المجلة



الاحتجاب خلف عباءة الرجال خوفا من رفض المجتمع (1-3).. أديبات عالميات قاومن الإقصاء الأنثوى بأسماء الذكور!

11-12-2015 | 22:45
مروة فودة

يقول رائد المسرح الكوميدي في اليونان القديمة المفكر»أريستوفانيس» في مسرحية «الضفادع» :»يتعلم» الأطفال في المدارس ويتعلم الكبار في المسارح».. وتطبيقا لأفكاره واحتراما منه لدور المرأة جعل منها بطلة رئيسية للكثير من إبداعاته، ولأنه كان مؤمنا بقدرات النساء، فقد حملهن رسالة «إيقاف الحروب»، و»إنهاء القتال بين بني البشر»، ففي حياته اندلعت حرب ضروس، بين أثينا وإسبرطة استمرت نحو21 عاما راح ضحيتها الكثير من بني آدم، وكان أريستوفانس من أبرز الدعاة للسلام ووقف الحرب التي –برغم حبه لبلاده - حمل أثينا وزرها.

وهكذا خرجت مسرحية «ليسستراتي» للنور، كانت ولادتها عام 411 قبل الميلاد، لتحمل رسالة السلام إلى المجتمع الأثيني وكلف المبدع اليوناني النساء مهمة حمل الرسالة، حيث رأي أنهن الأكثر تضررا من هذه الحرب فهن يخسرن أبناءهن وأزواجهن وأباءهن وهكذا فهن الأكثر قدرة على الثورة على الحرب وتحقيق السلام. وكانت فكرة "ليسستراتي" بطلة المسرحية هي توجيه الدعوة لإحلال السلام الغائب، هي دفع الرجال إلى التوقف عن القتال والاستماع إلى صوت الحياة، وكان ذلك عبر خطة مقسمة إلى شقين الأول أن تمتنع النساء عن معاشرة أزواجهن المقاتلين، والثاني الاعتصام في "الأكروبول" مركز الحكم، حيث توجد الخزانة العامة للدولة الموجودة في معبد "البارثينون"، وذلك من أجل قطع طريق المال الموجه إلى الحرب وتوجيهها إلى خدمة الحياة. وجهت "ليسستراتي" دعوتها لصديقاتها وبعد تردد البعض وافق الجميع على بدء تنفيذ الخطة التي لم يقف مداها عند حدود أثينا فحسب، بل وصل إلى إسبرطة، فكانت ثورة نسائية دفعت القادة العسكريين إلى التوقف عن السعى للمنافع المادية للحرب على حساب الحياة، وبدأت المفاوضات بين الرجال ونسائهن لتنتهي المسرحية بإحلال السلام بين الفريقين المتقاتلين، وعودة الحياة الأسرية إلى مسارها الطبيعي الهادئ. لم تكن "ليسستراتي" العمل الوحيد الذي تحدث بإيجابية عن المرأة ودورها، فعلى مدار التاريخ سجلت الإنسانية الكثير من المقولات عن النساء:"لم تخلق المرأة من رأس الرجل لئلا تتعالى عليه ولا من رجله لئلا يحتقرها، بل استلها من ضلعه لتكون تحت جناحه، فيحميها وقريبة إلى قلبه فيحبها وتكون مساوية له.. إذا تلبد قلب الرجل بالهموم انزاحت سحب الضباب بظهور المرأة.. خير القرناء: الزوجة الصالحة.. المرأة أكثر تضحية من أي شخص على الأرض.. حياة بلا امرأة كمصباح بلا نور".. مقولات قالها فلاسفة، ودونها حكماء، ولكنها جميعا ظلت كلمات حفظتها الكتب ولم تلمس كثيرا أرض الواقع إلا بجهد عسير ولنا في تاريخ الأدب العالمي خير شاهد. فعلى الرغم مما تتمتع به المرأة الغربية اليوم من مكانة في مجتمعها وحريات سياسية واقتصادية ومدنية، فإن الطريق لهذه الحرية لم يكن أبدا مفروشا بالورود، بل كان رحلة طويلة اضطرت النساء خلالها إلى التخفي تحت أسماء ذكورية، حتى يستطعن أن يصلن بأفكارهم إلى المجتمع، وهكذا يسجل الأدب أسماء شهيرة في عالمه مثل جورج ساند، هاربر لي، إ.م. بارنرد، جورج إليوت، جميعها أسماء ذكورية لامعة ولكنها في حقيقة الأمر كانت البوابة السرية التي خرج عبرها عالم الإبداع النسائي، كانت التذكرة التي استخدمتها المرأة فى القرن التاسع عشر، لتعبر بها بأفكارها إلى مجتمعاتها التي كانت تعاني في ذلك الوقت من مرض "الإقصاء الأنثوي" فكان هذا الرفض أشبه بقانون غير مكتوب، استنه المجتمع آنذاك تحت وطأة الجهل. وهكذا قدمت العديد من الأديبات العالميات أنفسهن بأسماء ذكور، وكان قرارها كما سنرى في السطور المقبلة ترجمة لخوفهن من رفض المجتمع لأفكارهن، ربما لجرأتها وخروجها عن السائد والمتبع، ربما لأنها خرجت من رأس امرأة فكان قرارهن تعبيرا عن قلقهن من رفض المجتمع لعمل أدبي تكتبه امراة، حيث كانت النظرة العامة للأعمال الأدبية النسائية في هذا الوقت بأنها مجرد قصص رومانسية لا تصلح لأن تنشر، وكان للأديبة الإنجليزية اللامعة فيرجينيا وولف رأيها فى هذا السلوك حيث قالت:"إن هذه الظاهرة نتجت عن صراع داخلي عانت منه المرأة الطموح في مجتمع ذكوري لا يأخذ إنجازات النساء على محمل الجد، فلجأت المرأة إلى الاحتجاب وراء اسم ذكوري، مستبعدةً بذلك هويتها الحقيقية على الساحة الأدبية". ولكن، وعلى الرغم من هذا الحصار فإن العديد من الأديبات نجحن في فرض وجودهن على الساحة الأدبية وتركن بصمة خالدة مع الأجيال فأعيد نشر كتبهن بأسمائهن لاحقا، وتحولت أفكارهن إلى أعمال فنية متنوعة بدءا من المسرح وانتهاء بالسينما وخلال السطور المقبلة سنروى حكاية بعض من هؤلاء المبدعات، فحياتهن كانت في حد ذاتها قصة تروى. إليوت وقصة ماري مع الأدب ستكون أولى بطلاتنا هى الجميلة ماري آن ادفانس الروائية الإنجليزية، وهي واحدة من أشهر أدباء العصر الفكتوري، وينظر لأعمالها الى جانب إبداعات العبقرى الإنجليزي تشارلز ديكنز، باعتبارهما من أعمدة الأدب الاجتماعى الإنجليزي.

ولكن ماري مثلها مثل أخواتها اللاتي سنحكي عنهن دخلت عالم الأدب باسم رجالي وهو "جورج إليوت"، ويرجع اختيار بطلتنا لقناع الاسم الذكوري، إلى رغبتها في أن تؤخذ أعمالها على محمل الجد، ولتبعد نفسها وأعمالها الأدبية عن الأحكام المنبثقة من الصورة النمطية في هذا الوقت، كون أن الإبداع عمل قاصر على الرجال فحسب، فإنها وبعد أن نشرت رواياتها "آدم بيد" عام 1859، وأمام ما لاقته الرواية من إعجاب، وكرد فعل لشعورها بالفرح للمديح الذي أغدق به القراء اسم "جورج إليوت"، قررت البطلة المبدعة الكشف عن هويتها، فبات معروف بأن "إليوت" هو تذكرة عبور ماري إلى مملكة الإبداع، ولكنها ونتيجة لضغط الصور النمطية في المجتمع، إضافة إلى رغبتها في الابتعاد عن عالم الشهرة كي لا يتطرق أحد إلى علاقتها مع الفيلسوف البريطاني جورج هنري لويس الذي كان متزوجاً في ذلك الوقت، فاختارت مارى الاستمرار فى نشر أعمالها تحت مظلة التخفي باسم "جورج إليوت". ولكن من هي ماري آن إيفانس؟ وكيف بدأت علاقتها بعالم الأدب؟.. هذه الأسئلة ستجيب عنها بطلتنا حيث تقول:"برغم أن عمر المرأة أحد الأسرار التي تهوى الاحتفاظ بها لنفسها فقط، فإنني أتصف بالواقعية التي كانت سنة مميزة لأعمالي الأدبي وعلى ذلك فسأتحدث إليكم عن تاريخ ميلادي ورحيلى حيث ولدت في 22 نوفمبر عام 1819 ورحلت عن الدنيا في 22 ديسمبر عام 1880، وعلى ذلك فكان رقم 22 رقما مميزا في حياتي. لقد كنت الابنة الثالثة لروبرت إيفانس وكرستينا إيفانس وكان لي أخ وأخت من زواج سابق لأبي". خلال طفولتها أظهرت ماري ذكاء واضحا وحظيت بفرصة الدخول إلى مكتبة بلدة "نانيتن" البريطانية الريفية، مما طور قدرتها وكان من الجلي تأثرها بالكتابات اليونانية كما كان تأثرها بالديانة المسيحية كبيرا، حيث تلقت بعض تعليمها من المدرسة المعمدانية. في عام 1836 توفيت أمها فأخذت ماري على عاتقها مهمة رعاية البيت، لكنها أكملت تعليمها من خلال معلم خاص كان يأتيها في منزلها، وعندما بلغت من العمر 21 عاما تزوج أخوها الأكبر وأخذ بيت العائلة له، فاضطرت هي ووالدها لترك الريف والانتقال للعيش في العاصمة، وبمجىء عام 1846 خرج للنور أول أعمالها، وكان ترجمة لكتاب "ديفيد شتراوس" "حياة السيد المسيح" الذي ظهرت عبر صفحاتها مدى تأثرها بتعاليم المدرسة المعمدانية ومدى تعلقها بالدين. وتعود ماري للحديث فتروي "قبل وفاة والدى كنت قد سافرت إلى سويسرا، وهناك رأيت شكلا مختلفا للحياة في أوروبا عن تلك التي اعتادته في بريطانيا، وعند عودتي إلى وطنى انتقلت للعيش في العاصمة لندن وكنت مصممة على أن أكون كاتبة، وكانت استجابة القدر لأمنيتي عام 1858 حيث كنت أعيش في منزل الناشر "جون تشابمان" الذي كان يملك صحيفة محلية عملت هي فيها محررة لمدة ثلاث سنوات، لكن كل كتاباتي كان تنشر باسم السيد تشابمان، فلم يكن لدي الجرأة بعد على مواجهة المجتمع، وفي الوقت نفسه لم يكن المجتمع ليس في بريطانيا وحدها بل في أوروبا كلها لدية سماحة النفس، واتساع الأفق لتقبل فكرة غريبة تماما عليها وهي الإنصات لأصوات المرأة عبر كلماتها هي". القلق الفكرى والاتجاه لـ «الثورة» برغم التربية الدينية التي تلقتها ماري فإن حياتها لم تفتقر إلى أشكال القلق والتقلب، والقلق هنا هو القلق الفكرى تحديدا، وكان عام 1851 شاهدا على أكبر تقلب أول "ثورة" في مسار حياة بطلتنا، انقلابا مهد له انتقالها من الريف الى لندن، ومن الحياة العائلية المتفانية تحت سلطة أب هادئ ورع، ولكنه كان مسيطراً على حياة ابنته في عقودها الأولى، تلك السيطرة التى دفعت ماري البحث الفكري قبل أن تبدأ مرحلتها الروائية، فانصرفت عن الإيمان الديني المطلق إلى حياة أقرب للبوهيمية الفكرية، حيث تعرفت بعدد من الفلاسفة، وهكذا التقت بالفيلسوف "جورج هنري لويس". كان جورج متزوجا، ويكبر ماري بعد ليس قليلا من السنين، إلا أنهما بطلتنا والفيلسوف قررا عام 1854 أن يعيشا معاً على الرغم من القواعد الدينية والاجتماعية، وسافرا معاً إلى ألمانيا، حيث عاشا بضع سنوات قبل أن يعودا إلى بريطانيا بعد آن هدأت عاصفة ارتباطهما، وعند عودتهما عاشا في لندن لكن بعيداً عن مجتمع الكتاب، وفي ذلك الوقت قررت ماري أن تتخذ اسم "جورج إليوت"، ليكون بطاقة دخولها لعالم الكتابة الإنجليزية ليشهد عام 1859 خروج أول رواية كاملة لها تحت قناع الاسم بعنوان "آدم بييد". وحققت الرواية نجاحاً واسعاً لكنها تلك أطلقت العديد من التكهنات حول هذا الكاتب الجديد، وفي النهاية وبعد مضي فترة اعترفت ماري بأنها هي جورج إليوت فكان لذلك الخبر تأثير قوي على قرائها الذين صدموا بمعرفة تفاصيل حياتها الشخصية. استمرت بطلتنا في الكتابة لمدة 15 عاماً وقد نشرت آخر رواية لها في عام 1873 بعنوان "دانيال ديروندا" وبعد عامين من نشر هذه الرواية رحل حبيبها الفيلسوف جورج لويس. وكأن ماري هوت توجيه الصدمات لقرائها، وجهت لهم صدمة جديدة فبعد فترة من وفاة الفيلسوف تعرفت إلى رجل أمريكي يصغرها بعشرين عاماً اسمه جون والتر كروس وتزوجته وكان ذلك عام 1880، ولم يدم زواج بطلتنا بالسيد كروس أكثر من شهرين، حيث رحلت عن عالمنا وكان عمرها حين ذاك 61 عاماً. التأريخ للمجتمع عبر الأدب برغم أن بطلتنا ماري لم تتجه إلى عالم الرواية إلا بعد أن تجاوز عمرها الأربعين، فإن ما أنتجته من أعمال يوضع إلى جانب إبداعات العبقرى تشارلز ديكنز، باعتبارهما من أعمدة الأدب الاجتماعي الإنجليزي في هذه الفترة، أي الأدب الذي أرخ لتطور المجتمع وما كان به من مشكلات وإمكانية تغييرها، وبالطبع كان لكل من ديكينز وماري له طريقته في السرد التاريخي، فديكينز كان أميل إلى الشاعرية الواقعية، لكن بطلتنا ماري تميزت بصدق أكثر عمقاً، وبنزعة فلسفية أخلاقية جاءت ناتجة عن تجربتها الحياتية، فكانت أعمال ماري أشبه سيرة ذاتية غير مباشرة للروائية، فكثيرا ما كانت أحداث قصصها تحكي عن شخصيات مرت بهم في حياتها. ونرى ذلك جليا في رواية ماري الأولى "آدم بيد" فكانت تدور حول نجار شاب حنون وطيب هو آدم بيد، هذا النجار يحمل الكثير من سمات شخصية والدها، كما نجد تأثرها بعمتها اليزابيث إيفانز التي كانت في الأصل داعية إنجيلية واضحا فى شخصية دينا موريس ناشرة الدين والأخلاق في البلدة، وهي إحدى الشخصيات الأساسية في الرواية. الموضوع الأساسي في "آدم بيد" هو حكاية فتاة جميلة تحمل بطفل من علاقة آثمة، فتجهض الطفل. ويبدو أن أصل الرواية قصة كانت العمة اليزابيث قد روتها لابنة أخيها ماري خلال فترة طفولتها المبكرة، وقد تركت أحداث هذه القصة بصماتها في وجدان بطلتنا، وحين مرت بمرحلة البحث الفكرى ثم النضوج إلى الكتابة الروائية قامت بتحويل قصة العمة إلى رواية باتت اليوم من كلاسيكيات الأدب الإنجليزي. وبرغم أن ماري كانت قد فقدت إيمانها بالكنيسة، فإنها ظلت حريصة على قيمة الأخلاق ودور الإنسان وواجبه تجاه مجتمعه، حيث إن ذلك يمكنه أن يجعل من العالم مكانا أفضل. ويمكن أن نرى هذا جليا في روايتها "آدم بيد" التي تدور أحداثها حول أربعة أنماط من البشر: العامل البسيط غير القابل للفساد، مالك الأراضي الغني الباحث عن المتعة بأي ثمن ومن دون أي رادع أخلاقي، والمرأة الرومانسية المستسلمة أمام عواطفها والتي يقع في حبها النمطان السابقان، وأخيراً الواعظة الأخلاقية التي تمارس تأثيرها الشافي على الجميع. وحتى لا نبخس ماري حقها، فهي لم تحتل المكانة التي تحتلها اليوم في الأدب الإنجليزي من عملها الأول فحسب، فقصتها "طاحونة على نهر فلوس" التي خرجت للعالم عام 1860وما تحمله من طابع أشبه بالسيرة الذاتية غير المباشرة للكاتبة، وروايتها "ميدل مارش" التي شهدت النور عام 1862 والتي تسرد تحليلا دقيقا للحياة الريفية الإنجليزية خلال المرحلة الأولى من العصر الفيكتوري، لا تقلان أهمية عن "آدم بيد"، حيث تمكنت ماري في رواياتها الثلاث معاً ومجمل أعمالها، من أن ترسم صورة للمجتمع وتاريخه. الخاتمة من إليوت إلى الأخوات الثلاث ومن إليوت سينتقل حديثنا إلى ثلاث أديبات يحملن نفس الاسم، لم يخترن نفس القناع لتمرير أفكارهن، ولكنهن ثلاث أخوات جمعتهن بماري نفس الظروف الاجتماعية ونفس معاناة الإقصاء الأنثوي، ولكنهن زدن عليها فيما تعرضن له خلال حياتهن من عذابات، حيث كان الموت رفيق الفتيات الثلاث منذ نعومة أظفارهن والفقر والجهل أحكما سيطرتهن، على حياتهن، إلا أنهن قررن الهروب من واقع كئيب إلى آفاق الخيال والإبداع فسجلن أسماءهن في تاريخ الأدب الإنجليزي وباتت أفكارهن علامات بارزة في طريق الحضارة الإنسانية.. بالطبع سيكون هناك تساؤل عن كينونة المبدعات الثلاث ولكن لندع ذلك للحلقة المقبلة.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg