس، فتبلور موقفى من التراث وكتبه وأنا على المنبر، لذلك أخذت موقفا منه وسعيت إلى مراجعته، بعد ممارستى الخطابة لمدة 5 سنوات بداية من الصف الثالث الإعدادى حتى توقفت فى بداياتى بالجامعة.
< لماذا توقفت؟
بسبب موقف تعرضت له، فقد كان الناس يعتبروننى شيخا، برغم أننى لم أكن أزهريا، ويطلبون منى الفتوى فى أمور تخصهم، وحدث أن دعانى رجل عجوز إلى بيته وأبلغنى أمام زوجته الطاعنة فى السن، بأنها تتهرب وترفض مضاجعته كلما رغب فيها، برغم أنها لا ترفض إلا بسبب ضياع صحتها، فشعرت بالحرج الشديد، هذا الموقف جعلنى أسأل نفسى ما هذا الذى أفعله؟ كيف أخطب فى الناس بكلام أقرأه وأردده دون أن أمرره على عقلى؟ فكان قرارى بعدم الصعود على المنبر مرة أخرى، والأهم من ذلك أننى بدأت رحلة البحث فى الكتب الدينية، والتى أسفرت عن العديد من الكتب التى طرحتها مثل "أفكار منحرفة " .
< ما الذى خرجت به من رحلة البحث؟
أننا مجرد أوراق لعب طوال الوقت، لا نملك من شأننا أى شيء، حتى عندما نجتهد فهناك قواعد موجودة لذلك، ونحن فقط نؤدى أدوارنا، لذلك لا أندهش مطلقا من نجاح أحد، ولا أدين من يسقط حياتيا أو نفسيا أو جنائيا على الإطلاق .
< لماذا ارتبط اسمك بعناوين الإثارة؟
سبق أن قلت لو لدينا خمسة يجيدون هذه العناوين لكنت منهم، ولو لم يكن هناك سوى واحد فقط فهو أنا، لأننى أؤمن بأن الإثارة هى أصل الصحافة، وهذه المدرسة عندما دخلناها غيرنا فيها، حيث أدخلنا فيها بعض التغييرات، فمن قبل كانت هناك عناوين مثيرة بدون محتوى مثير، لكننا جعلنا العنوان المثير يصاحبه محتوى مثير أيضا.
< لكن مثل هذه العناوين وضعتك فى أزمات؟
حدث هذا بالفعل، وبسببها ذهبت للتحقيق معى فى كل النيابات، لدرجة أن معركتى الضخمة مع شيخ الأزهر خضعت فيها لتحقيقات استمرت فى يوم واحد 13 ساعة، وبرغم ذلك لا أسلط الضوء على مثل هذه التحقيقات ولا أنشر عنها، لأننى أعتبر ذلك جزءاً من ضريبة عملى، وهذا ما كان يفعله أيضا عادل حمودة، فقد كان يذهب للتحقيق معه فى النيابة كثيرا ولا يخبر أحدا بذلك.
< كيف ترى تجربتك فى جريدة "البوابة "؟
هذه التجربة امتدت على مدار عامين بشكل يومى، لم يكن لعبد الرحيم على علاقة بالجريدة سوى الخط العام الذى نتفق عليه باعتباره المالك، لكنها تجربة خالصة لى 100%، وتختلف عن التجارب السابقة فى أننى بعد 30 يونيو قررت أن أى مشروع صحفى، يجب أن يكون مساندا للدولة المصرية التى أصبحت دولة مدنية ديمقراطية، بعد استبعاد جماعة الإخوان التى كانت المعطل الرئيسى للتحول الديمقراطى فى مصر بشكل كامل منذ نشأتها، ولم يحدث أن يتم استبعادها كما حدث أخيرا، فكل من كان يحكم مصر يتخذها حجة حتى لا يحدث هذا التحول، إلى أن قام الشعب وطردهم لتحقيق هذا المشروع الذى أسانده، وقد قبلت العمل فى "البوابة"، لأن هناك أرضية جمعتنى بعبد الرحيم على وهى العداء للإخوان، وقد يكون عداؤه مبنيا على أرضية سياسية، لكننى بجانب الأرضية السياسية هناك الفكرية أيضا. 
< متى بدأ عداؤك للإخوان؟
مبكرا جدا، عندما كنت طفلا، كانوا يأتون إلى القرى أقرب إلى جماعات التبشير، وحدث وأنا فى الصف الثانى الإعدادى أن زار أحد المدرسين بعض تلامذته فى بلدتنا، فجلس معنا لنأكل، فضربنى على يدى الشمال لأنى كنت آكل بها، وعندما اعترضت قال لى بأننى يجب أن أسمع الكلام، هذه الكلمة حمتنى من الدخول معهم فى أى شىء، فهذا التشدد والتطرف جعلنى أكتشف مبكرا أنهم أناس غير طبيعيين، أيضا عندما دخلت الجامعة وجدتهم يستقطبون الشباب ونفرنى منهم استغلال ظروف الطلاب الفقراء مثل إحضار المذكرات لهم ومنحهم الأموال ودخولهم للطلاب من هذا الباب، وبرغم شدة احتياجى وقتها، لكننى احتقرت هذا الأسلوب منهم الذى يجعل من يستقطبونه يهتف باسمهم ويضرب من أجلهم، ولم ينته الأمر عند ذلك، فعندما عملت بالصحافة جاءنى رجل انشق عن الجماعة لأنهم شردوه وخربوا بيته، كل هذه الأشياء أكملت ملامح صورتهم داخلي، فلم أخدع فيهم، علاوة على أن الأقدار خدمتنى فى ألا يستطيع أحد استخدام سلاح أرشيفى الصحفى ضدى مثل كثيرين، فأنا من القليلين الذين لم يكتبوا شيئا يدل على مناصرتهم. 
< كيف تلقيت خبر وصولهم إلى حكم مصر؟
جاء إعلان فوز مرسى بحكم مصر يوم الأحد، وكنا نجهز عدد "الفجر" ليكون فى الأسواق مساء الثلاثاء، ليصدر هذا العدد، وقد تصدر غلافه عنوان "الفاشى فى قصر الرئاسة"، وهذا العنوان أنا من اخترته باعتبارى وقتها رئيس التحرير الفعلى، لأن عادل حمودة كان قد بدأ يقلل من وجوده، فقد كنت مقررا بفعل غرور الكتابة ضرورة الدخول فى حرب حتى يخرجوا من الحكم، فقد كنت على يقين أن وجودهم يعنى ضياع مصر وتحولها إلى ولاية، لذلك منذ لحظة إعلان فوزهم قررت أن أكون جزءا من المعركة الأساسية ضدهم، وكونها تنجح أو تفشل فهذا هو المجهول الذى اخترته برغم كل أضرار هذه المغامرة .
< ألم يعترض حمودة على هذا العنوان؟
عندما قرأ العنوان قبل الطبع سألنى "من بدرى أوووى كده؟" ولماذا لا ننتظر قليلا؟ فقلت له هذه معركتك التى ستكمل بها حربك مع الإرهابيين، فقال جملته المعتادة "خلاص بلا دوشة"، وكان جريئا فى الموافقة على هذا العنوان. 
< هل كنت تتوقع سقوطهم بعد عام فقط برغم إعلانهم أنهم سيحكمون مصر 500 سنة؟
من توقع سقوطهم بعد عام هو الدكتور مصطفى الفقى، فعندما كنت رئيسا لتحرير برنامجه "سنوات الفرص الضائعة" سألته بعد ثلاثة أشهر من حكمهم، هل انتهى الأمر وسيطر الإخوان على مصر؟ فوجدته يقول لى بأنهم لن يحكموها سوى عام، ضاربا لى مثلا، بأن مصر بالنسبة لهم كانت مطمعا لسنوات طويلة، فما إن استولوا عليها حتى التهموها مثل اللقمة دفعة واحدة، دون مضغها، فحشرت فى زورهم، فأصبحوا غير قادرين على ابتلاعها، وحتما ستسقط منهم رغما عنهم، فأصابنى كلامه بالطمأنينة برغم يقينى بأنهم لن يكملوا ولا أدرى مصدر هذا اليقين، الذى جعل علاقتى تتوتر بالكتاب والإعلاميين المدافعين عنهم، وأتعجب كيف لا يرونهم على حقيقتهم، إلى أن جاءت الثورة وأنقذت الكل، ومن كرم ربنا أنهم لم يكن لهم دراية بالإعلام، وإلا لحاصروه وربما كانت الأمور ستتغير نوعا ما . 
< كيف رأيت سقوط حكمهم؟
رأيت أننى ولدت من جديد، فقد لا يعلم الكثيرون برغم أن عادل حمودة نشر ذلك بأنى كنت واحدا من ضمن 35 من الصحفيين كان سيتم القبض عليهم فى حال فشل ثورة 30 يونيو، بسبب ما كانت الفجر تقوم بنشره حيث نشرنا عنهم فضائح كثيرة، فأنا من فجر قضية الزواج السرى لياسر على المتحدث الرسمى للرئاسة، مما تسبب لهم فى حرج شديد وأخرجوه منها.
< لماذا كل هذا العدد من الكتب الذى يفوق سنوات عمرك؟
لدى 54 كتابا، مجموعة من هذه الكتب تمثل أرشيفى الصحفى، وأغلب الصحفيين يفعلون ذلك، وواصلت ذلك عندما وجدت أن هناك إقبالا عليها بجانب حفظها لهذا الأرشيف، لكن لدى كتب عديدة أخرى منها كتاب "العقرب السام" الذى كتبته عن عمر سليمان، وصدر منه حتى الآن 22 طبعة، فقد كتبته بروح الباحث الأكاديمى، لذلك أعتبره من الكتب المهمة بالنسبة لي، وتأتى أهميته من قيامى بجمع كل ما قيل وكتب عن عمر سليمان، وعمل مقارنات لكى أصل إلى الصورة الأقرب للواقع .
< لماذا حاكمت الشعراوى فى أول كتبك؟
كان ذلك فى 1995 وكنت وقتها فى السنة الثالثة بالمرحلة الجامعية، وفيه بحثت عن كل المتناقضات الخاصة بالشعراوي، وما دفعنى لذلك أننى كنت من دراويشه، قرأت كل ما قاله وكل ما نشر باسمه، لكننى وجدت نفسى أقف عند أشياء يقولها متناقضة وغير منطقية، وكانت الصدمة الكبرى بالنسبة لى عندما سئل فى برنامج «من الألف إلى الياء» لطارق حبيب عن نقل الأعضاء، فإذ به يقول ولماذا نؤجل لقاء الشخص بربه؟ فصدمنى هذا الرأى جدا الذى يطالب بترك الشخص يموت حتى لو هناك محاولة لإنقاذه بنقل عضو له، وعندما أقرأ فى هذا الكتاب اليوم أشعر بأنى كتبته بشكل طفولي.
< هل تفكر فى إعادة كتابته؟
ربما يحدث ذلك لكنى سأظل على موقفى، فقط سأكون أقل حدة، بعد أن تخلصت الآن من حماسة وثورة الشباب التى كانت تلازمنى فى العشرينيات .
< وماذا عن كتابك " الشعراوى والسادات الدين فى فراش السلطة"؟
هذا الكتاب أدخلنى فى علاقة الدين بالسلطة، ومن خلاله وجدت أن كلا منهما كان يتعامل مع الآخر كأداة يحقق بها أهدافه وكانا ناجحين فى هذا، وهذا الكتاب ينتمى إلى نوعية التشبيكات التى تستهوينى مثل الدين والسياسة والدين والفن وهكذا، لأنها تحتاج إلى بحث كبير، وهذا ما فعلته أيضا فى ثلاثية "الله فى مصر " والقرآن فى مصر" و"الرسول فى مصر" .
< ألم تسبب لك هذه النوعية من الكتب مشاكل؟
عدم اهتمامى بالتسويق قد يبعدنى عن هذا المشاكل، ولو تم التسويق لهذا الكتاب وغيره بشكل كبير لا شك أنه كان سيجلب مثل هذه المشاكل وتجعلنى غير مرحب بى.
< مناوشاتك الصحفية.. هل صاحبتك فى برنامج "90 دقيقة"؟
انتقلت معى فقط فى المقدمة واللحظات التى أكون فيها وحدى على الشاشة بلا ضيوف، لكنها تفارقنى مع ضيوفى برغم أن كثيرين منهم يأتون إلى البرنامج ولديهم اعتقاد أنى سأحاورهم بمناوشاتى الصحفية، فيفاجأ كل منهم بأنى اتحاور معه بهدوء وبالشكل الذى يجعلنى أخرج منه كل ما أريد بأدب واحترام شديدين .
< ولماذا تتخلى عن مناوشاتك معهم؟
لأنى من قبل كنت أعمل ولفترة طويلة على يسار الدولة، ودائما مساحة المعارضة تجعلك أكثر حدة ولمعانا، لكنى بعد ثورة 30 يونيو أصبحت مقتنعا بمشروع الدولة، وأساند النظام من مساحة التفسير وليس التبرير، معتمدا على المعلومات، فأنا لا أبرر أية أخطاء .
< ماذا أفادك عملك كمقدم برامج؟
الصحافة حاليا أصبح تأثيرها محدوداً، عكس التليفزيون، وبرغم الشهرة التى وضعنى هذا العمل فى دائرتها وأصبح الناس يعرفونى فى كل مكان أذهب إليه، فإنه لم يضف لى نفسيا، فلا تزال عاداتى كما هى لم تتغير، ولكنه أفادنى مهنيا، حيث طور أدواتى، فجعلنى أكثر دقة .
< ما أحلامك؟
أحلم بمؤسسة صحفية متكاملة، تضم أكثر من صحيفة ومجلة ومواقع إلكترونية وقناة تليفزيونية وقنوات إعلانية، لكن أنتظر الظرف الملائم لتحقيقه، بما امتلكه من الخبرة والتجربة التى تجعلنى لا أبدا من الصفر.
< ما ملامح هذا الظرف الذى تنتظره؟
ليس لدى مشكلة فى إدارته من قبل الدولة فى هذا الوقت الراهن وحتى يستقر البلد، ويقضى على الإرهاب، وتختفى القنوات التى تهاجم من الخارج،وتنجح الدولة فى معركة التنمية، وبعدها لابد أن تكون هناك منافسة، لانى لا أعتقد أن هذه هى وجهة نظر النظام الدائمة للإعلام، وبالتالى لابد من إعادة النظر فيه بعد اجتياز هذه المرحلة، لأنه يعتبر آداة من أدوات التنفيس وممارسة الحياة والحرية، وقتها سيكون هناك صورة مختلفة للإعلام ويكون الوقت مناسبا لتحقيق حلمى . 
< هل ما زلت تهاجم مليارديرات الإعلام حتى بعد دخولك عالمهم؟
لم أهاجم سوى من يتقاضى الملايين ويدعو للتقشف، فهو يناضل ويتاجر بالبسطاء، فلا بد أن يكون الإعلامى متوافقا مع مبادئه، تماما كمن يهاجم الراقصات والعرى فى برنامجه وهو من مرتادى الملاهى الليلية،وبالنسبة لى فأنا لست منهم لأنى لا أتقاضى ملايينهم بل أكاد أكون أقل واحد فيهم يتقاضى أجرا. 
< هل هناك خطوط حمراء تضعها فى برنامجك؟
ليست خطوطا حمراء بقدر ما هى مراعاة السياق الذى تتبناه المحطة وصاحبها، فهو يرفض مثلا الشطط فى مناقشة الأفكار الدينية، كما أنى أرفض تقديم الأشياء التى لا تحمل للعلم تقديره مثل الدجل وغيره .
< هل كنت مرحبا بعرض برنامج "نادى الزمالك" على قناة المحور؟ 
البرامج المدفوعة تنتقص من قيمة أى قناة، والإعلام عندما يضعف تظهر سطوة الإعلان فيفرض شروطه عليه، لذلك لم أكن اتمنى تقديم هذا البرنامج على المحور ،خصوصا أنها قناة الأسرة العربية.
< إذا عدنا لباقى الصور فى مكتبك ماذا تقول عنها؟
هناك صورة التابعى لأنه المبشر الأول بالنقلة فى الصحافة التى كانت قبله مجرد دوريات مطبوعة تنقصها الفنون الصحفية، وبرغم أنى أعشق نجيب محفوظ لكنى وضعت صورة يوسف إدريس لأنه صاحب موهبة متوحشة جدا، والنقشبندى لأنه يذكرنى بالأجواء الروحية، أما مصطفى امين فلأنه الصحفى المتكامل الذى لا ينقصه شيء على الإطلاق.
< لماذا تضع صورة السادات وليس جمال عبد الناصر؟
لأننى أحب السادات أكثر منه، فهو لم يأخذ حقه حيث ظلم من الكتاب والمثقفين، فقد فعل عبد الناصر أكثر مما فعله،عندما شرد الصحفيين ونقلهم فى أعمال لا تتناسب معهم، لكن لا أدرى لماذا يتذكرون السادات وينسون عبد الناصر، لكن الشخصية المصرية تتعاطف مع المهزوم أكثر من المنتصر.
< ماذا تعنى لك مريم؟
عندما ولدت وذهبت لاستخراج شهادة ميلادها، اكتشفت أنى لأول مرة أكتب بيدى اسم شخص قبلى، فأدركت أنها قبلى طوال الوقت. 
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg