297‏السنة 123-العدد2002نوفمبر30‏25رمضان 1423هـالسبت

الصفحةالأولى
أول الأسبوع
أول الكلام
نحن والعالم
كاريكاتير
سوق ومال
حياة الناس
ثقافة
فن
ليل و نهار
ملاعب العرب
مساحة للحوار
الواحة
المحطة الأخيرة
مقالات

مذكرات ماركيز‏..‏ أن تعيش لتحكي ـ‏7‏ ـ
سر جماعة تكونت بفعل الجاذبية

ماركيز

ترجمة ـ د‏.‏ طلعت شاهين


ربطت دائما بين الحرب مع البيرو وأفول الحياة في كاتاكا فما إن تم توقيع اتفاقية السلام حتي بدأت سلسلة من المشاكل تلاحق أبي انتهت بانتقال العائلة إلي قريته الأصلية‏'‏ سينثي‏'‏ رافقناه لويس انريكي وأنا في رحلة استطلاعية كانت في الحقيقة مدرسة حياتية بالنسبة لنا‏.‏ الثقافة هناك مختلفة عن ثقافتنا حتي تصورنا أننا من كوكبين مختلفين‏,‏ بدأنا من اليوم التالي لوصولنا في تعلم ركوب الحمير وحلب البقر وخصي العجول ونصب الشراك لصيد السمان وصيد السمك بالسنارة وعرفنا لماذا يشتبك الكلب مع أنثاه أثناء أداء فعل الحب‏,‏ كان لويس انريكي يسبقني دائما في اكتشاف العالم الذي أخفته عنا الجدة مينا والذي حدثتنا عنه الجدة ارخيميرا في سينثي دون أدني خجل‏,‏ كان الأعمام والعمات وأبناء العمومة مختلفي الألوان ووجدنا أنفسنا بين الكثير من الأقارب من مختلف الألقاب ويتحدثون بلهجات مختلفة مما سبب لنا في البداية بعض الخلط إلي أن توصلنا إلي أنها طريقة جديدة لإعلان المحبة والد والدنا السيد جابرييل مارتينيث الذي كان في السابق مدرسا في إحدي المدارس المعروفة استقبلنا أنا ولويس انريكي في فناء تحت ظلال أشجار عملاقة كانت الأكثر شهرة في القرية كلها بحبات المانجو الكبيرة كان يقص علينا واحدا واحدا أول محصول سنوي جناه‏,‏ كان يقطفه بيديه ويبيعه بسنتيم واحد للحبة وهو أعلي سعر في ذلك الوقت عندما ودعناه بعد ثرثرة طويلة حول ذاكرته كمعلم ممتاز قام بقطف حبة مانجو ضخمة أهداها لنا نحن الاثنين‏.‏
أقنعنا أبي بأن تلك الرحلة تعتبر خطوة مهمة للحفاظ علي وحدة العائلة‏,‏ لكن منذ لحظة وصولنا اكتشفنا أن هدفه السري من تلك الرحلة هو افتتاح صيدلية في الميدان الرئيسي للقرية‏,‏ ثم إلحاق شقيقي وأنا في مدرسة لويس جابرييل ميسا التي كنا نشعر فيها بحرية أكثر وتسهل اختلاطنا في المجتمع الجديد‏.‏ أجرنا بيتا كبيرا في أفضل مكان بالقرية كان من طابقين وشرفة بطول الميدان كانت غرفه فارغة وواسعة‏.‏
كان كل شئ معدا لوصول الأسرة السعيدة‏,‏ عندما وصلنا تلغراف بنبأ موت الجد نيكولاس ماركيز‏.‏ كان قد أصيب فجأة بالتهاب في الحلق تم تشخصيه علي أنه سرطان في حالة متأخرة فنقلوه إلي مستشفي سانتا مارتا بسرعة ليموت هناك‏.‏ كان شقيقي جوستابو الوحيد من الاسرة الذي شاهده في لحظاته الاخيرة كان شقيقي في شهره السادس وقام أحدهم بوضعه بين يدي الجد ليودعه وقام الجد بمداعبته المداعبة الأخيرة كنت في حاجة إلي فترة طويلة من الزمن لأفهم معني موته غير المتوقع‏.‏
لم يكن الرحيل إلي سينثي فقط بالإخوة بل شمل الجدة مينا والعمة ماما المريضة وكلتيهما كانت تحت رعاية العمة با إلا أن فرحة الانتقال وحزن الفشل حلا معا في وقت واحد قبل مرور عام واحد فقد عدنا جميعا إلي البيت القديم في كاتاكا وبقي أبي في بارانكيا يدرس الطريقة المثلي لافتتاح صيدلية هناك‏.‏
آخر ذكرياتي عن بيت كاتاكا في تلك الأيام كانت النار الموقدة في الفناء التي احرقوا فيها ملابس الجد قبعاته الحربية وملابسه الكتانية البيضاء ككولونيل مدني كانت تبدو مثله تماما كما لو كانوا يحرقونه بداخلها خاصة قبعاته القطيفية التي كانت تعتبر جزءا من هويته من بين تلك القبعات كانت قبعتي الاسكتلندية التي احترقت مصادفة لوجودها بين متعلقات الجد أشعر اليوم بوضوح أن شيئا مني قد مات مع موت الجد وأعتقد أيضا أنني كنت كاتبا في مدرسة أولية‏,‏ ما ينقصني هو تعلم الكتابة فقط لأكون روائيا‏.‏
كان هذا هو إحساسي لحظة خروجي من البيت برفقة أمي بعد أن عجزنا عن بيعه وبما أن قطار العودة كان يمكن أن يعود في أي لحظة فقد ذهبنا إلي المحطة مباشرة دون أن نحيي أيا من الجيران قالت أمي‏:'‏ سنعود في يوم آخر ويكون لدينا الوقت لذلك‏'‏ كانت تقولها بنية أننا لن نعود أبدا بعد اليوم بالنسبة لي لم أكن اعرف أنه في تلك اللحظة سأشتاق دائما إلي برق أمسيات القرية‏.‏
كنا الشبحين الوحيدين في المحطة بالإضافة إلي عامل التحويلة الذي كان يبيع التذاكر أيضا ويقوم بأعمال عشرين أو ثلاثين من العمال في زمننا هذا كان الحر يذيب الحديد لم يكن علي الجانب الآخر من السكك الحديدية سوي بقايا شبحية لمدينة شركة الموز المحرمة كانت مبانيها الضخمة بلا أسقفها الحمراء وتساقطت النخلات بين الحشائش وتهدمت أسوار المستشفي‏.‏
بمجرد النظر إلي أي شئ كان ذلك يوقظ في إحساسا بالتشوق للكتابة حتي لا أموت‏,‏ شعرت بهذا الإحساس نفسه مرات عديدة لكنني في ذلك الصباح شعرت أنها حالة من حالات بداية الإلهام تلك الكلمة الكريهة الواقعية جدا التي تهز الكيان‏.‏
لا أذكر أنني تحدثت مع أمي عن أي شئ آخر ولا حتي أثناء العودة في القطار وفي اللنش فجر الاثنين وتحت تأثير نسمات النهر النائم انتبهت أمي إلي أنني لم أنم فسألتني‏:‏
‏-‏ فيما تفكر‏.‏
أجبتها بطريقة حاولت أن تكون لطيفة‏:‏
‏-‏ أنا اكتب أعني أنا أفكر فيما سأكتب عندما اصل المكتب‏.‏
‏-‏ ألا تخاف أن يموت أبوك من الحسرة‏.‏
انفجرت فيها بشكل عفوي‏:‏
‏-‏ كانت لديه أسباب كثيرة ليموت وهذا السبب اقلها تأثيرا‏.‏
لم يكن هذا الوقت مناسبا لأبدأ رواية ثانية بعد أن غرقت في الأولي حتي أذني‏,‏ نجاحي في كتابة شكل جديد من عدمه لم يكن مهما إلا أنني في تلك الليلة عاهدت نفسي أن أكتبها أو أموت أو كما قال ريلكه‏:'‏ إذا كنت تستطيع أن تعيش دون أن تكتب فلا تكتب‏'.‏
من خلال نافذة التاكسي الذي أخذنا من المحطة وحتي مرسي اللنشات‏,‏ بدت مدينتي غريبة وحزينة تحت أضواء الصباح الأولي في ذلك اليوم من فبراير دعاني قبطان اللنش‏'‏ الين مرثيدس‏'‏ أن أرافق أمي حتي قرية سينثي حيث تعيش العائلة منذ عشر سنوات‏,‏ ودون تفكير ودعتها بقبلة ونظرت هي في عيني وابتسمت لأول مرة منذ الليلة الماضية وسألتني بطريقتها الماكرة‏:‏
‏-‏ إذن ماذا أقول لأبيك
أجبتها من كل قلبي‏:‏
‏-‏ قولي له أنني أحبه جدا وأنني بفضله سأصبح كاتبا‏.‏
ثم واصلت بقوة لا تدع مجالا للشك‏:‏
‏-‏ لن أكون سوي كاتب‏.‏
كنت أقول لها ذلك هازلا في بعض الأحيان وفي أحيان أخري بجدية لكني لم أكن أبدا واثقا مما أقول مثل تلك المرة وقفت علي الرصيف أرد علي تحيات أمي البطيئة التي كانت تبعث بها من اللنش إلي أن أختفي بين بقايا السفن حينها انطلقت إلي مكاتب صحيفة‏'‏ الهيرالدو‏'‏ بإحساس لذيذ للإقبال علي الكتابة ودون أن أترك مجالا للراحة بدأت الرواية الجديدة بالجملة التي قالتها أمي‏:'‏ جئت اطلب منك أن ترافقني لبيع البيت‏'.‏
منهجي في الكتابة حينها كان مختلفا عنه بعد ذلك ككاتب محترف كنت اكتب حسب الترتيب المفهرس‏-‏ لازلت أمارس هذه الطريقة‏-‏ لكني لم أكن أترك المقطع حتي انتهي منه تماما‏-‏ كما أفعل الآن‏-‏ لكني كنت أكتب كل ما احمله بداخلي دون ترتيب‏.‏ أعتقد أن ذلك نظام من الكتابة كانت تفرضه نوعية الورق المستطيلة المقطوعة من بكرات المطبعة والتي كان يصل طولها أحيانا ما يقرب من خمسة أمتار‏.‏ فتكون النتيجة أن النص يشبه أوراق البردي المستطيلة التي تخرج من الآلة الطابعة وتمتد علي أرضية الغرفة ولا يتوقف الطول حتي الانتهاء من الكتابة‏.‏ لم يكن مدير التحرير يطلب الكتابة بعدد معين من الصفحات أو بعدد الكلمات أو حتي بعدد الحروف بل بعدد السنتيمترات كان يقول‏:'‏ أريد تحقيقا بطول متر ونصف المتر‏'‏ ظللت أحن وأنا في كامل نضجي لهذا الشكل من الكتابة حتي انتبهت إلي أن تلك الطريقة تشبه الكتابة علي شاشة الكمبيوتر‏.‏
الاندفاع الذي بدأت به الرواية كان شديدا إلي درجة أنني فقدت الإحساس بالزمن كتبت حوالي المتر بحلول الساعة العاشرة‏,‏ لدرجة أن ألفونسو فوينماير وقف مشدوها عند الباب الرئيسي وظل ممسكا بالمفاتيح في القفل كما لو كان أخطأ الطريق ودخل الحمام بدلا من حجرة المكتب ولم يخرج من دهشته حتي انتبه إلي أنني أنا فقال بدهشة‏:‏
‏-‏ وأنت ماذا تفعل هنا في هذه الساعة بحق الشيطان‏.‏
قلت له‏:‏
‏-‏ إنني أكتب رواية عمري‏.‏
قال بسخريته المعهودة‏:‏
‏-‏ رواية أخري إذن أنت لك أرواح أكثر من عدد أرواح القط‏.‏
وحتي لا أتورط في شروح لا قيمة لها قلت له‏:‏
‏-‏إنها الرواية نفسها ولكني أكتبها بطريقة مختلفة‏.‏
أخرج من حقيبته المهلهلة كتبا وأوراقا ووضعها علي المكتب فيما قدمت له شرحا مسهبا ومحموما لحكاية رحلتي‏.‏ في النهاية لم أستطع مقاومة تلخيصها في جملة واحدة فقلت له‏:‏
‏-‏إنه اعظم شئ حدث لي في حياتي‏.‏
قال الفونسو‏:‏
‏-‏لحسن الحظ أنه لن يكون الحدث الأخير‏.‏
لم يفكر فيما قال لأنه هو أيضا لا يستطيع إلا أن يقيس الأشياء بحجمها المناسب إلا أنني كنت أعرفه جيدا إلي درجة أنني فهمت أن حماسي للرحلة لم يؤثر فيه كما حدث معي لم يكن هناك شك في أنها لفتت انتباهه لذلك بدأ من اليوم التالي في طرح أسئلة تبدو اعتيادية في كل الاتجاهات لكنها كانت أسئلة كاشفة عن سير الكتابة في الرواية وكانت مجرد إشارة منه كافية لأتوقف عن الكتابة وأفكر في تصحيح شئ ما‏.‏
عندما كنا نتبادل الحديث قمت بجمع أوراقي لأترك له المكتب خاليا كان علي الفونسو أن يكتب افتتاحية العدد إلا أن النبأ الذي حمله إلي أسعدني كثيرا فقد تم إرجاء إصدار العدد الأول للمرة الخامسة بسبب نقص في توريد الورق وقال الفونسو أنه في أفضل الحالات لن تصدر قبل مرور ثلاثة أسابيع‏.‏
فكرت في انه وقت كاف لتتضح معالم الرواية لأنني كنت لا أزال عديم الخبرة حتي أعرف أن الرواية لا تبدأ كما يريد الكاتب بل كما تريد الرواية نفسها أن تكون إلي درجة أنه بعد مرور ستة أشهر بعد ذلك وعندما اعتقدت أنني قاربت علي الانتهاء أعدت كتابة الصفحات العشر الأولي بشكل مختلف حتي أستطيع أن اقنع القارئ ولازلت حتي هذه اللحظة أعتقد أنها لم تكن كما يجب وأن التأخير كان مناسبا أيضا لألفونسو لأنه بدلا من التأسي علي التأخير خلع الجاكتة وبدأ في تصحيح الطبعة الحديثة لقاموس الأكاديمية اللغوية الذي وصلنا قبل أيام كانت تلك هوايته المفضلة منذ أن اكتشف خطأ في قاموس اللغة الإنجليزية وأرسل بالتصحيح الموثق إلي الناشر في لندن ربما كان هدفه مجرد مداعبتهم علي طريقتنا بقوله‏:'‏ أخيرا يدين الإنجليز للكولومبيين بشيء‏'‏ أجابوا علي رسالته برسالة رقيقة يعترفون فيها بالخطأ ويطلبون منه أن يستمر في التعاون معهم‏.‏ وظل هكذا لعدة سنوات ولم يكتشف فقط أخطاء في هذا القاموس بل اكتشف أخطاء في قواميس لغات أخري وما أن مضي وقت علي علاقته بالناشر كانت الهواية قد تحولت إلي إدمان فقد كان يصحح قواميس باللغات الإنجليزية والإسبانية والفرنسية وعندما يكون لديه الوقت للانتظار لإجراء مقابلة أو انتظار الأتوبيس كان يقتل الوقت باصطياد الأخطاء بين أعشاب اللغة‏.‏
في الثانية عشرة كان الحر المشبع بالرطوبة شديدا ودخان سجائرنا خفف كثيرا من ضوء النافذتين الوحيدتين في الغرفة ومع ذلك لم يتحرك أي منا لفتح النوافذ لتهوية المكتب ربما بسبب الإدمان كنا نرغب في امتصاص الدخان نفسه حتي الموت لكن الدخان مع الحر كان أمرا مختلفا كنت محظوظا لأنني أحتمل الحر حتي ثلاثين درجة في الظل لكن الفونسو لم يكن يحتمل ذلك فظل يخلع ملابسه قطعة وراء قطعة دون أن يتوقف عن مهمته‏:‏ ربطة العنق والقمص والقميص الداخلي الهدف طبعا أن تظل الملابس جافة ونظيفة فيما كان هو غارقا في عرقه‏,‏ فيمكنه أن يرتديها مجددا عندما تغيب الشمس فتكون علي جسده جافة ومكوية كما في الصباح وهذا كان وراء سر ظهوره في أي لحظة بملابسه البيضاء وأربطة عنقه سيئة العقدة وشعره الهندي الجاف المفترق في المنتصف بخط هندسي في الواحدة عند منتصف النهار كان علي هذه الهيئة وعندما خرج من الحمام كان كما لو كان خارجا من حلم وعندما مر إلي جواري سألني‏:‏
‏-‏ نتناول الغداء
قلت له‏:‏
‏-‏ لا أشعر بالجوع يا معلمي‏.‏
كانت إجابتي في عرف المهنة مباشرة لو قلت نعم أنا جائع كان هذا يعني أنني في أزمة عاجلة‏,‏ ربما لم أكن قد أكلت ليومين سوي بعض الخبز والماء في هذه الحالة كان يجب علي أن اذهب معه دون أدني شرح وكان عليه أن يضيفني بأي طريقة كانت أما الإجابة‏-‏ لا أشعر بالجوع‏-‏ يمكن تفسيرها بأي شئ وكانت تلك طريقتي الخاصة للقول إنه ليست لدي مشكلة لتناول الطعام واتفقنا علي اللقاء في المساء كالعادة في مكتبة‏'‏ موندو‏'.‏
جاء بعد منتصف النهار بقليل فتي يبدو كما لو كان فنانا سينمائيا أشقر جدا ملمس جلده خشن بعض الشئ وله عينان زرقاوان وصوت متناسق رخيم‏,‏ فيما كنا نتحدث عن المجلة قريبة الصدور رسم ثورا فخيما بست علامات مضفرة ووقع عليها وأرفقها برسالة لفونماير‏,‏ وتركها علي المكتب إلي جوار القلم ورفع ذراعه محييا وغادر المكان كنت غارقا في الكتابة ولم أكلف نفسي بالنظر إلي اسمه‏,‏ وما أن بدأت أشعة المساء في الاختفاء كنت قد بدأت أعرف بقايا الأولي للرواية وكنت سعيدا بأنني استطعت أن أجد طريقة لكتابة شئ حلمت بكتابته منذ أكثر من سنة‏.‏
علمت الليلة أن الزائر لم يكن سوي الفنان اليخاندرو أوبريجون وصل قبل قليل من إحدي رحلاته المتعددة إلي أوروبا لم يكن لحظتها واحدا من كبار فناني كولومبيا فقط بل من أكثر المحببين إلي أصدقائه وأنه عاد من الرحلة قبل أن تصل إلي نهايتها ليشارك في إصدار مجلة‏'‏ كرونيكا‏'‏ عثرت عليه في كانتين لا اسم له برفقة بعض المقربين منه في عمق الحي السفلي أطلق عليه زميلنا فوينماير اسم كانتين‏'‏ الرجل الثالث‏'‏ وهو عنوان أحدث كتب جرهام جرين كانت عودته من رحلاته دائما تاريخية وحفل تلك الليلة انتهي بغناء صرصار مدرب حسب نظام صاحبه كان يجعله يقف علي قدميه ويفرد جناحيه ويغني بصفير إيقاعي ويرد علي التصفيق بحركات مسرحية‏,‏ وفي النهاية وتحت سيطرة مدربه السكران بالتصفيق أمسك اوبريجون الصرصار من جناحيه بأطراف أصابعه ووضعه في فمه أمام دهشة الجميع ومضغه حيا بلذة شبقية علمت بعدها أنه لم يكن أول صرصار يأكله اوبريجون حيا في مشهد عام ولن يكون الأخير‏.‏
لم اشعر مطلقا بأنني جزء من تلك المدينة وهذه الجماعة من الأصدقاء مثلما شعرت خلال تلك الأيام فقد كنا معروفين في الأوساط الصحافية والثقافية في البلاد باسم‏'‏ مجموعة بارانكيا‏'.‏ كنا جماعة من الكتاب والفنانين الشبان نلعب دورا ثقافيا رياديا في حياة المدينة تحت قيادة المعلم القطالوني رامون فينيس الكاتب المسرحي وصاحب المكتبة الشهير الذي تضم الموسوعة الإسبانية اسمه منذ عام‏1924.‏
تعرفت علي أفراد الجماعة في سبتمبر من العام السابق خلال زيارتي لكارتاخينا التي كنت أعيش فيها حينئذ وذلك عن طريق كليمنتي مانويل ثابالا رئيس تحرير صحيفة‏'‏ ينيفيرسال‏'‏ التي كتبت فيها أول مقالاتي‏.‏ قضينا الليلة نتحدث وانتهينا بصداقة عميقة وتبادل الكتب والرسائل الأدبية وانتهيت بالعمل معهم‏,‏ كان هناك ثلاثة من المجموعة يتميزون باستقلاليتهم وتفرد موهبتهم‏:‏ خيرمان فارجاس والفونسو فوينماير ألفارو ثيبيدا ساموديو كانت تجمعنا أشياء كثيرة لدرجة أنهم كانوا يقولون عنا إننا أبناء لأب واحد كانت لنا شهرة جعلتنا غير محبوبين في بعض الأوساط بسبب استقلاليتنا وموهبتنا الرافضة للتبعية‏,‏ وتميزنا الإبداعي كان يفرض نفسه برغم خجلنا فكان كل واحد يتغلب علي خجله بطريقته وإن لم تكن النتيجة النهائية طيبة دائما‏.‏
كان الفونسو فوينماير كاتبا وصحافيا في حوالي الثامنة والعشرين ظل يعمل في‏'‏ الهيرالدو‏'‏ لسنوات طويلة يكتب مقالا بعنوان‏'‏ هواء النهار‏'‏ تحت اسم شكسبيري مستعار هو‏'‏ بوك‏'‏ كلما تعرفنا علي فوضويته وحبه للمداعبة نندهش لقراءته كل تلك الكتب في أربع لغات يعرفها‏,‏ آخر تجاربه الحيوية عاشها في الأربعين من عمره من خلال السيارة الضخمة التي كان يقودها بسرعة عشرين كيلومترا في الساعة فكان سائقو التاكسي وأصدقاؤه وقراؤه يعرفونه من بعيد فيفسحون له الطريق‏.‏
كان خيرمان فارجاس ناقدا أدبيا حاد البصيرة وكاتب مقال وعمل نائبا لرئيس التحرير بصحيفة‏'‏ الناسيونال‏'‏ نثره يقنع القارئ بالأشياء التي تحدث‏,‏ لأنه يقصها هو فقط لا غير وكان واحدا من أفضل مذيعي الإذاعة ولا شك في أنه كان أكثرهم ثقافة في تلك الأيام كان أشقر وبعينين زرقاوين خطرتين ولم يكن معروفا اللحظة التي يجب فيها قراءة ما يكتب لم يكن يتعب من البحث عن المواهب الخفية في أقصي المقاطعة وتقديمها للأضواء وكان من حسن حظه أنه لم يتعلم قيادة السيارات مطلقا بين هذه الجماعة فاقدة الوعي لأننا كنا نخشي أن يمارس هواية قراءة الكتب أثناء قيادة السيارة‏.‏
كان الفارو ثبيدا علي العكس من ذلك فقد كان سائقا ماهرا‏-‏ في قيادة السيارات أو حتي في قيادة الحروف‏-‏ كان قاصا من البارعين خاصة عندما كان يجلس علي المكتب ليكتبها وكان ناقدا سينمائيا رائعا ولا شك في أنه كان الأكثر ثقافة ومثيرا بارعا للمعارك الفنية كان يبدو كغجري من الجنوب بجلده الخشن ورأسه ذي الشعر الأسود كانت له عينا مجنون لا تخفي ما في قلبه‏,‏ كان ينتعل صنادل من القماش الرخيص ويضع بين أسنانه سيجارا ضخما مطفأ في معظم الوقت بدأ خطواته الأولي في صحيفة‏'‏ الناسيونال‏'‏ التي نشر فيها أولي قصصه‏,‏ وفي تلك السنة كان في نيويورك لإنهاء دراساته العليا في الصحافة بجامعة كولومبيا‏.‏
أحد أكثر أفراد الجماعة تحركا وأكثرهم تفردا إلي جانب السيد رامون كان خوسيه فيليكس فوينماير والد الصحافي ألفونسو نشر عام‏1910‏ كتاب شعر بعنوان‏'‏ ملهمات استوائيات‏'‏ وروايتين الأولي عام‏1927‏ بعنوان‏'‏ كوزمي‏'‏ والثانية عام‏1928‏ بعنوان‏'‏ المغامرة التعسة لأربعة عشر عالما‏'‏ لم يحقق أي من هذه الكتب نجاحا في المبيعات لكن النقد المتخصص اعتبرت خوسيه فيليكس واحدا من أفضل كتاب القصة‏.‏
عندما تعرفت عليه لم أكن قد سمعت عنه من قبل لكن تصادف أن التقينا في ظهر أحد الأيام في مقهي جابي وسحرني علي الفور بثقافته وبساطته في الحديث كان من محاربي حرب الألف يوم القدامي لم يكن متعلما مثل فينيس لكنه كان اقرب إلي بسبب طريقته في الحياة وثقافته الكاريبية لكن أفضل ما كنت أحبه فيه طريقته الغريبة في نقل ثقافته كما لو كان الأمر يتعلق بشيء بسيط للغاية كان محدثا لا يباري ومعلما له خبرته في الحياة وطريقته في التفكير كانت مختلفة عن كل من عرفتهم حتي تلك اللحظة كنت والفارو ثيبيدا نستمع إليه طوال ساعات خاصة بفكرته المبدئية التي تري أن الفارق بين الحياة والأدب ليس سوي خطأ في الشكل بعد ذلك كتب ألفارو جملة مؤكدة‏:'‏ كلنا خرجنا من عباءة خوسيه فيليكس‏'.‏
تكونت الجماعة بشكل عفوي بفعل الجاذبية تقريبا وكانت تجمعها ألفة غير مفهومة لأول وهلة وكثيرا ما كانوا يسألوننا كيف نجتمع علي رأي نحن المختلفين جدا في ميولنا فكنا نرتجل أي إجابة حتي لا نقول الحقيقة‏:‏ لم نكن دائما متفقين لكننا كنا نتفهم أسباب كل منا كنا نعي أننا خارج نطاقنا معروفون بأننا عنيفون ونرجسيون وفوضويون خاصة في توجهاتنا السياسية‏.‏ كان الفونسو معروفا بأنه ليبرالي متطرف وخيرمان متحرر الفكر والفارو فوضوي غير منتم وأنا كنت معروفا كشيوعي متشكك ومرشح للانتحار‏.‏ إلا أنني اعتقد بلا أدني شك أننا جميعا في أقصي حالات الغضب يمكننا أن نفقد صبرنا لكننا لا نفقد حس السخرية‏.‏ كنا نناقش اختلافاتنا القليلة فيما بيننا وكنا نصل في نقاشاتنا أحيانا إلي درجة خطرة لكننا ننساها بسرعة فائقة بمجرد وقوفنا للانصراف‏,‏ أو عندما يصل إلي المكان أي صديق من خارج الجماعة وربما كان الدرس الذي لا يمكنني نسيانه‏,‏ تعلمته في مشرب‏'‏ لوس المندروس‏'‏ في ليلة من تلك الليالي التي كان فيها الفارو حديث الوصول من السفر واشتبكنا في حوار حول فوكنر كان خيرمان والفونسو الشاهدين الوحيدين وظلا علي هامش الحوار ولم يتدخلا لا أتذكر اللحظة التي ارتفعت فيها حدة الحوار إلي درجة كبيرة واستعد كل منا لمغادرة المكان لنتعارك في الشارع إلا أن صوت خيرمان فارجاس الهادئ أوقفنا بجفاء وأعطانا درسا لا يمكن نسيانه‏:‏
‏-‏ من يقف أولا يخسر المعركة‏.‏
لم يكن أي منا قد تعدي الثلاثين من عمره أنا كنت في الثالثة والعشرين أصغر أفراد الجماعة وتبنوني منذ وصولي في ديسمبر الماضي أما علي طاولة رامون فينيس كنا نحرص علي أن نبدو كدعاة إصلاحيين نكاد معا نتحدث دائما عن الأشياء نفسها ونسخر من كل شئ وكنا متفقين علي مخالفة أي رأي علي الرغم من أننا كنا نبدو متفقين قبلها بقليل‏.‏
كانت‏'‏ ميرا ديلميرا‏'‏ المرأة الوحيدة التي كنا نعتبرها فردا في الجماعة كانت في خطواتها الأولي علي طريق كتابة الشعر نتحدث معها فقط عندما نتخلي عن عاداتنا السيئة جلساتنا في بيتها لا تنسي تجمع كتابا وفنانين من المشاهير الذين يمرون بالمدينة و‏'‏ثيثيليا بوراس‏'‏ صديقة أخري لم تكن منتظمة بيننا تأتي من كارتاخينا من وقت لآخر وترافقنا في جولاتنا الليلية لا تهتم بانتقاد الناس لها كامرأة تصادق رجالا معروفين بسكرهم‏.‏
كنا نحن أفراد تلك الجماعة نلتقي مرتين في اليوم في مكتبة موندو التي تحولت مع الوقت إلي مركز للاجتماعات الأدبية كانت ملتقي هادئا في ضوضاء شارع سان بلاس شريان الحركة الاقتصادية الذي يظل يغلي حتي السادسة مساء‏.‏ نظل أنا والفونسو نمارس الكتابة في المكتب حتي الساعات الأولي من الليل في غرفتنا الملاصقة لصالة تحرير الهيرالدو يكتب هو الافتتاحية فيما أكتب أنا مقالات في شتي الاتجاهات‏.‏ كثيرا ما نتبادل الأفكار من طابعة إلي أخري ونتبادل استعارة الصفات بل ونتبادل المعلومات إلي درجة انه كان من الصعب معرفة أي من أجزاء المقال كتبه الآخر‏.‏
حياتنا اليومية تكاد تكون معروفة بشكل مسبق عدا في ليالي الجمعة التي كنا نتركها للمصادفة وفي كثير من الأحيان كانت سهراتنا فيها تتواصل حتي إفطار صباح الاثنين ولو عثرنا علي موضوع أدبي مثير كنا نواصل أحاديثنا بلا انقطاع نبدأ سهرتنا في كانتين‏'‏ الرجل الثالث‏'‏ بين حرفيي الحي وميكانيكية السيارات إضافة إلي الموظفين المهملين وان كان بعضهم أقل إهمالا‏,‏ أكثر زبائن هذا المكان غرابة كان لص المساكن الذي يصل المكان قبيل منتصف الليل بقليل مرتديا ملابس المهنة‏:‏ بنطلون راقص باليه ضيق جدا وحذاء لاعب تنس وغطاء رأس لاعب بيسبول وحقيبة عدد مختلفة أحد أصحاب البيوت التي تعرضت للسرقة تمكن من رسم صورته ونشرها في الصحف ليتعرف عليه الجمهور كانت الإجابة الوحيدة التي حصل عليها رسائل غاضبة لتجرؤه علي منافسة فناني البورتريه المساكين في مهنتهم‏.‏ كان اللص من ذوي الميول الأدبية لم يكن يترك كلمة أدبية أو فنية تمر دون الانتباه إليها وكنا نعرف أنه مؤلف للكثير من قصائد الحب يقرأها علي زبائن المكان في غيابنا يمارس مهنة السرقة بعد منتصف الليل في الحي الثري من المدينة‏,‏ كما لو كانت السرقة مهنة عادية وبعد ثلاث أو أربع ساعات من العمل كان يعود لإهدائنا بعض ما حصل عليه‏.‏ يقدمها لنا بقوله‏:'‏ هذه للبنت‏'‏ دون أن يهتم بالسؤال إن كانت لدينا بنات بالفعل كانت تلفت نظره بعض الكتب فكان يسرقها ليقدمها لنا علي سبيل الهدية وعندما يكون للكتاب قيمة نضمه إلي مكتبة شقة مييرا ديلميرا‏.‏
حواراتنا المتنقلة خلقت لنا شهرة سيئة بين حضور قداس الخامسة‏,‏ فكانوا يغيرون أماكن سيرهم حتي لا يلتقون مع سكاري الفجر‏,‏ لكن الحقيقة لم يكن هناك من هو أكثر شرفا وكدحا منا وربما من انتبه إلي هذا كنت أنا فكنت أصرخ فيهم بأبيات من أشعار‏'‏ جون دوس باسوس‏'‏ الخليعة أما بالنسبة لاهتماماتنا الكروية كنا من مشجعي اليبورتيفبو جونيور إلي درجة أن جارة لحانة القط الأسود يئست من حواراتنا فصرخت فينا‏:‏
‏-‏ لو أنكم تعملون كما تصرخون لكنا الآن من الأثرياء‏*‏