رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 17 نوفمبر 2018

المجلة



سيدة الونيسى.. وجه جديد فى جيل «النهضة»

11-11-2014 | 18:42
رشا عامر

وراء بشرة نضرة وصافية وعيون شرقية وملامح دقيقة ازدادت جمالا وراء الحجاب الذى يحيط بها .. كانت هى سيدة الونيسى ذات الـ 27 ربيعا التى تشغل منصب رئيس حزب النهضة التونسى فى دائرة شمال فرنسا، وذلك بعد أن ترأست قائمة النهضة عن دائرة فرنسا1 للانتخابات التشريعية المخصصة للدوائر الانتخابية بالخارج. إنها رأس الحربة فى هذا الحزب الإسلامى الذى خسر الانتخابات لكنه أبى أن يخسر مكانه على الأراضى الفرنسية. لذا فهى تريد الضمانات الكافية لالتقاط الأنفاس للتأكيد على الإسلام السياسى يتوافق كليا مع الديمقراطية. خمس دقائق فقط من الحوار مع “سيدة الونيسى” تكفى لكى يعرف الجميع لماذا اختار حزب النهضة الإسلامى هذه الشابة لكى تمثله فى فرنسا.. فيكفى أن نعرف أنها جاءت إلى فرنسا فى عمر الخمس سنوات هربا مع عائلتها كلاجئين سياسيين. والغريب أن أعضاء حزب النهضة هم الذين سعوا إليها وليس العكس مستندين فى ذلك إلى كونها تعشق العمل الاجتماعى وتعتبر أحد الوجوه المعروفة فى المجتمع المدنى والشراكة الأورومتوسطية فى مجال الشباب. ولذلك فهى تعزى الفشل الذى حل بالحزب بأن التحاقها بالعمل السياسى جاء دون تمهيد رغم أنه كان حلمها الأكبر ولكن هذا الحلم كان يلزمه المزيد من التخطيط وليس الأخذ على حين غرة بهذه الطريقة، خاصة عندما تكون البداية هى الانتخابات التشريعية! والغريب أن من تفاوض معها لخوض العمل السياسى كان يدعى إدريس رضا وكان يشغل منصب مدير حملة حزب النهضة فى شمال فرنسا ولكنه كان مستمعا فقط لا يرغب فى التعقيب أو إبداء الرأى فى أى شىء والأغرب من ذلك أنه لم تخالجه ذرة شك واحدة فى نجاح “الونيسى” رغم أنها الأصغر سنا فى المرشحين الخمسة الموجودين فى القائمة. تصف الونيسى - فى التقرير الذى أوردته مجلة لو جورنال دو ديمانش - حزب النهضة بأنه حزب معقد قليلا ذلك أنه تركيبة سياسية لا يوجد لها شبيه فى فرنسا. فحتى مضمونه لا يتوافق مع مسماه، لذلك من من الصعب شرح مفهوم الحزب وأهدافه لأى شخص، فكل ما يمكن أن يوصف به إنه ربما يشبه إلى حد قليل حزب الاتحاد الديمقراطى المسيحى فى ألمانيا، لكن حتى هذا التشبيه كان يحتاج إلى شهور أكثر لشرحه على الأراضى الفرنسية وليس الثلاثة أسابيع التى سبقت الانتخابات! الواقع يقول إن هذا النوع من التشكيلات السياسية التى تشبه النهضة يريد أن يكون لديه القدرة فى الاعتماد على العشرات من أمثال الونيسى وأمثالها من التونسيين الموجودين بالخارج فى كل مكان. فالبنسبة للأحزاب الإسلامية تعتبر الونيسى أحد الرموز الفرنسية ذات الجذور التونسية، فضلا عن كونها حاصلة على الدكتوراه من جامعة باريس 1 ومتخصصة فى القضايا السياسية الاجتماعية فى تونس.. إضافة إلى ارتدائها الحجاب وذكائها الاجتماعى الهائل بما يشكل التركيبة التى تحلم بها الأحزاب الإسلامية. لكنها تملك شيئا بالإضافة إلى كل ذلك لم يلتفت إليه الحزب وهو وضوحها الشديد وصراحتها إزاء مشاعرها تجاه تونس. إنه وضوح يستشعره أى شخص تونسى يعيش فى الخارج، ولعل ذلك هو الذى جعلها تصف مشاعرها تجاه ثورة الياسمين، واصفة مشاعر والديها اللذين عادا إلى البلاد بعد رحيل استمر 23 عاما، رغم أنه بالنسبة لها لم تكن تلك المرة الأولى التى تعود فيها إلى تونس، فلقد سبق واستفادت مما فعله بن على عام 2007 عندما سمح لأبناء اللاجئين بالعودة إلى الوطن . وبسبب صعوبة الأمر والرعب الذى اجتاح الجميع فإن شعورها بأن بلدها الأم والتى يعتبرها والداها جنة الله على الأرض والتى ظلت طوال سنوات كثيرة تعتبرها كذلك فإنها فى النهاية اكتشفت أنها ليست جنة ولا أى شئ من هذا القبيل . لذلك فلقد اخترعت لنفسها طريقة للتعامل مع هويتها المزدوجة التونسية الفرنسية. سافرت الونيسى إلى تونس مرة ثانية بعد الثورة تحديدا فى مارس 2012 وظلت هناك ستة أشهر وعملت على أرض الواقع واكتشفت أن الثورة لا يمكن وضعها فى إطارها الصحيح فى غضون خمس دقائق خصوصا فى ظل انتشار الفوضى. من هنا بدأت تحب تونس لدرجة أنها زارتها للمرة الثالثة عندما أدركت أنها “هجين” وأنها تأثرت بالبحر الأبيض المتوسط من كلا جانبيه، وأنها تستطيع العيش والعمل والتفكير والتعامل. لقد أدركت أنها فرنسية تونسية أو تونسية فرنسية وأن هذا ليس مشكلة، بل على العكس فهذا الازدواج يعطى شخصيتها مزيدا من الثراء. فاليوم تم انتخابها وسيظل هذا التفويض طيلة خمس سنوات وستبقى فى فرنسا طوال هذه الفترة، حيث ستمثل أبناء بلدها على الأراضى الفرنسية لتستكمل ما بدأته من الوجود والتأكيد على أن السياسة ليست فقط للرجال . لقد أرادت إثبات ذلك على المستوى المهنى وليس فقط على مستوى الأسرة، لذا فقد وصلت إلى حدود ألمانيا وقطعت أميالا طويلة للجلوس على المقاهى والإجابة عن كل الأسئلة من أصغر شخص إلى أكبر شخص. لدرجة أن والدتها التى تعمل جليسة أطفال تركت عملها وتفرغت لها نهائيا لكى تكون بجانبها، بل وصل الأمر إلى أنها هى التى كانت تختار لها ملابسها لكى تعطيها مزيدا من الوقت لإثبات ذاتها . اكتشفت الونيسى أنه حتى فى عاصمة النور فإن السياسة حكر على الرجال . كان ذلك واضحا جدا من خلال أمسياتها على المقاهى، لذا كان التحدى الأكبر بالنسبة لها هو الوصول إلى المرأة التى كان التواصل معها أمرا فى غاية الصعوبة استلزم الدخول اليها عن طريق اللقاء بها فى المنزل بشكل سرى. اختلفت أسئلتهن باختلاف إعمارهن.. فكبار السن كن أكثر تدقيقا فى التفاصيل بينما الشبات كن أكثر مرونة وأكثر عمقا وهوية، شعرت الونيسى بأهمية التواصل مع المجتمع الفرنسى والذى لا يتنافى على الإطلاق مع الخصوصية، وقد تأكدت من ذلك عندما استشعرت أن المرأة التونسية المقيمة فى فرنسا لا تشعر أن بلادها تمثل لها أى شىء بل على العكس، فهى تشعر أنها أفضل فى فرنسا وأنها بلدها الأم. ولكن جاءت الثورة لتغير هذا المفهوم إذ أصبح لهن دور يمكن لعبه هنا على الأراضى الفرنسية أولها تطوير الإحساس واختراع نموذج جديد للانتقال السياسى والعيش بطريقة الهوية المزدوجة سواء فى فرنسا أو فى تونس، وسواء كان ذلك بالالتزام الثقافى أم السياسى . ولتصبح تونس بالنسبة للمهاجرين مصدر إلهام للشباب الذين يعيشون هويتهم المزدوجة ولكن بشكل متناغم وسلمى. وفى الوقت الذى تستنكر فيه الشابات التونسيات فى فرنسا هذه الفكرة فإن الونيسى ترى أن المسلمين يعانون بشدة من ممارسة عقائدهم فى فرنسا. فرغم أن المسلمين من حقهم أن يكونوا منظمين على عكس العديد من الدول العربية، ورغم أن عدد المساجد كاف خصوصا بعد الذى تم تطويره بالشراكة مع الخدمات البلدية. ولكن هذا لا يمنع من وجود ما يسمى بالإسلاموفوبيا رغم كونها حالات فردية. وتتذكر الونيسى عندما تم طردها من إحدى قاعات الدرس بسبب ارتدائها الحجاب، كانت تعلم هى وكل المحيطين بها أن هذا غير قانونى على الإطلاق .. ولكن لم يجرؤ أحد على الجهر بذلك بل فضل الجميع الصمت ليس بسبب موافقتهم على ذلك، ولكن خوفا من عواقب الجهر بالرفض..فالخوف أصبح هو المسيطر الرئيسى على الجميع . لذا تسعى الونيسى لتكون الناطق باسم كل التونسيين فى فرنسا، وعليه فإنه لو طلبت منها أى امرأة تونسية المساعدة فإنها لن تتخلى عنها، فالتونسيات لسن فى حاجة لكى يأتى الأوروبيات ويقفن عاريات أمام البرلمان الفرنسى للمطالبة بحقوق المرأة خصوصا العربية، وذلك فى تلميح لما فعلته التونسية أمينة هذه الشابة الصغيرة التى تم استغلالها أسوأ استغلال قبل أن يستغنوا عنها. وتعلن الونيسى عن تأييدها للحركة النسوية التى بدأت فى تونس عام 1920 والتى ترى أنها حركة فاعلة لها دور كبير فى القضايا المحلية، لأنها تعالجها بمنظور شرقى، وذلك على عكس الحركات النسوية الغربية التى لا تتناسب مع الطبيعة الشرقية فى تقديمها للحلول أو حتى عرضها للقضايا. لذلك تسعى سيدة إلى المضى قدما فى محاولة إقناع الفرنسيين بكون المهاجرين ليسوا بهذا السوء، خصوصا بعد حادث مقتل الفرنسى هيرفيه جوردال، والذى زاد المسألة تعقيدا فيما يخص المهاجرين الجزائريين، لذا يسعى النهضة لتحقيق المستحيل على يد هذه المرأة .

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg