رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 20 مايو 2019

المجلة



مواجهات عسكرية مع إيران والعودة إلى نقطة الصفر.. رياح ملتهبة تضرب المنطقة فى صيف 2019

15-5-2019 | 01:38
العزب الطيب الطاهر

 
«البنتاجون» يرسل المجموعة الضاربة بحرا وجوا لتكون تحت إمرة القيادة الوسطى
 
إيران تهدد بإغلاق مضيق هرمز الإستراتيجى بصواريخها البالستية والغواصة «فاتح» 
 
يبدو أن صيف 2019، لم يشأ أن يتحرك نحو المنطقة، من دون  أن ترافقه رياح ملتهبة، تتمثل فى نذر مواجهة  أمريكية ـ إيرانية مرتقبة، أخذت مقدماتها فى التصاعد خلال الأيام والساعات الأخيرة، على نحو  يعيد إنتاج أجواء ومناخات ما قبل الغزو الأمريكى للعراق فى 2003، ومن قبل لأفغانستان فى 2002.
 
ثمة حشد عسكرى ضخم قادم من بلاد العم سام إلى بر وبحر منطقة الخليج متضمنا المجموعة الضاربة، وفى مقدمتها حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن"، ومجموعة السفن المرافقة لها، وقوة من القاذفات لتكون تحت إمرة القيادة المركزية الأمريكية بمنطقة الشرق الأوسط، التى تتخذ من قاعدة العديد العسكرية والتى تقع على بعد 18 كيلو متراً جنوب غرب العاصمة القطرية ـ الدوحة ـ لتبعث برسالة واضحة لا لبس فيها إلى طهران، بأن أى هجوم على مصالح الولايات المتحدة، أو حلفائها سيقابل بقوة شديدة - وفق ما صرح به أكثر من مسئول أمريكى فى الآونة الأخيرة - لتبرير هذا الاحتشاد العسكرى فى هذه المرحلة، وفى مقدمتهم "مايك مومبيو"وزير الخارجية  الذى بات  من أكثر المعبرين عن توجهات الرئيس دونالد ترامب.
وتزامن مع إرسال هذه المجموعة الضاربة، قرار البنتاجون ـ وزارة الدفاع ـ بنشر المزيد من صواريخ "باتريوت" فى منطقة الشرق الأوسط، بعد أن كان قد قرر سحب بطارياتها من  ثلاث دول هى: البحرين والكويت والأردن، خلال العام الفائت.
 
وجاءت هذه التطورات، فى أعقاب بدء تنفيذ قرار الرئيس ترامب بإلغاء الاستثناءات التى كانت ممنوحة  لثمانى دول لشراء النفط من إيران، اعتبارا من الثانى من مايو الحالى بهدف "تصفير" صادراتها النفطية، وبما يؤثر سلباً على دعم الأنشطة العسكرية الإيرانية فى المنطقة،ولم تكتف الإدارة الأمريكية بذلك، بل توعدت بفرض عقوبات على الدول الحليفة لها أيضا، فى حال واصلت شراء النفط الإيراني، وهو ما دفع طهران إلى الرد على ذلك من خلال إعلانها التنصل، من بعض بنود اتفاق 5+1 الخاص بملفها النووى والذى تم التوقيع عليه فى يوليو 2015 فى زمن إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، وقرر ترامب الانسحاب منه فى الثامن من مايو من العام المنصرم.
المربع الأول
وأفضت هذه المعطيات، إلى إرباك المشهد الإقليمى، على نحو ينطوى على  التمهيد للعودة إلى المربع الأول فى أزمة الملف النووى الإيرانى، وذلك مع تهديد طهران بأنه فى حال عدم تجاوب الدول الموقعة على الاتفاق، لاسيما الأوروبية التى تتهمها بأنها لم تف بالتزاماتها، فيما يتعلق بمساندتها فى وجه العقوبات الأمريكية النفطية والمصرفية، التى أقرت خلال العام الماضى خلال ستين يوما - فإنها ستقوم بما يلى:
- وقف بيع اليورانيوم المخصب الفائض على الـ300 كيلو جرام.
- وقف بيع الماء الثقيل الفائض على الـ130 كيلو جراما.
- إمهال  أطراف الاتفاق النووى مدة 60 يوما لتأمين مصالح إيران فى قطاع النفط والبنوك، وإن لم تفعل فإنها ستزيد نسبة تخصيب اليورانيوم المقررة بموجب الاتفاق، وإن لم يتم الوصول إلى نتيجة ستتخذ إجراءات إضافية (لم تحددها ).
- فى حال إحالة الملف النووى الإيرانى إلى مجلس الأمن الدولى أو فرض عقوبات جديدة، تتوعد طهران برد حاسم وسريع (لم تحدد طبيعته) .
وكانت طهران قد وافقت بموجب اتفاق 2015، على الحد من حجم مخزونها من اليورانيوم المخصب، المستخدم لصنع وقود المفاعلات النووية، وكذلك صنع الأسلحة النووية لمدة 10 أعوام، وخفض عدد أجهزة الطرد المركزى لمدة 10 سنوات ,وبحسب الاتفاق أيضا، خفضت إيران مخزونها من اليورانيوم بنحو 98% إلى 300 كيلوجرام لمدة 10 أعوام، والتزمت بمستوى تخصيب بحدود 3.67%، وهى نسبة –  طبقا لرؤية الخبراء - تمكن إيران من استئناف التخصيب الذى يؤدى فى نهاية المطاف لإنتاج قنابل نووية.
نتنياهو على الخط
هنا تدخل إسرائيل على الخط، ويمكن أن تقوم بعملية عسكرية جوية خاطفة لتدمير المنشأت النووية الإيرانية، مثلما فعلت مع المفاعل النووى العراقى فى ثمانينيات القرن الماضى، وهو ما توعد به بنيامين نتنياهو رئيس وزرائها، فور  إعلان طهران بيانها عن تخفيض مستوى التزامها  باتفاق (5+1 )، من  خلال تأكيده أنه لن يسمح لإيران بتطوير أسلحتها النووية، وكثيرا ما حاول أن يقوم بهذه الخطوة فى زمن أوباما، فإن الأخير كان يلجمه باستمرار، ولكن تبقى  فرضية تنفيذ وعيده قوية فى زمن ترامب، الذى يضع أمن إسرائيل فى صدارة أولوياته .
فى ضوء ذلك، فإن المنطقة توشك على مواجهة عسكرية، وإن كان كل من الطرفين الأمريكى والإيرانى، يعلنان أنهما لا يرغبان فيها، ولكن إن فرضت عليهما فإنه لامناص من الانخراط فيها.
وفى هذا السياق فثمة تحذيرات غربية من أن تنصل إيران من بنود فى الاتفاق النووي، يفاقم بالفعل من حدة التوتر فى المنطقة، ويفتح عليها أبواب الجحيم، فعلى الرغم  من أن الاتفاق  ينص على أن تحد إيران من حجم مخزونها من اليورانيوم المخصب، فقد جاءت تصريحات الرئيس الإيرانى حسن  روحانى بشأن عدم بيع بلاده اليورانيوم المخصب، لتؤكد أن أطنانا من هذه المادة لا تزال بحوزة بلاده، الأمر الذى يمكنها بسهولة من صنع أسلحة نووية، وحسب صحيفة لوفيجارو الفرنسية، فإن واشنطن لا تريد الدخول فى صراع مع إيران، وبرغم ذلك هى على أهبة الاستعداد إذا ما أرادت طهران ذلك، مشيرة إلى أن واشنطن وطهران تعيشان منذ أكثر من 3 عقود فى حالة "اللا سلم واللاحرب"، وكلتاهما حذرة فى التعامل مع الآخر، ومع ذلك فإن الصحيفة الفرنسية ترى أن خطر الصدام بين الجانبين يتصاعد بعد تراجع  طهران عن تعهداتها، معربة عن اعتقادها بأن الأمور تسير فى اتجاه واحد وهى المواجهة، حيث  أخذت الولايات المتحدة  فى تعزيز وجودها العسكرى فى المنطقة، مستندة فى ذلك  إلى معلومات استخباراتية تلقتها، بشأن وجود "خطة" إيرانية لمهاجمة المصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط، وإن كان  خبير فرنسى يستبعد فى تصريحات للصحيفة ذاتها، الحرب مع إيران فى الوقت الراهن، مشيرا إلى أن " طهران تكرر دائماً "عدم الرغبة فى الحرب" لكنها تضيف: "إذا تعرضنا للهجوم، فسنقاتل، ردا على الحظر الأمريكى ـ الإيرانى على مبيعات النفط، كما تهدد أيضا بإغلاق مضيق هرمز، وباختصار كل معسكر جاهز .
الغواصة فاتح
وفى سياق الاستعداد لإغلاق هذا المضيق الذى يعد أهم أحد الممرات المائية فى العالم وأكثرها حركة للسفن، وينطوى على أهمية إستراتيجية واقتصادية وتجارية كبرى لدول الخليج العربى، بصفة خاصة ودول الشرق الأوسط بصفة عامة، وتمر عبر مياهه  عدد يتراوح بين 20-30 ناقلة نفط يوميا، بمعدّل ناقلة نفط كل 6 دقائق فى ساعات الذروة، محمّلة بنحو 30% من النفط المنقول بحراً على مستوى العالم، قامت إيران بتدشين غواصة محلية الصنع مزودة بصواريخ كروز، أطلق عليها مسمى "فاتح" فى احتفالية نظمتها القوات البحرية بحضور الرئيس حسن روحانى فى فبراير الماضى، وهى تعد أول غواصة نصف ثقيلة من إنتاج الصّناعات البحرية الدّفاعية الإيرانية، وتزن 600 طن، وتتميز بقدرتها على العمل بشكل منفرد إلى جانب قدراتها فى العمل إلى جانب عدد من الغواصات الأخرى أو الوحدات العائمة أوالمعدّات السّاحليّة،كما تستطيع مواجهة الألغام البحرية أو أى هجوم برمائي، إلى جانب القدرة على الوصول إلى ما وراء خطوط الآليات البحرية المهاجمة فى عمق البحر مثل المدمرات أو القوارب الناقلة للجنود،كما تتميز بقدرتها على جمع المعلومات الاستخباراتية والتجسس على عمليات الأطراف المهاجمة فى عمق البحر، وتستطيع هذه الغواصة التّنقل بين مختلف موانئ السّاحل وتنفيذ عمليات عسكرية خاصّة، ولكن السؤال هل يمكنها الصمود فى وجه القوة العاتية الأمريكية التى باتت مهيأة للتعامل مع أى مخاطر عسكرية إيرانية سواء فى مضيق هرمز أم تتعرض للمصالح الأمريكية فى المنطقة؟.
التصعيد الراهن بين الطرفين الأمريكى والإيرانى، قد يكون ضمن ثلاثة احتمالات. الأول: تصعيد عسكرى مضبوط ومحدود ضمن توظيف الوكلاء مجدداً فى استهداف القوات الإيرانية... الثانى: التوجه نحو فرض المزيد من العقوبات على إيران... الثالث: التصعيد الشامل وفى هذا السيناريو الذى تبدو مؤشراته حتى اللحظة أقل ولكنه وارد الحدوث  فقد تقدم إيران  على إغلاق مضيق هرمز الذى يعتبر شريان الحياة والرئة بالنسبة لإيران ودول الخليج... ولكن إغلاقه قد يعنى إغلاق إيران على ذاتها، وهذا قد يكون هدفا أمريكيا بحد ذاته طبقا لرؤية بعض الخبراء.
لكن مساعد وزير الدفاع الأمريكى الأسبق الجنرال مارك كيميت، يرى أن بلاده ليست بصدد إعلان حرب ضد إيران، وأن الهدف من الاحتشاد العسكرى الضخم فى الخليج هو من قبيل الردع، فقد تُقدِم إيران نتيجة لخطأ فى الحسابات وتحت ضغط العقوبات، على تصرف غير محسوب وفى هذه الحالة  فإن القوة العسكرية الأمريكية هناك جاهزة للرد، ومن ثم فإن إيران ستكون الخاسر الأكبر - وفقا لتأكيد الخبراء - إذا قرّرت التدخل للتأثير على أمن الملاحة فى مضيق هرمز، لأن الرد الأمريكى سيكون ساحقاً على ما يبدو، وبالتالى لم يتبق لها  إلا تبنى خيار تراجعٍ مشرّف، يتيح لها العودة إلى المجتمع الدولي، بإعلان قبولها بالشروط الاثنى عشر، التى أعلنتها الإدارة الأمريكية فى مايو من العام الماضى  ومن دون مواربة أو مناورة،  لاسيما أن صادراتها النفطية أوشكت على الوصول إلى الصفر، على ضوء انصياع حتى الدول التى تعتمد على النفط الإيراني، كالصين والهند، للعقوبات الأمريكية.
محاربة وكلاء إيران
ولكن كيف ينعكس التوتر بين واشنطن وطهران على دور الميليشيات التابعة لإيران فى المنطقة العربية والتى توصف بأنها ذراعها لتنفيذ مشروعها لفرض هيمنتها الإقليمية والتى يتفاخر بها قادتها ؟وفى هذا الصدد فإن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بأبو ظبى يقول فى دراسة تلقت "الأهرام العربى" نسخة منها إن ثمة حالة من حدة التوتر آخذة فى التصاعد، بين الولايات المتحدة الأمريكية والميليشيات المنضوية تحت مظلة "الحشد الشعبى" فى العراق وحزب الله فى لبنان بموازاة التصعيد الجارى بين  واشنطن  وطهران، على خلفية العقوبات التى تواصل فرضها عليها عقب إعلان الأولى  انسحابها من الاتفاق النووى فى 8 مايو من العام 2018، والتى ردت عليها إيران بتخفيض مستوى التزاماتها فى الاتفاق النووى مع حلول الذكرى الأولى للانسحاب الأمريكى فى 8 مايو 2019.
 
وفى هذا الصدد، تشير تقارير أمريكية عديدة، إلى تنامى خطر "وكلاء إيران" على مصالح واشنطن فى الشرق الأوسط، بما يتجاوز التهديد المباشر من جانب إيران ذاتها، ما يفسر تغير الإستراتيجية الأمريكية التى باتت تربط بشكل مباشر بين إيران ووكلائها الإقليميين. وقد تزايد اهتمام دوائر الأمن الأمريكية بالميليشيات العراقية، خصوصا الموالية لإيران، فى ضوء الحذر من تداعيات العلاقات بين تلك الميليشيات وإيران على الوجود الأمريكى فى العراق وسوريا، حيث تنشط تلك الميليشيات بكثافة على خطوط التماس فى بعض المواقع التى تتواجد فيها القوات الأمريكية، وهو ما يتوازى أيضًا مع الإجراءات التى تواصل واشنطن اتخاذها إزاء حزب الله فى لبنان.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg